العنوان حوار حضاري مع.. «أستاذي الياباني»
الكاتب حازم أحمد
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1798
نشر في الصفحة 34
السبت 19-أبريل-2008
مقال
التقيته بعد نحو ربع قرن.. كان رئيسي في العمل.. كأن الله تعالى أرسله من أقصى الأرض في اليابان؛ لأتعلم على يديه أصول الصحافة المرئية.. كثيرًا ما تناقشنا حضاريًا في أوقات الهدوء وعدم الانشغال بأحداث المنطقة، كان الرجل في مرحلة النضج المهني، وكنت شابًا مفعمًا بزاد الهوية، ومقتنعًا بمسؤوليتنا عن تبليغ رسالة الإسلام إلى من لم يعرفوها حق المعرفة.
- أدوات النهضة مخزونة في تراثنا الإسلاميّ، ومشكلتنا أننا نتجاهلها وتنصاع لمن يحاربون الإسلام.
- سر نجاح اليابان أن كل فرد فيها يتحلى بإحساس من المسؤولية الذاتية يدفعه لمحاسبة نفسه عن أي تقصير.
- لماذا يشككنا بعض أبناء جلدتنا في بضاعتنا الحضارية الربانية المجربة وينقبون عن أسوأ ما في تراثنا البشري؟!
- معاول الهدم ورياح التدمير عاتية، وما يبنيه البناؤون في شهور قد يهدمه الهدامون في ساعات.
جاءت عليه أوقات اعترف لي فيها بزهده فيما عاشه من طقوس البوذية، وكيف أنه جرب المسيحية وانتهى إلى عدم القناعة بها، كانت الحركات الإسلامية الوسطية والعُنفية تصنع الأخبار، أفعالًا وردود أفعال، أستطيع القول: إن الرجل تعاطف كثيرًا مع قضايانا، وبلغ به الأمر يومًا أن قال لي: أنا مقتنع بدينكم؛ لكنه بعد جرعات الـ: «ساكي» (الخمر الياباني المصنوع من الأرز) كان يرتد إلى أصوله! ولست أنسى حديثه للكاتب والمفكر المصري د. مصطفى محمود عندما عرفته به: «نحن اليابانيين لا حاجة لنا بالخالق أو الإله»! ساعتها، علق الدكتور بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ (8)﴾ (العلق: ٦- ٨).
أمراض العرب:
انتهت سنوات عمله مراسلًا في منطقتنا، وانقطعت علاقتي به بشكل شبه كامل لكن ذكريات حواراتنا ظلت تراودني، ومؤخرًا قدر الله تعالى أن أسافر إلى اليابان فكان لي هذا الحوار معه.
سألني هو أسئلة مهمة بشأن أحوال المنطقة بعد هذه السنوات، فقلت له:
أمة العرب مريضة، الأعراض أكثر من أن تحصى:
- الفردية؛ بدلًا من الشورى والجماعية.
- الأنانية؛ بدلاً من الإيثار وإنكار الذات.
- الجرأة على الكبار؛ بدلًا من توقير الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير.
- المادية وطغيان النهم الاستهلاكي؛ بدلًا من القناعة.
- الانتهازية والكسب السريع؛ بدلاً من التعب وبذل الجهد لكسب الرزق.
- الانسحاب النفسي أو الهجرة خارج الوطن؛ بدلًا من الصبر والمقاومة السلمية للظلم والطغيان.
- الجهالة والسطحية؛ بدلًا من تحصيل العلم والخبرات المفيدة.
- الانبطاح والولاء للآخر الحضاري؛ بدلًا من التمسك بهوية وثقافة الأمة.
- ثم استدركت: أنا لست من مرضى التعميم والتيئيس؛ فالخيرية باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين، وهي تقتضيني الإقرار بأن هناك أصحاء في أمتنا، معافين من تلك الأمراض الحضارية الوبائية، سيظل هناك في هذه الأمة من يحاول تطبيبها وعلاج أمراضها الفردية والجماعية، الإسلاميون الوسطيون هم أبرز القائمين بهذا الواجب.
نعم، رياح التدمير ومعاول الهدم عاتية، وما يبنيه البناؤون في شهور قد يهدمه الهدامون في ساعات، ومع ذلك يحدونا الأمل في انتصار قوى الخير والبناء.
بين الماضي والحاضر: كان أستاذي في المهنة ينصت إلى باهتمام شديد، وما كدت أتوقف حتى بادرني بعتاب جميل: لا تجلدوا ذاتكم فقد جاءت عليكم أحايين من الدهر سدتم فيها الدنيا وعلمتموها، أوروبا مدينة لكم كمسلمين بالكثير.
عاجلته برد متحفز؛ ذلك هو الماضي الذي يحلو للبعض منا التغني به، بينما الحاضر أقسى من أن يتجاهل، يا أستاذي، لقد جئت إليكم في اليابان وكلي أمل في أن أكتشف سر تقدمكم ونهوضكم من حضيض الهزيمة إلى ذرا النهضة والإنجازات التقنية من «الروبوت» إلى الصواريخ، إلى المايكروشيب، والحاسوب، والسيارات الأقل استهلاكًا للوقود، كل ذلك من دون أن يكون لديكم ثروات طبيعية.
لقد استهدفكم الأمريكيون شعبًا وأرضًا وهوية واحتلوا بلادكم، ولا يزال نحو ستة وثلاثين ألفًا من قوات المارينز يعسكرون فيها في «أوكيناوا»، أنت نفسك حدثتني في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي عن قلق جيل الآباء من «تأمرك» أجيالكم الشابة وأنهم على حد تعبيرك «يفتحون عيونهم صباحًا على ما يجري في أمريكا»، لقد مرت عدة عقود على هزيمتكم، وها أنتم تتفوقون على عدوكم السابق صناعيًا وتقنيًا، بشكل لا ينكر، أنتم لم تتنكروا للفتكم ولا لثقافتكم كما يتنكر كثيرون في بلادنا للغتنا وثقافتنا.
هل تذكر ملاحظتي في أول عهدي بالعمل معك عندما فوجئت بابنك وابنتك ينادونك بلفظة «أبي» باليابانية، وليس «بابا»! أنتم إلى الآن تردون على الهاتف بلفظة يابانية هي «موشي.. موشي» وليس بالكلمة المستوردة من لغة الآخر الأجنبي: «آلووو».
سر اليابان!
إن كثيرين في بلادنا يتطلعون مثلي المعرفة سر اليابان، نحن في حاجة لأن نتعلم منكم أسرار النجاح والصلابة في مواجهة الغزو الحضاري، نحن لا نزال نرى فيكم نموذجاً للأمة الشرقية القادرة على إثبات ذاتها والتغلب على من قهرها.
أرجو أن تحدثني عن الجماعية في حياتكم، وليتك تفصل لي في هذا النظام الإداري التشاوري المسمى بلغتكم «رنجي» أي المسؤولية الفردية التصاعدية في حل المشكلات اليومية، ثم البصم بالخاتم الشخصي على ما اتخذه كل فرد من قرار.
ضحك أستاذي ضحكة مشوبة ببعض السخرية من الذات، وقال لي: هل تعلم أن مساحة غير قليلة في ذيل صفحات القرارات الإدارية تترك خصيصًا لوضع العديد من أختام المسؤولين الذين تصدوا للمشكلة؟ إنها البيروقراطية بعينها إن كل من يضع بصمة خاتمه الشخصي يحمي نفسه من احتمال اتهامه بالتسبب في وقوع خطأ ما مجموع الأختام يشير إلى أن القرار صادر عن عدة مسؤولين وليس فردًا واحدًا، وعلى كل حال فالخاتم هذا في الأصل فكرة أو اختراع صيني.
علقت أنا من فوري: لكنها بيروقراطية محمودة، وبالفعل فإن تصدي أكثر من عقل المشكلة واحدة يضمن قلة احتمالات الخطأ، ولا يهم إن كان الخاتم صينيًا أو هنديًا، الأهم أن هناك جماعية في اتخاذ القرار.
ثم واصل الأستاذ بعد لحظة صمت وتفكير: أهم مما ذكرت عن خصائص الجماعية والتشاور هو أن الفرد -كل فرد- في اليابان يستشعر درجة عالية جدًا من المسؤولية عن الدوائر المحيطة به، الزوجة والزوج، والعامل، والمسؤول، تراهم في غير حاجة لمن يراقب أداءهم لواجباتهم أو بمعنى أوضح كل شخص يتحلى بإحساس من المسؤولية الذاتية يدفعه لمحاسبة نفسه عن أي تقصير، قد يقتل المرء نفسه بشق بطنه «هاريكاري» لشعوره بالذنب في حال قصر في أداء واجباته تجاه الآخرين، هذا هو سر اليابان في رأيي الشخصي، أو قل هذا هو أهم عوامل تقدمنا ضمن العوامل الأخرى التي تحدثت أنت عنها، أو لاحظتها فينا أنت أو غيرك من الأجانب.
قلت الأستاذي: الناس في بلادنا بين عبقري لا يرى في نفسه حاجة إلى استشارة الآخرين، بدءًا من رب الأسرة إلى المسؤول في أي مستوى حتى نصل إلى الحاكم الملهم وباحث عن «شماعة» «علاقة» يعلق عليها أخطاءه دون شجاعة الاعتراف بالخطأ ودون اعتبار أو تفكير في المسؤولية الشخصية.
بضاعتنا الحضارية عندهم! ساد جلستنا لحظات صمت انطلق عقلي فيها إلى ما في ديننا وتراثنا الحضاري من حض على الجماعية والشورى كأصل من أصول الإسلام بنص الآية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38).
قلت في نفسي: أليست محاسبة المرء لذاته والشعور بالمسؤولية الاجتماعية سلوكًا واجبًا أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»؟ أليس حديث السفينة تجسيدًا نبويًا لمعنى المسؤولية الفردية عن الجماعة والمجتمع؟! يقول المصطفى في الحديث: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا. «رواه البخاري».
أليس قول ربنا تبارك وتعالى في ذم سلوك اليهود؛ لعدم نهيهم بعضهم بعضًا عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: 78- ٧٩)، دليلًا قاطعًا على واجب الأفراد في ممارسة المسؤولية الاجتماعية؟ ألم يبادر بعض الصحابة إلى مراجعة النبي القائد بأدب ولباقة في واقعة ماء «بدر»؟ وأخيرًا ألا تعد تجربة أهل الحل والعقد تطبيقًا إسلاميًا متميزًا لمشاورة ذوي العقول الراجحة وأصحاب الخبرات المتنوعة في المجتمع؟! أليس ذلك نموذجًا قريبًا من توقيعات أو بصمات اليابانيين بأختامهم الشخصية على القرارات التشاورية؟
يا لنا من غافلين: نيمِّمُ عقولنا شطر المشرق والمغرب بحثًا عن سر التقدم، بينما النموذج المجرب المضمون النتائج تحت أيدينا! ترى، لماذا يشككنا بعض أبناء جلدتنا في بضاعتنا الحضارية الربانية المجربة؟! لماذا يحلو للنخب المتغربة أن تنتقي أسوأ ما في تراثنا البشري وتقاليد الجاهلية والشعوبية؛ لتلصقه وتحسبه على الإسلام والتاريخ الإسلامي؟
ترى من المستفيد من ترسيخ الأنانية والفردية في حياتنا اليومية وفي الحكم والسياسة؟!
عند هذه اللحظة من التفكير أضحى سر تقدم اليابان واليابانيين بالنسبة لي مجرد دليل تطبيقي معاصر على نجاعة بضاعتنا الحضارية الإسلامية، إن أدوات النهضة مخزونة في تراثنا الإسلامي الرباني، مشكلتنا أننا نتجاهل هدي ربنا ورسولنا، وتنصاع لمن يحاربون الإسلام ودعاة استعادته إلى حياتنا العملية، عند هذه اللحظة حولت دفة الحديث مع أستاذي إلى الدعوة الفردية المباشرة.
مستقبلنا بعد الموت!
قلت للرجل البالغ من العمر اثنين وستين عامًا، وقد طلق مهنة الصحافة المرئية ليلتحق بالعمل في متحف فني في العاصمة «طوكيو»: هل تذكر قولك لي: إنك تشعر بأنك مسلم، وإنك تؤمن بأن لهذا الكون خالق عظيم؟ هل تذكر تأكيدك أننا -أنت وأنا- سوف نلتقي في الحياة الآخرة بعدما عبرت عن اقتناعك بالإسلام؟ وواصلت حديثي: أنا وأنت نزداد اقترابًا من الموت بتقدمنا في العمر، ومن المؤكد أن ما بقي لنا على وجه الأرض أقل بكثير مما مضى، ألا يجب عليّ وعليك أن نسأل أنفسنا: هل استعددنا للقاء؟!
أجاب الرجل: نعم، أذكر كل ما قلته لك، أنا على استعداد؛ لكن مشكلتي هي هذا: وأشار إلى قدح الخمر الـ «ساكي» كان قد عب منه جرعات قليلة أثناء روايته مشكلاته مع الحياة ومع المحيطين به، أصيب الرجل بسرطان المعدة، ثم شفي منه، عانى من شعور بإهمال أهل بيته له، يبدو بجلاء أنه يشعر بالوحدة والعزلة!
قلت له: خير لك أن تكون مسلمًا عاصيًا يشرب الخمر من أن تموت على غير تهجر فيه الخمر إن شاء الله.
تشجع بعض الشيء وقال: لقد نجحت في هجر التدخين واتخذت القرار في لحظة، ثم سلمت آخر علبة سجائر والقداحة لزوجتي ومن يومها لم أدخن.
أراد أن يبرهن لي على قوة إرادته، فحييته على ذلك، قلت له: ما رأيك في أن تفكر معًا فيما بعد الموت؟ قال: أنا مستعد قلت: أما وإننا سنجتاز بوابة أو حاجزًا فلا بد من وثيقة سفر تحدد هويتنا، وتضم أعمالنا في هذه الدنيا، أشهد أنك فعلت معروفًا كثيرًا في حياتك الماضية، لقد أجمع من عرفتهم من تلاميذك وزملائك هنا في اليابان أنك أسديت لهم الكثير من الخبرات الصحفية، أما أنا شخصيًا فقد غمرتني بإنسانيتك وبتدريبك لي.
إنني أدعوك لتحل ضيفًا مرة أخرى في بلاد المسلمين، ومن هناك نخطط معًا للمستقبل الحقيقي، قال أنا أقبل الدعوة، سوف أجيء إليكم، أنا أشعر أن الله ساقك إليّ في الوقت المناسب وافترقنا، على أمل اللقاء!