; عبد الجبار الكبيسي: «أقسمت أن أعود إلى بغداد لـ«أكتب وأتكلم» | مجلة المجتمع

العنوان عبد الجبار الكبيسي: «أقسمت أن أعود إلى بغداد لـ«أكتب وأتكلم»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 58

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 26

السبت 18-فبراير-2006

(*)عن صحيفة لوجورنال دوديمانش الفرنسية

في الثالثة والستين لا يمكنني حمل السلاح.. لكني أحمل الكلمة وقناعة النضال

المناضل والسجين العراقي عبد الجبار الكبيسي البالغ من العمر ٦٣ سنة، والذي أطلق سراحه مؤخرًا يسكن اليوم في منطقة «مونيماس» في «هوت سافوا» الفرنسية يقول: «الشيء الوحيد الذي تعلمته من فترة اعتقالي هو حقيقة الديمقراطية الأمريكية». الرجل الذي اعتقله الأمريكيون، ثم أطلقوا سراحه بعد شهور من المعاناة، قرر أخيرًا أن يروي قصة اعتقاله وما شهده في فترة الزنزانة الأمريكية التي لم يكن يتجاوز طولها الـ ١٧٠ سم، وحكاية الاستجوابات التي كان ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يجرونها معه والمعاناة الكبيرة التي يعيشها باقي المعتقلين الذين كان معظمهم من الشخصيات التي كانت تعمل في خدمة الدكتاتور العراقي المخلوع. هذه الشهادة الفريدة تعكس أيضًا الانزلاق الرهيب الذي وصل إليه العراق بعد ثلاثة أعوام على سقوط النظام البائد. 

«لقد ارتكبنا غلطة فادحة حين جئنا إلى العراق، فلن نربح هذه الحرب، الآن وقد صار المستنقع رهيبًا، وبوش لا يدري شيئًا.

 ما كنا نريد فعله هو ترك البلاد بين أيدي أمينة والهرب من هنا! » هذه الجملة قالها له ضابطا وكالة الاستخبارات الأمريكية كانا يستجوبانه»، «هذه مغالطة» قالها عبد الجبار الكبيسي بينه وبين نفسه وقد كان مقيد اليدين والرجلين معًا، استطرد قائلًا لنفسه كما لو أنه يخاطب الضابطين: «فات الأوان، لن نترككم تغادروا العراق محترمين، فقد دمرتم العراق وسنخرجكم كما أخرجتم من الفيتنام وسنطاردكم عبر كل الشرق الأوسط».

 أطلق سراحه منذ أسبوعين فقط، بدا عصبيًا وهو يدخن سيجارة تلو الأخرى في شقته في «مونيماس» في «هوت سافوا» الفرنسية. يحكي لنا هذا العراقي، شهوره الخمسة عشر التي قضاها تحت الاعتقال. من شهر سبتمبر ٢٠٠٤ إلى شهر ديسمبر 2005 فالحقيقة التي يرويها لنا هي تلك التي تعكس شخصية هذا المعارض الشرس والعتيد، ذي الوجه المحفور بالإرهاق، إنها صورة رجل وطني عربي صميم، لا يتعب، عنيد وقاطع، مناضل جرب الاستجوابات كثيرًا.

 من جهة ثانية يجب القول إن عبد الجبار لا يتأفف على حاله هو، بل يبقي على انتقاداته اللاذعة حين يتعلق الأمر بدفاعه عن حربه ونضاله. هو الصلب الذي أرهقته التجربة، نقص وزنه ۱۲ كيلوجرامًا داخل السجن هو الذي يبلغ من العمر ثلاثة وستين عامًا، يذكر منها ١٢ سنة سجنًا حكم فيها عليه من قبل النظام العراقي المخلوع. ينحدر عبد الجبار الكبيسي من عائلة سنية عريقة من مدينة الفلوجة، معقل المقاومة العراقية. هذا المهندس البعثي السابق والذي كان معارضًا لصدام حسين وجد نفسه خلف القضبان في نهاية الستينيات، تعرض خلالها إلى التعذيب كما تم اغتيال اثنين من إخوانه. نفي بعدها إلى سورية، وجد نفسه يقود أثناءها حزبًا بعثيًا منافسًا للحزب الحاكم في العراق، وهي الفرصة التي جعلته ينتشر في العالم العربي، في سنوات معدودة صار مزعجًا بالنسبة للسوريين الذين قرروا نفيه من جديد ليستقر عام ١٩٩٧ في فرنسا كلاجئ سياسي على بعد خمسة كيلومترات عن الحدود السويسرية. 

صار رئيسًا للتحالف القومي العراقي ورئيس تحرير يومية أطلق عليها اسم «نداء الوطن» حارب من خلالها العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة ضد العراق. رفض الالتحاق بالمعارضة العراقية القابعة في الولايات الأمريكية وأثناء سقوط الدكتاتور العراقي في أبريل ۲۰۰۳، عاد إلى الوطن، ليكتشف بسرعة واقع الاحتلال الأمريكي، فنادى إلى تفجير خطوط الأنابيب البترولية التي اعتبرها الهدف الوحيد لاحتلال العراق.

 يوم الاعتقال:

 في ليلة الرابع إلى الخامس من شهر سبتمبر ٢٠٠٤ حامت ثلاث طائرات هليكوبتر فوق بيته، تم تفجير بوابة بيته بأصابع الديناميت، عشرات الآليات المصفحة وثلاث دبابات أغلقت الشارع الرئيس، ليتم اقتحام المكان وإلقاء القبض عليه، كبلوا يديه ورجليه بالسلاسل، غطوا وجهه بقناع واقتيد على متن طائرة هليكوبتر. ساعة في الجو ثم حطت الطائرة في قاعدة عسكرية أمريكية سرية. وهناك تم وضعه في زنزانة ضيقة لا يتجاوز عرضها ۱۷۰ سم، مع أن طوله يصل إلى متر وثمانين سم. 

ثم بدأت الاستجوابات المكوكية. «عشرون ساعة في اليوم، تقطعها ثلاث ساعات تتخللها استراحة من نصف ساعة. لماذا تم الاعتقال؟ «ستعرف فيما بعد» قالها له أحد الجنود، وفي الحقيقة، فإن تصريحاته حفظت ضده بصفته -حسب الأمريكيين- سياسيًا خطيرًا. 

«ماذا تعرف عن المقاومة؟» سأله أحد الجنود الأمريكيين. فرد: «لا أعرف شيئًا».

 «أنت كاذب» صاح فيه مسؤول فرقة المحققين. فرد عليه الكبيسي: «الكاذب

 الأكبر هو رئيسكم. والشيء الوحيد الذي تستطيعون فعله هو قتلي» فصاح فيه

 الضابط الأمريكي: حذار يمكننا استعمال طرق أخرى معك.

 مجرد تهديدات لأن الكبيسي أكد أنه لم يتعرض للتعذيب ولا للضرب. في غضون عشرة أو اثني عشر يومًا - لم يكن باستطاعتي معرفة الوقت - تم نقلي على متن طائرة هليكوبتر مسافة ساعة من التحليق عندما حطت الطائرة أنزلوني منها مكبل اليدين والرجلين معصوب العينين.

 من صوت المكان عرف أنهم حطوا به في مطار بغداد، وتحديدًا في «كامب كروبر» المعتقل الأمريكي الذي يوجد فيه العديد من المعتقلين من الشخصيات السابقة في النظام العراقي المخلوع، علق الكبيسي على المكان قائلًا: «كان المعتقل بمثابة فندق خمس نجوم بالمقارنة مع العلبة السوداء التي كنت داخلها» قال يصف غرفته ذات الـ 3 أمتار في 205 م. سرير صغير، وأغطية، زجاجات الماء ومصحف، الطعام عبارة عن أرز وقطع صغيرة من الدجاج، ثمة زنازين مترامية إلى الجانب شبه متلاصقة. كانت العزلة التي فرضوها علي من شهر سبتمبر ٢٠٠٤ إلى شهر فبراير ٢٠٠٥. قال لي الآخرون إنه نفس المكان الذي اقتيد إليه صدام حسين قبل أن يتم ترحيله إلى مكان سري.

 زنازين البعثيين القدامى كان القيد الموضوع على معصمه عبارة عن رقم خاص به، أي رقم يتم عبره تحديد أهمية المعتقل من عدمها، لذا كان رقمه 200162 ci. ثم بدأت استجوابات أخرى في غرفة صغيرة داخلية تم اقتياده إليها مقيدًا ووجهه مغطى تمامًا. تلك كانت ملامح الإدارة الأمريكية في مجال الاستخبارات، ليست أكثر من ثلاث خدمات يتم على أساسها فيها التعاطي معه طوال ست إلى ثماني مرات يوميًا. 

محقق واحد + اثنين من الكتاب يدونون التحقيق كتابيًا. ذات مرة، قال له رئيس المحققين التابعين للمجموعة الأولى: «نحن من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية».

 كل شيء يتم تناوله بدقة، ماضيه، اتصالاته بالعالم العربي بالفلسطينيين، وبالمقاومة العراقية وصولًا إلى نظرته للحكومة القائمة حاليا في بغداد». «إنهم لصوص وجهلة على حسابنا». قالها عبدالجبار الكبيسي وهو في حالة من الغضب الشديد.

 أضاف: «لكن عادة ما يتحول الكلام إلى حوار سياسي»، سألوني عن أسباب الانتفاضة حين شرحت لهم معنى المقاومة؛ جئتم لتنهبوا كل شيء وتفرغونا من هويتنا العربية وتعمدتم ترك اللصوص ينهبون ويدمرون بلادنا.

- لكن، لماذا تحاربوننا بينما نحاول نحن أن نمنحكم حياة أفضل؟ لماذا تكرهوننا كوننا أمريكيين؟

 أنتم محتلون، وإن تركتكم تدخلون إلى بيتي فستبصق زوجتي على الأرض. لا أحد يحترمكم هنا.

 وحين تكلم محدثه عن القوة الخارقة للولايات الأمريكية، تقزز السجين ويرد عليه متسائلًا: «بما أنكم قوة خارقة فلماذا تذهبون بطائرة هليكوبتر؟

 يوم ۹ فبراير ٢٠٠٥، نهاية الحبس. تم نقله إلى القطاع رقم ٧ الذي تتشابك فيه قرابة ۲۱ زنزانة منفردة يحتجز فيها قادة سابقون من النظام العراقي المخلوع. المعتقلون الستة والخمسون الذين يحاكمون في بغداد محتجزين في معتقل كوبر. حين يذهبون إلى الحمام مجموعات - تتكون عادة من سبع سجناء - يمرون بزنزانة عامر رشيد وزير البترول العراقي الأسبق ومحمد مهدي صالح وزير التجارة السابق الذي يعاني من فقدان البصر.

 ثمة ما يقارب خمسة سجناء توفوا في ذلك المكان، من بينهم محمد حمزة الزبيدي الوزير الأول الأسبق، عادل الدوري، مسؤول معروف من حزب البعث، والمحامي الذي كان محتبسًا قريبًا من زنزانته والذي توفي قبل شهر من إطلاق سراحه، أثناء جولات المراقبة التي يتم القيام بها خارج الزنزانة. رأى الكبيسي رشق حجارة نحو طارق عزيز وزير الخارجية الأسبق، وبرزان الأخ الشقيق للرئيس العراقي المخلوع. المعلومات قليلة، جريدة تأتي كل ثلاثة أسابيع، كنت مذهولًا أيضًا حين ارتفع الهتاف من تسعة عشر من الإسلاميين الشباب المعتقلين وهم يصرخون الله أكبر.

 مقطوع عن الدنيا

 كانت الرسائل القليلة التي تلقاها تتم قراءتها ومراقبة كل حرف فيها ومصادرتها أحيانًا. حتى «الخربشات» التي يرسمها طفلاه الصغيران يعتبرها الأمريكيون كلمات مشفرة سرية. أما فيما يخص الاتصالات فقد استطاع يوم ١٥ يونيو أن يكلم عائلته في الهاتف مرة واحدة، ويوم ٢٥ يونيو تلقى زيارة شقيقه. لكن تبقت الاستجوابات الأخيرة مع ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المليئة بالتحدي من المعتقل والتعنت من جانب الأمريكيين. مرة كشف له أحد الأمريكيين الذين كان يستجوبه أن «نتائج الانتخابات العراقية لم تكن جيدة، وأن الإيرانيين أو الموالين لإيران -لا يقولون الشيعة أبدًا - هم الذين فازوا بالانتخابات. البلاد معرضة للحرب الأهلية!» في نفس الوقت، استوعب الأمريكيون أن الكبيسي يحظى بدعم من الخارج من الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وأيضًا من نقابة المحامين العراقيين، ومن البرلمان الأوروبي أيضًا.

 في ذلك الوقت أراد الأمريكيون أن يعيدوا ضم قادة من السنة لإيجاد التوازن بينهم وبين الشيعة لقطع الطريق أمام إيران في البلاد. قال له الضابط الأمريكي: أنت معروف في العالم العربي ومناضل ونحتاج إلى أشخاص مثلك لنترك لهم مقاليد الحكم. نحن في مأزق هنا ونحتاج إلى تغيير في الحكومة.

 رد الكبيسي: «لكن من أنتم؟ أنا لن أدخل في أي لعبة حددتم شروطها مسبقًا  

-نعرف أنك لا تحبنا لكننا نحتاج إلى وضع الحكم بين أيدي أناس شرفاء. ستكون حرًا قريبًا وإن تعاونت معنا فستكون المرشح لمنصب الوزير الأول، سألتقي مسؤولي في البيت الأبيض يوم ٥ يناير وعليك أن تختار.

 أعرف مسرحياتكم، أنا لست للبيع  ويقسم إنه سيرجع إلى بغداد ليكتب وليتكلم ففي سن الثالثة والستين لا يمكنني حمل السلاح، لكني أحمل الكلمة وقناعة النضال.

الرابط المختصر :