العنوان الرحلة المعاكسة في رواية «البحث عن الجذور» (١من٢)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 53
السبت 26-يناير-2002
البحث عن الجذور يعني أن هناك رغبة عارمة في الوصول إلى غاية بعيدة وصعبة.
امتداد رقعة المكان أمام أبطال الرواية يتناغم مع امتداد العلاقة - بين الشرق والغرب في معطياتها الحضارية وانعكاساتها الدينية والثقافية والخلقية والسلوكية.
تنبئ الرواية الأولى للكاتب عن قدراته الأدبية وموهبته الفنية، ورواية «البحث عن الجذور»، وهي الأولى «لمؤمنة أبو صالح» تقدم لنا روائية «موهوبة» تملك الموهبة والأدوات الفنية عن لغة وتصوير وقدرة على ربط الحوادث في إطار محكم جيد، فضلًا عن انطلاقها من تصور إسلامي خالص، قادر على الحوار، أو الاشتباك الثقافي مع الآخر بوعي وحصافة وتفاعل خلاق.
«البحث عن الجذور» عنوان يحمل دلالة تصب في الإطار الحركي الذي يفارق الحالة السكونية الخاملة، ويعني أن هناك رغبة عارمة في الوصول إلى غاية بعيدة وصعبة، ليس من المتاح الوصول إليها بسهولة، وتشير كلمة الجذور إلى العمق الذي يقتضي جهدًا كبيرًا لملامسته... ومقارنة العنوان بمضمون الرواية تكشف عن هذا التطابق بين الطرفين، حيث يبذل بطل الرواية جهدًا مضنيًا للتعرف على أبيه الذي يفتح له الطريق إلى قلب الحقيقة التي يتشوق إليها وهي السكينة والأمن والاطمئنان والإشباع الروحي من خلال الإسلام من الطرائف التي ارتبطت بتصنيف الرواية من خلال البيانات المكتبية المتعلقة بالنشر، أنها صنفتها ضمن موضوعات المشاكل الاجتماعية – الصواب المشكلات – مع أن الرواية تعالج موضوعًا أكبر، لأنه أكثر أهمية من الموضوعات الاجتماعية، لأنه يتعلق بطبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، وهو موضوع يتجدد باستمرار في ظل ميزان القوى بين الطرفين. ولا شك أن رواية البحث عن الجذور تترجم عن موقف متمايز يحمل بصمة المؤلفة ورؤيتها التي تنبع من تصور إسلامي خالص، وتجربة شبه مباشرة، بحكم وجودها في مكان الأحداث التي صنعت الرواية وشكلتها، كما توضح الفقرات التالية.
تعتمد رواية «البحث عن الجذور» على ضمير المتكلم أو الضمير الأول كما يسميه
البعض، وفي الفقرة الأولى يتحدث البطل عن نفسه قائلًا:
اسمي (جوزيف) كما سمتني أمي، و(يوسف) كما سماني أبي أريد أن أعرفكم على نفسي، أنا أمريكي من أصل عربي، كما تقول أمي، وينكر أبي، ديانتي (مسيحي) أخذتها عن أمي ولكن أبي كان مسلمًا، فالمفروض أن أنتسب إلى دينه، لذلك سأروي لكم قصتي أو بالأحرى قصة أبي (ص5) وكما نرى، فإن هذه الفقرة تلخص الرواية وتعطينا المفارقة التي تحكم حياة البطل بدءًا من اختلاف اسمه حتى ديانته، مرورًا بجنسيته فهو «جوزيف» وفقًا لتسمية أمه، وهو أمريكي ومسيحي وفقًا لإرادتها، وهو يوسف، وفقًا لتسمية أبيه وجنسيته عربي ودينه مسلم وفقًا لانتسابه إليه ومن خلال هذه المفارقة تتبدى لنا عقدة الرواية وتبدو عملية البحث عن الجذور أمرًا مطروحًا لفهم المفارقة، والتعرف على تفصيلاتها... وهكذا تدخلنا الرواية إلى دائرة مثيرة، تشوقنا إلى معرفة ما بداخلها وكشف الستار عنه.
وهكذا يبدو البناء الروائي قائمًا على التتابع المتصاعد للأحداث وظهور الشخصيات مع التوغل في قلب الرواية لتضيف وتضيء الموضوع الروائي من جوانبه المتعددة.
إننا نلتقي بشاب يبحث عن أبيه العربي في أمريكا، ثم نتعرف إلى أمه الأمريكية التي تحكي له بعض التفاصيل الحقيقية والمأساوية في حياة أبيه ثم تموت بمرض عضال، فيذهب إلى كاليفورنيا بحثًا عن هذا الأب.
وفي كاليفورنيا يلتقي الشاب (يوسف) بصلاح الدين في المركز الإسلامي في المدينة ويقوده إلى الشيخ يحيى إمام المسجد، حيث يعد بمساعدته في البحث عن أبيه عن طريق صديق يُدعى مصطفى.
ويسعى الشاب لتعلم اللغة العربية وتاريخ المنطقة العربية بجانب دراسته للحقوق، وبعد جهود يلتقي بأبيه في قارب على سواحل أمريكا ويبحران معًا في رحلة لأيام عدة، يحاولان خلالها أن يتعارفا ويتقاربا ... غير أن علاقتهما على ظهر القارب يشوبها المد والجزر، ولكنها تنتهي بإعلان يوسف لإسلامه، وأخوَّته في الله لوالده، ويعود الاثنان إلى الساحل، دون أن يعترف الأب ببنوة الابن.
يسافر يوسف إلى الشرق ليتعرف إلى أهل والده أو على جذوره، ويلتقي بالأسرة التي ترحب به من خلال عمه خالد وعمته سهيلة، ويقيم علاقة حميمة مع أقاربه، ويلتقي بسلمي، ابنة عمه خالد ويعترف لها بحقيقة ما بينه وبين أبيه، وبعد لقاءات عاصفة مع سلمي التي يتقدم أسامة لخطبتها يترك الأسرة عائدًا إلى أمريكا.
وفي المركز الإسلامي يلتقي بأبيه الذي يعترف به، ويبارك زواجه من سلمى وهكذا يبدو البناء الروائي معتمدًا على سرد الأحداث في بساطة وتتابع متصاعد، ومن خلال لغة مركزة مقتصدة، والوسيلة الأساسية في البناء بعد السرد هي الحوار الذي يبدو فارس الرواية الوحيد، حيث تتضاءل إلى جانبه الوسائل الأخرى أو تتلاشى، مثل المونولوج الحوار الداخلي والحلم والرسائل والاسترجاع الفلاش باك والتداخل السردي، وغيرها من وسائل يلجأ إليها كثير من الروائيين في أيامنا، وسوف نتوقف عند الحوار بشيء من التفصيل في فقرة أخرى.
ومع بساطة البناء، فإن الرواية تقدم لنا بعض المفاجآت التي لا يتوقعها القارئ، ولكنها بصفة عامة مفاجآت مقبولة، بل إنها تسهم في إثارة التشويق أحيانًا، كما نرى في مشروع خطبة سلمى للدكتور الطبيب أسامة، الذي رافق يوسف على الطائرة في رحلة العودة إلى الوطن كان السياق الروائي يوحي أن سلمى ستكون من نصيب يوسف الذي مال إليها وأحبها، وتحدثت بشأنه عمته سهيلة التي طرحت فكرة زواج سلمى ويوسف أمام أخيها خالد والد سلمي، ولكن الأحداث جاءت على عكس التوقع، حيث أعلن أن أسرة أسامة قادمة إلى أسرة خالد للإعلان عن رغبتها في خطبة سلمى، وهو ما يؤدي إلى إحساس يوسف بالانكسار، وتقرير العودة إلى أمريكا، لينشغل بالدعوة إلى الإسلام من خلال المركز الإسلامي، والانغماس في حياة المسلمين من حوله لتعويضه عن فقدان أسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة.
ثمة مفاجأة أخرى تتمثل في لقاء يوسف بأبيه بعد أن تلاشى الأمل في هذا اللقاء، ثم اعتراف أبيه به في مفاجأة صاعقة، لقد خرج يوسف من المسجد، وسمع صوت والده في الظلام يناديه ويعانقه ويعترف به، وها هو يصف اللقاء:
رميت بنفسي في أحضانه وأنا أنتحب وأقول:
حقًا أنا ابنك؟!
نعم يا يوسف أنت ابني.. اغفر لي قسوتي... سامحني على ماضٍ ضاع فيه عمري أكثر من عمرك.. لقد كنت في المسجد اليوم يا يوسف واستمعت لك... فهل هناك في قلبك المؤمن الكبير مكان لأبيك العائد النادم؟
آه يا أبي طوال عمري كان هناك متسع لك. كان ينتظرك، ولكن كيف عدت إليَّ وعرفت مكاني.
كيف تأكدت أني ابنك؟ نظر إلى وجهي وقال: هلُم بنا إلى منزلك لأحدثك عن كل التفاصيل.... (ص ۱۱۸)
وهكذا تحقق المفاجأة الصاعقة.. حلم الابن باعتراف أبيه ببنوته، بعد أن استولى اليأس على الوالد والقارئ معًا، من الوصول إلى هذا الاعتراف ويمكن أن نرى تفسيرًا لهذه المفاجأة من خلال رسالة سلمى إلى عمها (الذي هو والد يوسف)، حيث تشكو قسوته على ولده، وتشكو إليه ولده الذي غادر الوطن حانقًا عليها، وتطلب منه الاعتراف بيوسف وتخبره أن خطبتها لأسامة لم تتم، وكان هذا إيذانًا بانفتاح الطريق أمام يوسف كي يخطب سلمى بعد إخفاق مشروع خطبتها، واعتراف والده به.
تدور أحداث الرواية في أمريكا وبلد عربي (أو مدينة عربية) وسوف نلاحظ أن الرواية تحدثت عن المكان الأصلي للأب وأسرته بتجهيل متعمد لم تشر إلى اسم البلد العربي الذي ينتمي إليه والد البطل ولا مدينته العربية، بل إن موطن الأم في أمريكا مجهول أيضًا، لماذا؟ لا ندري تمامًا... ربما لإعطاء دلالة عامة على المكان ودلالة أعم على العلاقة بين الشرق والغرب، وهذا هو المرجح عندي فهذه العلاقة ليست خاصة بأسرة نصفها شرقي والآخر غربي، ولكنها موصولة بعالمين كبيرين هما الشرق والغرب، لذا نجد يوسف، وهو يبحث عن أبيه يشدنا إلى رحلة أخرى أهم ميدانها الشرق والغرب معًا، وهي البحث عن الإسلام، وأماكن هذا البحث تتم في بعض المراكز الإسلامية قد يفسر تجهيل المكان للبلد العربي برغبة المؤلفة في تجنب المتاعب التي قد يحدثها تحديده على أساس أن البطل مطارد سياسيًّا، بسبب بحثه عن الحرية المفقودة، والكرامة الإنسانية الضائعة في وطنه، وتحديد هذا الوطن يعني اتهامًا له أو لحكامهبالعسف والظلم مما يترتب عليه حدوث المتاعب للكاتبة، ولكن المسألة من وجهة نظري تبدو غير ذلك فطبيعة الموضوع أكبر من خلاف بين البطل والوطن أو حكام هذا الوطن، إنها تمس قضية كبرى تخص حياة الأمم ومصائر الأفراد، بصورة تتجاوز متاعب فرد أو أفراد في هذه الدولة أو تلك. إنها سياق حضاري يحدد مستقبل الشعوب ومصائرها، انطلاقًا من أن المعتقد والثقافة والفكر تصنع الحضارة وترسم التوجه وتبشر بما سياتي، ولعل اتخاذ القارب الذي أبحر به الآب والابن في رحلتهما التي امتدت لأيام، مجالًا لمناقشة قضية العلاقة بين الشرق والغرب يعطي دلالة على أن الشعوب والأفراد يواجهون مصيرًا مشتركًا، فالجميع يبحرون في قارب واحد، ويواجهون الأنواء والعواصف، ويسعون إلى الوصول إلى بر الأمان ولن يصل إلا من هداه الله وأعانه.
وإذا كان التجهيل يبدو سمة عامة على المكان، فإن الزمان بنوعيه «التاريخي والروائي»
يبدو أيضًا غير محدد في الرواية، بل عائمًا، ويمكن أن تحدد الزمان التاريخي بالقرن العشرين، أو زمن وجود الطائرات أو إقامة المراكز الإسلامية في أمريكا، أو محاربة الاستعمار الغربي، وكما نرى فهو زمان معتد ومتسع امتداد المكان واتساعه وكأن الرواية تحدثنا عن علاقة مستمرة في عمق الزمان بين طرفين الشرق والغرب لا تتوقف
لسبب هنا أو هناك، ولكنها دائمة، حيث يرى الطرف الشرقي أن حضارته أحق بالاتباع والتميز؛ لأنها حضارة الروح والأخلاق والسمو وقبل ذلك التوحيد، والطرف الغربي يعتقد أنه الأحق بالهيمنة والسيطرة، فهو مخترع أدوات المدنية الحديثة، وهو الأقوى ماديًّا وعسكريًّا، وهو صاحب الرؤى الفكرية التي تمنح الحرية بلا حدود ولا قيود.
سوف نرى «يوسف» يجهز أغراضه ليسافر إلى ولاية كاليفورنيا - أول مكان يتم تعريفه في الرواية - ليبحث عن أبيه في المركز الإسلامي بها، ويتعرف هناك إلى بعض خصائص المسلمين.
والمسجد هو المكان الذي تقف عنده الرواية بشيء من التفصيل، وتجعله مجالًا حيويًّا للأفكار والأشخاص، وتحقيق الآمال والتعرف إلى الصحابوالأقارب.
ومع أن الرواية ذكرت بعض ملامح المدينة العربية التي ينتمي إليها الأب وزارها الابن وتحدثت عن البيوت والشوارع والآثار القديمة ومساجد المدينة، إلا أن المسجد بصفة خاصة نال اهتمامًا ملحوظًا في الرواية، لعل ذلك يرتبط برحلة البحث عن الإسلام وتقديم الأجوبة المطلوبة في مصلَّاه.
وسوف نقرأ في الرواية وصفًا لحال الأب يعبر عن عدم الاستقرار، أو انفتاح الأفق أمام رحلة البحث عن الجذور أو الحقيقة بصفة عامة .... كان دائم الترحال، ولم يمكث في ميناء أكثر من يوم. (ص ۳۷) ولا شك أن امتداد رفعة المكان أمام أبطال الرواية وحوادثها يتناغم مع امتداد العلاقة، وهو ما جعل هذه الرقعة تمتد من أمريكا في الغرب إلى بلد عربي في الشرق إنها علاقة مستمرة ومتوترة بسبب ما يملكه
الطرف الغربي من قوة وما يفتقده الطرف الشرقي من قوة أيضا، نطالع مظاهرها في مستجدات الأحداث كل صباح.
إصدار جديد: مجلات الأطفال ودورها في بناء شخصية الطفل
عن دار العلم والإيمان في مصر صدر کتاب «مجلات الأطفال ودورها في بناء الطلاق شخصية الطفل، تأليف د.طارق البكري، الذي يقول في مقدمته: لقد كان الطفل ولا يزال محور اهتمام جميع الشعوب، وهناك إشكاليات كثيرة تهدد مصير الأبناء وتنذرهم بأفدح الأخطار وهم في أحضان أمهاتهم ويأتي الإعلام الإسلامي ليشكل رأس حربة تنير الدروب وتدفع الخطوب إذا أحسناالتقديم والبناء.
ويعتبر الإعلام أبرز وسائل المواجهة، ولعله وسيلة للشر، كما هو وسيلة للخير ولا نذهب بعيدًا إذا اعتبرنا أن الإعلام بات أقوى الأسلحة فتكًا في العالم، بل هو بمثابة الجرثومة التي يصعب القضاء عليها والاحتراز منها. لقد اخترق الإعلام بوسائله المتعددة الأستار، وأوجد خللًا بيِّنًا في العلاقات الإنسانية، وغرس طباعًا وسلوكيات لم تكن موجودة، وقد لا يكون الإعلام وحده أبرز الأخطار ولكنه يتصدر ساحة التحدي في عصر بات العالم فيه قرية صغيرة تتصارع فيها القيم والمعتقدات في حرب غير متكافئة لا ترحم الأعزل، ولا تنصف المحق. من هنا يعتبر المؤلف أن الاهتمام بثقافة الطفل يعني الاهتمام ببناء الأمة، وأن التنمية الحقيقية تكون من خلال الاهتمام بالطفل وثقافته
وعلى رأسها تأتي مجلات الأطفال العربية باعتبارها أساسًا لثقافة الطفل.
كما أن الأساليب الترفيهية في الإعلام الموجه للطفل تستطيع أحيانًا أن تحقق أبعد مما تحققه الأساليب الجافة والقوالب الجامدة، لأنها تسلك سبيلها إلى قلب الطفولة بسهولة ويسر وهذا يقتضي الاعتناء بهذا الجانب بشكل أكبر دون أن يقلل الترفيه من سمو أي من المعاني السامية، بل يزيد من رقيها في نفس الطفل بناء وشموخًا، وبذلك يحقق غاية المنتهى والمراد.
يتوزع الكتاب على أربعة فصول؛ الأول يتناول الطفولة ما بين الماضي والحاضر، والثاني وسائل إعلام الطفل وأهدافه، والفصلالثالث مجلات الأطفال ودورها في بناء شخصية الطفل، وفي الختام يقدم المؤلف تصورًا مقترحًاشاملًا لإنشاء مجلة أطفال نموذجية.