; صفحات من دفتر الذكريات.. محاولات الوساطة بين جبهة الحكومة وجبهة الإنقاذ | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات.. محاولات الوساطة بين جبهة الحكومة وجبهة الإنقاذ

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1221

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

  • في الاحتفال بذكرى الثورة أعلن الرئيس زروال سخطه على الأحزاب جميعًا وعلى جبهة الإنقاذ لعدم تجاوبهم مع السلطة

يستأنف الاستاذ الدكتور توفيق الشاوي أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة، والمفكر والسياسي الإسلامي البارز - ابتداءً من هذا العدد حلقات طريق الجزائر، التي انقطعت عند الحلقة رقم ٩٥ ، والتي نشرت في العدد (۱۱۹۸) من المجتمع، حيث نشرت بعدها حلقات كمين في بيروت، ونبدأ من هذا العدد الحلقة رقم (٩٦) من طريق الجزائر. 

ساعدنا كثيرًا أنباء الفتنة في الجزائر في عام ١٩٩٤م، وبدا أمامنا نور أمل خافت عندما علمنا أن الرئيس زروال بدا الانفتاح على الحوار مع جبهة الإنقاذ بصفة غير رسمية وغير علنية . وأنه أخرج الشيخين: عباس مدني، وعلي بلحاج من سجن البليدة ووضعهما تحت الإقامة الجبرية في أحد المساكن الحكومية في العاصمة، وصرح لهما بالاتصال تليفونيًا بمن يريدون «التشاور» معهم.. وجاء أحد أصدقائنا الجزائريين للعمرة في المملكة، وإلتقينا به وتشاورنا فيما يمكننا عمله وسألناه عما إذا كنا نستطيع أن نفعل شيئًا لإخراج تلك البلاد العزيزة من هذه الحال التي وصلت إليها . وكان يشترك معنا في الحوار بعض الإخوة السعوديين، وقال أحدنا: هل ترى من الممكن أن يذهب وفد من العلماء والحكماء إلى هناك للتدخل لدى الحكومة لتهدئة الحال أو مساعدتها في ذلك إن كانت ترغب؟

التقينا مع الدكتور حامد الغابد المنظمة المؤتمر الإسلامي - وسألناه عن رأيه، فأبدى أسفه لما يسمعه عن أنباء القتل والسجن والمحاكمات والإعدامات... واقترحنا عليه أن يقوم بمبادرة للتوسط شخصيًا في هذه المشكلة، فقال: إنه لا يستطيع أن يتدخل في قضية داخلية إلا إذا وافقت الحكومة الجزائرية، ووعدنا بأن يتصل بسفير الجزائر لهذا الغرض، وبعد عدة شهور سألناه عما تم بشأن توسطه فقال: إن السفير لم يرد علي للآن، ومعنى ذلك أن الحكومة الجزائرية لا توافق أو أنها ترى الوقت غير مناسب. كان الشيخ محفوظ النحناح يتردد على السعودية، وكنت أتحاشى مقابلته، لأنني كنت معارضًا في أسلوبه الذي يعتبره كثيرون انحيازًا للسلطة الانقلابية بسبب تكرار التصريحات التي يعتبرها الإنقاذيون ترديدًا لوجهة النظر الرسمية. 

ومع ذلك خطر لي أن نستفيد من علاقته بالحكومة للحصول على رد منها للأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولذا تقابلت معه، وسألته إن كان يرى فائدة من وساطة الأمين العام، وهل يستطيع إقناع المسؤولين في الحكومة بذلك، فوعد بذلك، فأخذته معي وذهبنا للدكتور الغابد في مكتبه بالأمانة العامة، وعرضت عليه اقتراحي بأن يقوم الشيخ محفوظ بالاتصال بالمسؤولين في السلطة للحصول على موافقة الحكومة على وساطته، قال: لا مانع عندي ولكن اعتقد أنني لن استطيع أن أتوسط شخصيًا، بل كل ما أفعله هو إرسال وقد أو شخص مقبول من الطرفين لهذه المهمة، واقترح أن تقوم أنت بهذه المهمة. وأيد ذلك الشيخ محفوظ، نظرًا لأنه يعرف علاقتي مع الشيخ عباس مدني، ووعد بأن يلتقي مع رئيس الدولة ويعرف رأيه. ويبلغني في أول فرصة، ولم يطل الوقت حتى اتصل بي تليفونيًا من لندن يبلغني بأن الوقت مناسب وأنه أرسل لي التأشيرة للسفارة الجزائرية في القاهرة ويرجو أن أسارع في الحضور، فاعتذرت له عن عدم إمكان الحضور فورًا، فألح إلحاحًا شديدًا أرابني وجعلني أصر على الرفض، وفي اليوم التالي اطلعت على تصريح له في الشرق الأوسط بأنه سوف يتوسط بين الحكومة والجبهة، وسوف يزور الشيخين عباس مدني، وعلي بلحاج في المعتقل، فتأكدت مخاوفي أنه يريد أن أسهل له القيام بهذا الدور، الذي أعرف استحالته لأنني أعرف رأي الشيخ عباس من قديم ومتأكد أنه لن يقبل أن يلتقي مع الشيخ محفوظ، أو يتحدث معه حتى ولو كنت معه.

الوقت غير مناسب

اتصل الشيخ محفوظ بالدكتور محمد عمر زبير الذي وعده ببحث الأمر والتفكير فيه، وعندما ألح الشيخ محفوظ، قال له الدكتور زبير إنني مستعد للذهاب بصفة شخصية لكن بشرط موافقة الطرفين، فأعطاه الشيخ محفوظ رقم التليفون في المقر الذي يعتقل فيه الشيخان، ولما اتصل بالشيخ عباس وعرض عليه رغبته في زيارته لمحاولة التوفيق، أجابه: بأن الوقت غير مناسب، وفي الوقت نفسه كان قد اتصل بالشيخ عبد الله جاب الله وطلب منه أن يتصل بالمسؤولين في السلطة ويبلغهم رغبته في التوسط بصفة شخصية ويعرف رأيهم، وبعد فترة أجابه الشيخ عبد الله بأنهم ليس لديهم مانع من حضوره وألح عليه من جانبه أن يسرع لأن احتفالات أول نوفمبر تقترب ويحسن تنقية الجو قبلها. 

في هذه الفترة ذهبت إلى «بيروت» في شهر اکتوبر الحضور مؤتمر الحوار الإسلامي القومي، والتقيت هناك بالأستاذ عبد الحميد المهري - الأمين العام لجبهة التحرير الوطني الجزائرية - وسألته عن رأيه في الأحداث الداخلية فأبدى انتقاده السياسة الإبادة والإقصاء والاستئصال التي تسير عليها السلطة، ورأيه أنه لابد من الحوار مع الجبهة والإقرار بشرعيتها، وبغير ذلك لا يمكن أن تتحمل مسؤوليتها في وضع حد لمسلسل العنف الذي يهدد مستقبل البلاد... وفوجئت في نفس اليوم بتليفون من الشيخ محفوظ نحناح من «سويسرا». وقال إنه يقترح أن أذهب من بيروت إلى جنيف لنذهب سويًا إلى الجزائر لمقابلة الشيخين، وألح إلحاحًا شديدًا في ذلك فكررت له اعتذاري مكررًا أنني سوف أذهب للمغرب في شهر ديسمبر الحضور مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي، ويمكن أن أفكر في زيارة الجزائر في طريقي للذهاب أو العودة من المؤتمر، وليس قبل ذلك. 

والتقيت بالشيخ عبد الله جاب الله أيضًا في بيروت، وعرضت عليه ما اقترحه الشيخ محفوظ من حضوري للجزائر فأيد ذلك وقال لي: إن الجميع يترقبون احتفالات أول نوفمبر، ويتوقعون أن تعلن الحكومة خطوة جديدة نحو التهدئة، وحضوري قبل ذلك قد يفيد في تشجيعها على ذلك، وأعطاني تليفونه وعنوانه في الجزائر المتابعة الاتصال به لهذا الغرض، كما فعل السيد عبد الحميد المهري. وبعد فترة قصيرة من عودتي «للقاهرة»، فوجئت باتصال تليفوني من د عمر زبير، عرفني فيه بأنه قرر أن يتخذ المبادرة للسفر بصفة شخصية بعد أن توقفت جهود رابطة العالم الإسلامي التي أبداها الدكتور أحمد علي، وأكد لي أنه مقتنع بأن أول خطوة نحو الحل هي الاعتراف بالجبهة لأنه لا يعقل أن تتحاور الحكومة مع المسؤولين عنها وهي تتمسك بقرار حظر نشاطها، وبعد سفره بأيام قليلة سمعنا أخبار الاحتفال الرسمي بذكرى الثورة في أول نوفمبر، وفوجئنا بإعلان الرئيس زروال سخطه على الأحزاب جميعًا، وعلى جبهة الإنقاذ، وإعلانه أن الحوار مع الأحزاب المعترف بها لدى السلطة قد أوقف لعدم تجاوبهم مع السلطة، والذي أدهشني هو اتصال تليفوني من الدكتور زبير يرجوني فيه ضرورة حضوري فورًا إلى الجزائر لأنه في حاجة إلى هناك في هذه الفترة، وأخبرني بأنه كان يقيم في ضيافة الحكومة، ولهذا لا يمكن لأحد الاتصال به إلا بعد الحصول على إذن وزارة الإعلام. لكنه بعد ذلك انتقل إلى« فندق الجزائر » وأنه يلح علي في حضوري لأن الظروف هناك تقتضي ذلك الآن، ولما اعتذرت تأسف لإصراري على عدم الذهاب في ذلك الوقت، وأبلغني أنه أطال إقامته هناك أسبوعًا ثالثًا وسيحضر بعد ذلك.

طلبات الحكومة

بعد أن عاد الدكتور زبير، حدثني بكل ما قام به وعرفني أنه التقى مع الرئيس زروال، ومع مسؤولين في الحكومة الذين تجاوبوا معه عندما طلب هو والشيخ عبد الله جاب الله عدم تنفيذ ما أعلنوه من إعادة الشيخين للسجن في البليدة.. وأعادوا لهما الاتصالات التليفونية التي كانوا قد أمروا بقطعها عنهم في أول نوفمبر عندما أعلن الرئيس قطع الحوار مع الأحزاب، بل أفادني أنه توصل معهم إلى قبول اقتراح بإعلان من الحكومة عن الاعتراف بالجبهة وإن كانوا يشترطون تغيير اسمها، الأمر الذي رفضه الشيخان، كما رفضا أن يقوما بإعلان أي شيء باسم الجبهة إلا بعد التشاور مع مجلس الشورى وذلك يستلزم خروجهما من هذا المعتقل، وقال: إنه اقترح عليهم إجراء التشاور بطريقة انفرادية بالمراسلة أو بالواسطة أي بواسطة عدد من القادة الذين يطلبون أن تفرج عنهم السلطة، وطلب من المسؤولين بالسلطة أن تسهل ذلك بالإفراج عن بعض زملائهم المعتقلين، ووعدهم بالعودة إذا وافقوا عليها الإقناع الشيخين بها، كما وعدهم أنه سيقنعني بالحضور معه لهذا الغرض، واتصل وهو في القاهرة بعدد من أصدقائنا الذين يهمهم هذا الموضوع وخاصة الأستاذ الشيخ محمد الغزالي، والأستاذ فهمي هويدي، وعرفهم بأنه إذا تجاوبت الحكومة مع مقترحاته فقد يكون من المناسب أن يوقع بعض العلماء على نداء للهدنة ويعود به للشيخين لعلهما يستجيبان له وخاصة إذا ذهبت معه قلت له: لن أذهب إلا إذا وافقت الحكومة على طلبك بإلغاء قرار حل الجبهة وبشرط أن يتصل بي الشيخ عباس ويبلغني بموافقته على حضوري.

زيارة الجزائر

في جدة داوم الدكتور زبير على الاتصال بالشيخ عبد الله جاب الله ومع أحد المسؤولين في السلطة في محاولاته الدائبة لإقناعهم باتخاذ الخطوة التي اقترحها للتهدئة. وفجأة جاء إلى القاهرة، وكرر طلبه بسفري معه وأقنعته بأن يسافر وحده ليتأكد من حسن نية الحكومة، وعند ذلك يبلغني لكي أحضر إليه على أن يكون ذلك في طريقي إلى مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامية في «الدار البيضاء»، المحدد له (١٠ - ١٤ ديسمبر ١٩٩٤). 

بعد يومين فقط من وصولي« ألمانيا»، في طريقي للمغرب اتصل بي الدكتور زبير من الجزائر واقترح أن أمر عليه بالجزائر، فوعدته بذلك. توجهت فورًا إلى المغرب والتقيت هناك ببعض أصدقائي، واتصلت من الرباط تليفونيًا لأول مرة بالشيخ عباس في الرقم الذي أعطاه لي د .زبير وأبلغته برغبتي في زيارتهما إذا لم يكن عنده مانع من ذلك، أجاب بأن الوقت مازال غير مناسب، قلت له: إنني الآن في المغرب ولدي فرصة لزيارته لمجرد رؤيته والسلام عليه وعلى الشيخ علي بلحاج، دون أي غرض آخر، فقال: إذا كان الأمر كذلك وسمحوا به أي الحكومة، فلا مانع لدي، فذهبت فورًا في يوم الأحد (٤ / ١٢ / ١٩٩٤م) إلى الجزائر معتمدًا على الله، وإن كان كثير من أصدقائي قد حذروني ونصحوني بالعدول عن ذلك، خشية أن يدبر لي كمين ممن يعارضون كل محاولة للتقريب بين الطرفين، ورغم ذلك فقد استخرت الله وسافرت إلى الجزائر.. معتمدًا على الله، في الطائرة المغربية التي حملتني إلى عاصمة الجزائر، فكرت في الأشخاص الذين سألتقي بهم إذا تيسر لي ذلك، وأعددت برنامج لقاءاتي إذا لم يوجد ما يغير هذا البرنامج. وأحمد الله أن وفقني إلى إتمامه كاملًا .. كما يلي:

  1. زيارة الشيخين عباس مدني، وعلي بلحاج، وسبر أغوار أفكارهما ومدى صلابتهما . 
  2. لقاء من أستطيع من أنصارهما غير المعتقلين. 
  3. الأستاذ عبد الحميد المهري، لدراسة موقف جبهة التحرير واتجاهاتها.
  4. الشيخ سحنون، والشيخ عبد الله جاب الله،والشيخ محفوظ.
  5. كل من أستطيع من أساتذة الجامعات الجزائرية، ورجال الفكر.. وسوف أعرض نتائج اللقاءات بهذا الترتيب .
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

122

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

من أسرار غزوة الفتح

نشر في العدد 69

108

الثلاثاء 20-يوليو-1971

هذا الأسبوع (العدد 69)