العنوان نصيحة للإدارة الأمريكية الجديدة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 53
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 30-يناير-2001
دعا الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش الابن الأمريكيين جميعًا إلى العمل «لنصبح أمة غنية ليس فقط على الصعيد المادي، ولكن أيضًا بالمثل العليا والعدالة والرأفة»، كما أكد في خطابه الأول بعد أدائه اليمين أن الولايات المتحدة ستجدد التزامها إزاء العالم.
ومن المسلم به أن للولايات المتحدة تأثيرًا كبيرًا على سياسات العالم، وبصفة خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومن هذا المنطلق نناقش الموقف الأمريكي من المثل العليا والعدالة والرأفة، تلك المبادئ التي أشار إليها الرئيس بوش في خطابه، ونرى مدى انطباقها على واقع السياسة الأمريكية:
ولدت الولايات المتحدة من رحم حرب استمرت سنوات عدة؛ بغية التحرر من الاستعمار البريطاني، كما شاركت في الحرب العالمية الثانية للقضاء على الدكتاتورية العنصرية النازية والفاشية، وأسهمت في إنشاء هيئة الأمم المتحدة، وشاركت في إعلان مبادئها التي أقرت حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتزعمت في إبان الحرب الباردة ما سمي وقتها بالعالم الحر الذي تصدى للشيوعية باعتبارها مذهبًا يسحق الإنسان، ويصادر حرياته، ويهدر كرامته وحقوقه حتى انهارت الكتلة الشيوعية، وتربعت أمريكا على قمة العالم، وكان من المتوقع أن تحترم المبادئ السامية التي وقعت عليها، وأن تسعى لتحقيق الاستقرار والسلام العالميين، وأن تطبق المبادئ الإنسانية المعلنة، غير أن ما حدث كان بخلاف ذلك تمامًا، فقد تنكرت السياسة الأمريكية في نقل حكم معظم الرؤساء السابقين لهذه المبادئ، وطبقت نقيضها، أو على أحسن الأحوال التزمتها في بعض الحالات وأهدرتها في غيرها، وقد كان العرب والمسلمون من أكثر من عانى من ظلم السياسات الأمريكية وقهرها واستغلالها بسبب ما يلي:
الانحياز الكامل للكيان الصهيوني منذ إنشائه على أرض فلسطين، ودعمه مما أغراه بمزيد من القهر والإرهاب والقتل والتدمير والتشريد والتطلع للاستيلاء على مزيد من الأرض، بل وصل به التبجح حد إعلان سيادته على القدس، والتصريح بنيته لهدم المسجد الأقصى لإعادة بناء الهيكل المزعوم، ورفض إعادة الفلسطينيين المشردين إلى وطنهم السليب كل هذا التحدي السافر لمشاعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين يتم بتأييد الإدارة الأمريكية ورعايتها وحمايتها.
الحصار الظالم لعدد من الشعوب العربية والإسلامية بغية تجويعها وإذلالها، متهمة إياها باتهامات عالية تحت دعوی عقاب حكومات حظي بعضها يومًا بحماية أمريكية، ولو صحت الاتهامات في حق البعض فما ذنب الشعوب؟ وفي أي شرع أو قانون يجوز العقاب الجماعي بجريرة فرد؟ ولماذا لا يطبق هذا العقاب بحق الكيان الصهيوني الذي ارتكب ويرتكب أبشع جرائم القتل والإرهاب والنهب بحق الشعبين الفلسطيني، واللبناني من قبل، ويمتلك أسلحة تهدد المنطقة كلها بالدمار؟
تأييد الأنظمة الدكتاتورية الانقلابية التي تغتال آمال الشعوب في الحياة الحرة الكريمة، واحترام حقوق الإنسان، وتقف ضد التقدم والنهضة، وتنهب أموال الشعوب، وتمارس أبشع ألوان الفساد، واعتبار تلك الحكومات أنظمة عميلة للولايات المتحدة تحافظ عليها ضد رغبة شعوبها.
التدخل في الشؤون الداخلية لكثير من الدول لعرض سياسات ومواقف لا ترضاها الشعوب وربما الحكومات أيضًا لتصادمها مع مبادئها ومصالحها الحيوية.
الترويج لعداوة الإسلام، واعتباره العدو الأول للغرب؛ بهدف إثارة الرعب في النفوس، وتبرير الإنفاق الكبير على التسلح الذي يذهب أكثره إلى جيوب فئة محدودة من المنتفعين.
إن الإشارات القليلة التي صدرت من الإدارة الأمريكية الجديدة، ومن ذلك إشارة إلى دور المساجد في مد المجتمع الأمريكي بالأخلاق والمبادئ التي يحتاج إليها، تشجع على دعوة الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في تلك السياسات التي سبق ذكرها، والتي طبقت في العهود السابقة وعلى الأخص في عهد الرئيس كلينتون، وأن تنتهج نهجًا سياسيًا جديدًا يقوم على العدل والحق والمساواة، فذلك هو مقتضى المبادئ والأخلاق، إضافة إلى أنه مقتضى المصالح الأمريكية لذوي النظر البعيد.
إن الولايات المتحدة دولة قوية وغنية، وتلك مسؤولية دولية تقتضي منها أن تعدل وتعطي، لا أن تقسو وتظلم وتستغل، لقد آن الأوان لأن تتوقف الولايات المتحدة عن دعم مخططات التوسع الصهيوني، وأن تدرك أن مصالحها في المنطقة مع العرب والمسلمين أضعاف مصلحتها مع الكيان الصهيوني، وأن عليها أن تحس حجم المعاناة التي قاستها الشعوب من جراء اعتداءات الصهاينة، وجرائمهم وفظائعهم، وأن تكف عن دعم الأنظمة الانقلابية الاستبدادية التي أذاقت الشعوب ألوان العذاب، وإذا كانت الولايات المتحدة قد ارتضت الحرية لشعبها، فلماذا تعمل على حرمان الشعوب الأخرى من حريتها؟ كما أن عليها أن توقن أن لا سلام ولا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال الصهيوني وإعادة كامل الأراضي العربية المحتلة.
ونذكر الرئيس الجديد أن أصوات المسلمين الأمريكيين الذين يعد دينهم الإسلام الديانة الثانية في الولايات المتحدة- كان لهم دور في نجاحه في الانتخابات، على الرغم من كل محاولات اليهود للإتيان بآل جور ونائبه اليهودي ليبرمان، وهذا يعطي صورة واضحة على أرض الواقع، نأمل أن تضعها الحكومة الجديدة ضمن اعتباراتها، وأن توقف الدعم المادي لقوى الطغيان اليهودية.
لقد جلبت سياسة الرئيس كلينتون بانحيازها الكبير للصهاينة المزيد من العداوة للولايات المتحدة، وأخفقت في الوقت نفسه في تحقيق إنجاز يذكر بعد أن فسر الصهاينة السخاء الأمريكي معهم على أنه تشجيع لهم على العدوان والظلم والاحتلال.
على إدارة الرئيس بوش أن تعي تلك الدروس في مستهل عملها، فلعل التغيير أن يأتي على يديها.