; بلا حدود- حوار مع ديبلوماسي غربي (2 من2) | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود- حوار مع ديبلوماسي غربي (2 من2)

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

مشاهدات 163

نشر في العدد 1117

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

اعتدل محدثي في جلسته وقال وهو يحاول تفادي وابل الكلمات التي خرجت مني دون إعداد: أرجو ألا تحملني ذنوب الدول الغربية جميعها لأنني لا أمثل سوى حكومة بلادي فقط، ولا أمثل الغرب كله، قلت له: أنا لم أحملك كل ذنوب الغرب، ولكنك الذي حدثتني باسم الغرب كله، وإن شئت أن أعدد لك ما يتعلق بسياسات بلادك تجاه العالم الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالبوسنة وفلسطين وعشرات القضايا الأخرى فإن الملف كبير والمواقف لا حدود لها، قال وهو يحاول تغيير مجرى الموضوع: ولكن مع كل ما ذكرت من سلبيات فهناك إيجابيات كثيرة لنا لا أدري لماذا لم تذكرها وتشيد بها؟ قلت له: إننا لا ننكر عليكم إيجابياتكم الكثيرة لكنها إيجابيات خاصة بكم لا تستفيد منها سوى شعوبكم، بل إنكم تجعلونها حكرًا عليكم وتسعون بكل الطرق والوسائل لحجبها عنا ومنعنا من الوصول إليها والاستفادة بها، وأبسط شيء في ذلك هو مساعي حكوماتكم لحجب الدراسة في العلوم التقنية والدقيقة عن أبناء العالم الإسلامي خوفًا من نقلها إلى بلادنا واستفادة المسلمين منها في الوقت الذي أسهم العلماء المسلمون من المهاجرين إلى بلادكم بقسط وافر في تطوير هذه العلوم، وهناك أبحاث وتجارب عالمية كبيرة في أدق الفروع العلمية مسجلة بأسمائهم، وهذا الحصار العملي لا يقف عند حد الطلاب وإنما تقومون برصد الصناعات في الدول الإسلامية وتعملون على عدم دخول أي منها في مجال التقنية والصناعات الدقيقة والتكنولوجيا، ولعل موقفكم الواضح من ماليزيا وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي دخلت مجال الصناعات الدقيقة يكشف ذلك ويؤكده، هذا على الصعيد العلمي.

أما على الصعيد الاجتماعي والسياسي فإن الديمقراطية التي تعتبرونها من أكبر الإيجابيات لديكم والتي ترفل فيها شعوبكم فإنكم تستكثرون على الشعوب الإسلامية أن تتمتع بها أو تعيش في أجوائها وأبسط مثال على ذلك أنكم تحديتم إرادة الشعب الجزائري حينما سلك طريق الديمقراطية في عام 1992م ورفضتم نتائج الانتخابات وشجعتم الحكام العسكريين على وأد الديمقراطية التي تفخرون بها، مما أدى إلى وقوع الجزائر في مستنقع من العنف لا نهاية له.

إنا لا ننكر وجود إيجابيات كثيرة لديكم، ولكن أين استفادتنا نحن المسلمين من هذه الإيجابيات أو حتى سماحكم لنا بالاستفادة منها حتى نمتدحها أو نثني عليها في الوقت الذي لا تخفون فيه حجبها عنا ومنع وصولها إلينا.

بدا محدثي كأنما كان يفكر فيما قلت ثم قال: أنا لا أنكر عليك كثيرًا مما ذكرت، ولكن هل تسمح لي بسؤال آخر؟ قلت له محاولًا تلطيف أجواء الحوار: ولكن الأسئلة من حق الصحفيين وأنا لم أسألك منذ البداية، وإنما أنت الذي تسأل، فضحك وضحكت ثم قال: لقد بدأنا نهتم بالصحوة الإسلامية مؤخرًا ولم نكن نوليها الاهتمام من البداية على غرار حكومات غربية أخرى، لأننا كنا نعتبرها ظاهرة ستأخذ وقتها ثم تمضي، لكننا فوجئنا بأن رقعتها تتسع ومداها يكبر، ولم تعد مجرد ظاهرة مؤقتة كما كنا نعتقد، وإنما أصبحت تيارًا يتأصل، وواقعًا يتجذر، وقوة مستقبلية لا يستهان بها، مما جعلنا نقلق ونفكر في الوسائل التي تمكننا من التعامل مع هذا الواقع الجديد على الرقعة الإسلامية، فما هو سر هذه الصحوة وما هي أسباب بروزها؟

قلت لمحدثي: لو أنكم نزلتم عن نظرتكم الفوقية ورؤيتكم الاستعمارية للعالم الإسلامي، وقرأتم التاريخ، ودرستم حياة الشعوب، وأدركتم عظمة الإسلام، لعلمتم سر هذه الصحوة وألممتم بأسباب بروزها، وتحققتم من أنها ليست ظاهرة كما يدعي بعض المفكرين لديكم وإنما هي الأصل، وهي الجذور الحقيقية للأمة.

لقد سقطت الخلاقة الإسلامية بعد مؤتمرات ومؤامرات وخطط حيكت في بلادكم تفاصيلها مسجلة في الكتب والمراجع لمن يقرأ، وسقطت معها هيبة المسلمين وولى عزهم، وتمزق العالم الإسلامي إلى دول ودويلات، وبرز حكام أغروا الشعوب بالشيوعية تارة والاشتراكية أخرى، والرأسمالية والليبرالية وغيرها من المذاهب الأرضية والأفكار الوضعية، فانساقت الغوغاء والدهماء من الشعوب وراء المذاهب الجديدة، فصفقت لهذا واندفعت وراء ذاك ثم اكتشفت في النهاية إنها خدعت وخسرت كل شيء، فتحولت من العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الحرية إلى الحصار والكبت، ومضى سبعون عامًا عاشت الأمة خلالها في التيه والضياع، فخرج المصلحون يدعون الناس إلى العودة إلى دينهم، والاتصال بجذورهم، فأخذ الناس في العودة أرتالًا وأفواجًا، وأحادي وجماعات كل يلتمس العزة والحرية والكرامة والحياة، وتشعب الناس فمنهم المتعجل، ومنهم المندفع، ومنهم المتهور، ومنهم من أنساه الحماس طبيعة الطريق، وحكمة الحليم، وعاقبة الأناة، لكن تيار الصحوة الواعي والقوي بقى يسير في هدوء وقوة وفق سنن الإسلام ومقتضيات المرحلة، لكن وسائل إعلامكم تركت ذلك وركزت على: المثالب والأخطاء والأعمال الغوغائية وردود الأفعال الحماسية، وضخمتها واعتبرتها هي طبيعة المسلمين وسلوك المتدينين، ثم خلطت الإرهاب بالإسلام، والحق بالباطل وصارت تنفخ في رماد الفتنة والمواجهة ثم تولت المواجهة وأعلنت الحرب علينا فانساقت وراءها حكومتكم وبرز لديكم تياران: أحدهما قوي ومدعوم ويدعو إلى ضرورة مواجهة الصحوة الإسلامية والقضاء عليها واعتبارها الخطر الحقيقي الذي يواجه الغرب بعد سقوط الشيوعية، وتيار آخر لكنه ضعيف يقوده بعض العقلاء لديكم يدعو إلى ضرورة التعامل مع الإسلام وليس مواجهته، وفهم المسلمين وليس معاداتهم، والتعامل معهم وليس مواجهتهم، فهم أصحاب حضارة وتاريخ ودين عادل لا يظلم، ومروءات في الحياة والتاريخ لم تندثر، لكن صيحات هذا التيار الضعيف ضاعت مع هدير الصخب العالي من أصحاب تيار المواجهة والقضاء على الإسلام الذي يزداد ضراوة في بلادكم كل يوم وتوجهه وسائل الإعلام التي يسيطر اليهود على غالبيتها.

إن هذه الصحوة ليس لها سر سوى أنها عودة للأمة إلى جذورها بعدما جربت كافة المذاهب الأرضية الجائرة، ويجب عليكم أن تنظروا إلى التيار الإسلامي الواعي والأصيل والقوي والذي يتناول الإسلام بمفهومه الشامل وتقيموا الصحوة من خلاله وليس من خلال الأعمال الهوجائية وردود الأفعال الحماسية التي تسيء للإسلام والمسلمين وتعتبرونها هي مظهر الصحوة وأساسها.

 قال محدثي: ولكننا نحترم الإسلام كدين. قلت له: نعم تحترمونه كدين وليس كمنهج للحياة، واحترامكم له كدين نابع من النظرة الكهنوتية التي تنظرونها للمسيحية والتي لا تخرج بها من نطاق الكنيسية وصلاة يوم الأحد، وتريدون الإسلام أن يكون بنفس المفهوم ونفس النظرة، وهذا ما نختلف معكم فيه لأننا ننظر للإسلام كمنهج للحياة، وكخلاص للبشرية من تعاستها، وليس كشعائر وصلوات فقط تؤدي داخل إطار المساجد،  وهو بهذا يحمل الخير لنا ولكم وللبشرية جمعاء، وهذا الأمر يستدعي منكم أن تعيدوا التفكير في نظرتكم للإسلام ورؤيتكم للصحوة الإسلامية ولا تنظروا له كدين فقط ولكن كمنهج للحياة، وأن تبدأوا فتح حوار وتعاون وتفاهم مع الإسلام وليس حربًا ومواجهة كما تفعلون الآن.

هز محدثي رأسه ثم نظر إلى ساعته وقال: لقد مضى بنا الوقت لكن الحوار كان بحق شيقًا وهامًا بالنسبة لي ولا أكتمك أني قد تعرفت من خلاله على حقائق كانت غائبة عني، وآمل أن تتاح الفرصة لاستكماله ومواصلته... ثم ودعني ومضى.

الرابط المختصر :