العنوان بعد التعيينات الجديدة في الإدارة الأمريكية: هل تفقد واشنطن احترامها في العواصم العربية؟
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
أصابت التعيينات الجديدة لفريق الأمن القومي الأمريكي في الأسبوع الماضي العواصم العربية بخيبة أمل ملحوظة، كما أن الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة لم تخف تشاؤمها وخاصة من تعيين «مادلين أولبرايت» وزيرة للخارجية حيث إن هذا المنصب يعكس مدى جدية واشنطن وطريقة تعاملها مع ملف الشرق الأوسط ذلك الملف المليء بالتناقضات وعوامل التفجير والذي هو بأشد الحاجة إلى شخصية قوية ذات نفوذ وتتمتع برؤية استراتيجية يمكنها فرض احترامها واجتهاداتها السياسية على الجميع، ولكن يبدو أن اختيار «أولبرايت» لهذا المنصب قد أثار الشكوك والتخوفات في الأوساط العربية والإسلامية لما عرف عنها من تأييد صارخ لإسرائيل، وليهوديتها التي ستجعلها دائمًا تقف في مربع السياسة الإسرائيلية.
لقد توقعت الأوساط العربية والإسلامية التي أعطت أصواتها بيل كلنتون في انتخابات الرئاسة الأخيرة أن يتم تعيين ريتشارد ميتشل - اللبناني الأصل - في هذا الموقع، كإشارة من هذه الإدارة الأهمية ملف الشرق الأوسط وضرورة تحقيق الاستقرار والسلام العادل الدائم فيه، ولكن خيبة الأمل كانت كبيرة، وجاءت كضربة موجعة على رؤوس أولئك الذين علقوا آمالًا على إمكانية استقلال الرئيس -خلال ولايته الثانية- من ضغوطات اللوبي اليهودي، وقد علق أحدهم قائلًا: «ماذا تبقى... لم يبق إلا أن يعلن الرئيس عن اعتناقه لليهودية وتسمية أمريكا بالولايات المتحدة الإسرائيلية» ؟!
إن الناظر إلى خريطة المواقع والمراكز التي تمت فيها التعيينات، سيجد أن العناصر اليهودية والمعروفة بتأييدها لإسرائيل قد استحوذت على معظم الأجهزة التنفيذية بالبيت الأبيض، وحيث إن هذه الأجهزة هي التي تتولى صياغة السياسات والتحكم في آليات القرار الخاص بالشؤون الخارجية، فإن من المستبعد أن تحظى منطقة الشرق الأوسط وإشكالياتها المعقدة بأي اهتمامات أو معالجات نزيهة، وسيغلب عليها طابع التحيز والتأييد الإسرائيل، وهذا يعني أن ما تم الاتفاق عليه في أوسلو وتوقيعه في واشنطن والقاهرة لن يجد له أي صدى أو متابعة جادة من قبل الإدارة الجديدة. وستظل سياسة الضغط على الطرف العربي -وخاصة الفلسطيني- هي ديدن هذه السياسة.
لقد عبر الكثير من السياسيين في العاصمة الأمريكية واشنطن عن تخوفهم من انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط، وحذروا من تمادي واشنطن في التغاضي عن التجاوزات الإسرائيلية العدوانية الصارخة، وطالب «جيمس بيكر» -المعروف بأنه المهندس الرئيسي لعملية السلام العربية- الإسرائيلية التي بدأت بعقد مؤتمر مدريد في أواخر شهر أكتوبر ۱۹۹۱م -حكومة الرئيس كلينتون إلى لعب دور قوي في مسارات التفاوض العربية- الإسرائيلية، والتي لم تنته بعد بالتوقيع على معاهدات سلام، وأضاف قائلًا: «أما وقد انتهت الانتخابات الأمريكية الآن، فإنه لأمر أساسي أن تقوم الولايات المتحدة بدور قيادي أقوى الإعادة عملية السلام العربية- الإسرائيلية إلى مسارها الصحيح... »، وأشار «بيكر» في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر نظمه مركز الشرق الأوسط للسلام والتعاون الاقتصادي في واشنطن في الخامس من الشهر الحالي، قائلًا: «إن عملية السلام تمر اليوم -في رأيي- بمرحلة صعبة جدًا، وإنني أشعر بالتشاؤم تجاه احتمالات نجاحها في هذه المرحلة، بل حقيقة الأمر أنني مكتئب قليلًا حيال احتمالات نجاحها القصيرة والبعيدة الأمد»، وشدد وزير الخارجية الأمريكي السابق «جيمس بيكر» على ضرورة أن يرفع الرئيس «بيل كلينتون» وكبار رجال إدارته أصواتهم بالاستنكار والاحتجاج ضد التعديات الإسرائيلية المستمرة لما تم الاتفاق عليه، وطالب بالعمل على إلزام الإسرائيليين باحترام ما قاموا بالتوقيع عليه «صحيفة الواشنطن تايمز ٦ ديسمبر ١٩٩٦».
وفي ندوة أخرى عقدها مجلس سياسة الشرق الأوسط في واشنطن الشهر الماضي، شدد «ديفيد ماك» السفير السابق لدى الإمارات العربية المتحدة على الأهمية التي تعلقها دول الخليج على إحراز تقدم في عملية السلام، وقال: «إن أي جمود طويل في العملية يهدد بتفاعل الشعور المناوئ للولايات المتحدة، وبتفاقم النفور الذي يكنه الكثير من العرب تجاه الغرب» وأوضح «ديفيد ماك» بأن هناك شعورًا عامًا في أوساط دول الخليج بأن الولايات المتحدة معنية بإسرائيل وأمنها أكثر مما هي معنية بالخليج، وعلق قائلًا: «إن علينا أن نكون مدركين لهذا الشعور».
ويمكن للمرء التكهن بمدى هامشية ملف الشرق الأوسط من خلال مراجعة التصريحات التي أطلقها المرشح الجديد لمجلس الأمن القومي صموئيل ساندي، بيرجر في أول حديث صحفي له بعد تعيينه لهذا المنصب مع شبكة التلفزة الأمريكية «ABC» حيث أشار إلى أن على رأس أولويات فريق الأمن القومي هو وضع السياسة التي تساعد على بناء أوروبا الديمقراطية الموحدة وتوسيع حزب الناتو مع شراكة روسية، وكذلك إقامة جسور مع دول شرق آسيا لمواجهة التحديات الأمنية وفي مقدمتها الإرهاب والمخدرات.
ولم يكلف مستشار الأمن القومي الجديد خاطره بالمرور على ذكر الشرق الأوسط وإذا ما حاولنا النظر في الخلفية السياسية لوزيرة الخارجية الجديدة مادلين أولبرايت وجدنا أنها تناسب ما تحدث عنه صموئيل بيرجر من أولويات فريق الأمن القومي، حيث إن «أولبرايت» تتفهم واقع أوروبا التي جاءت منه كمهاجرة إلى الولايات المتحدة، ولكنها ليست على علم بقضايا الشرق الأوسط وهمومه، ويبدو أنها ستكون مشغولة بالملف الأوروبي وستترك الشأن الأوسطي لبعض الشخصيات الثانوية في دوائر الخارجية الأمريكية، وربما تمنح الإسرائيليين صلاحيات مطلقة في تسوية شؤون المنطقة، فالجانب العربي مشغول بصراعاته الداخلية، والفلسطينيون ليس في أيديهم أي أوراق للضغط وستظل سياسة الجزرة التي تتبعها واشنطن مع «السيد عرفات» -بتسهيل وصول أموال الدول المانحة إليه- هي السياسة المكملة السياسة العصا الإسرائيلية التي تتوعده إذا ما حاول أن يشب عن طوق التبعية والحصار.
لا شك أن تعبيرات خيبة الأمل قد وجدت طريقها على صفحات المجلات والصحف العربية والأوروبية، فقد أشار جيروك مارتن قائلًا: إن فريق «كلينتون» يفتقد إلى رؤية عالمية، وإن المراجعة لسنوات عمل أولبرايت لا تظهر أنها من أصحاب الرؤية السياسية المستقبلية «صحيفة هير الدتربيون 6 ديسمبر ١٩٩٦».
أما صحيفة الشرق الأوسط فقد كتبت في إحدى افتتاحياتها بأن عواصم العالم الكبرى كانت تتوقع أن يقع اختيار الرئيس «بيل كلينتون» في ولايته الثانية على فريق استثنائي الإدارة سياسته الخارجية، أي فريق يجسد رؤية الولاية الثانية الواضحة لدور الولايات المتحدة المتأقلم مع المعطيات المتغيرة على الساحة الدولية، ولكن ما حدث هو فريق السياسة الخارجية الجديد جاء امتدادًا للفريق السابق وقد أشار «أمير طاهري» أنه لم يسبق لوزيرة الخارجية الجديدة أن أظهرت إطلاقًا أي مقدرة على صياغة سياسات متجانسة بعيدة المدى إلى درجة أنه لم تصدر أي بادرة أمريكية نتيجة جهودها خلال السنوات الأربع الماضية «الشرق الأوسط ديسمبر ١٩٩٦م».
والحقيقة المرة أن إدارة الرئيس «بيل كلينتون» خلال ولايتها الأولى لم تقدم أي رؤية استراتيجية المنطقة الشرق الأوسط، وإنما استهلكت سياسات كان قد بدأها الرئيس السابق جورج بوش وحول تقديره لواقع حال السياسة الأمريكية بشكل عام أشار «ريتشارد لوقر» عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في حديث أجرته معه شبكة التلفزة الأمريكية «ABC» قائلًا: «في الوقت الحالي ليس هناك رؤية استراتيجية، كما أنه ليس هناك أيضًا أموال للصرف على أي جهود دبلوماسية أو دفاعية»، «صحيفة واشنطن تايمز 9 ديسمبر ١٩٩٦م».
إذا كان هذا هو واقع الحال، فما هو المطلوب عربيًا لتحقيق سياسات متوازنة في الشرق الأوسط؟!
لا شك أن العالم الغربي تحكمه سياسات المصالح، وأنه إذا لم نجعل هذا العالم يحترمنا -لأن عصب حضارته يرقد تحت ثرى بلادنا- فليس لنا أن ننتظر منه أي عدالة تجاه قضايانا، فنحن نعيش في زمن لا احترام فيه للضعفاء والمتشاكسين وإن تماسك الساحة العربية وترابط قواها السياسي و الاقتصادية، هو الضمانة الوحيدة لعودة الهيم والمكانة للفعل العربي- الإسلامي، وتحقيق سلام يقوم على العدل ورد الحقوق إلى أصحابها، إن مادلين أولبرايت ستجد نفسها مضطرة لإعادة جدولة الأولويات إذا وجدت أن مصالح أمريكا الحيوية بالمنطقة مهددة بسبب العجرفة الإسرائيلية وغياب دور فاعل لواشنطن في تحقيق العد والاستقرار، وبسبب السياسات المنحازة بشكـل استفزازي لإسرائيل.
تساؤل وتعقيب.....
لا بد للمرء أن يتساءل بعد هذه الاستفهامات والغموض حول دوافع اختيار الرئيس «بيل كلينتون» لهذا الطاقم المعروف بولائه لإسرائيل؟
لا شك أن هناك حقيقة لا تخفى على أحد، وهـي أن الرئيس الأمريكي وإن استطاع النجاح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بفضل دعم الجالية اليهودية له، حيث أعطته ۸۰ % من أصواتها، إلا أن احتفاظ الجمهوريين بالكونجرس سيجعل مـن الصعب عليه التهرب من الملاحقات القانونية وملفات الفضائح التي ينتظر فتح النقاش فيها مع عود الكونجرس للانعقاد بعد حفلات أعياد الميلاد.
وإذا كان المعروف بداهة في الولايات المتحدة أن وسائل الإعلام تلعب دورًا مؤثرًا ومهمًا في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، فإن اختيارات «كلينتون» لطاقم مستشاريه المرضية جدًا للجالية اليهودية صاحب النفوذ الأوسع في هذه الوسائل، ستجعل «ملف الفضائح والتجاوزات»، غير ذي قيمة في نظـر الشارع الأمريكي، وستعطي للرئيس كلينتون امتيازات تحميه من السقوط قبل انتهاء ولايته الثانية».
إن الرئيس «بيل كلينتون» يدرك تمامًا أن ســر بقائه للسنوات الأربع القادمة مرهون بفشل حملات التشهير به، وأنه إذا نجحت الجهود اليهودية المتحكمة في اتجاهات الرأي العام بتهميش هذه الحملات، فإن إمكانيات استمراره في السلطة حتى عام ۲۰۰۰ «ستكون هي الأرجح، كما أن الرئيس يعي بأن ملف الشرق الأوسط يمكنه الانتظار سنوات أربع أخرى حيث الساحات العربية مثقلة بالعداوات والهموم الداخلية، وليس في المنطقة من يجرؤ على تحدي سياسات واشنطن، حتى وإن كانت منحاز بوقاحة لإسرائيل، فالمنطقة على حسب تصريحات «آرون ميللر» -نائب المنسق الخاص للشرق الأوسط في وزارة الخارجية- قد تجاوزت نقطة اللاعودة في عملية السلام، وأنه قد حصلت تغييرات جذرية لدى شعوب المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية انه باستثناء ليبيا والعراق فإن كل دولة عربية باتت تشارك وإن بدرجات متفاوتة في عملية السلام.
ولكن تبقى الحقيقة المؤكدة وهي أن واشنطن بسياستها تلك سوف تفقد الكثير من الأنظمة ستجد نفسها مضطرة- لحماية وجودها- لانتقاد السياسة الأمريكية بشكل واضح صريح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل