العنوان قراءة سياسية في خريطة الانسحابات العسكرية في لبنان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1983
مشاهدات 54
نشر في العدد 625
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 14-يونيو-1983
- الإجماع العربي.. هل
يكون مقدمة لأكتوبر جديد في البقاع؟!
- بعد فشل صراع الانشقاق
في البقاع.. هل تتكفل إسرائيل بالمهمة؟!
الأزمة الدائمة المستعصية في العالم العربي هي الأزمة
اللبنانية.. كانت كذلك منذ عشر سنوات ولا تزال المؤشر الحقيقي لاتجاهات الأحداث في
العالم العربي.
- لبنان إلى أين؟
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية من
عاصمته بيروت ظن الحكم القائم في لبنان أنه أفلح في أن يتخذ القرار الذي يريد
بمعزل عن أي مؤثر خارجي، وأنه استطاع عزل القضية اللبنانية عن دوامة الصراع الدولي
وعن أزمة الشرق الأوسط المستعصية. القضية الفلسطينية.. لكن يدرك الآن أن ذلك
مستحيل، وأن القرار اللبناني والمصير اللبناني مازال مشدودًا بقوة إلى القضية
الفلسطينية وإلى مواقف العواصم العالمية والعربية.. الجديد في الأمر أن اللبنانيين
باتوا يرددون مع رئيسهم أمين الجميل بصراحة: لن نرتاح -ولن ندع العالم يرتاح- حتى
يعود الاستقرار إلى لبنان.. فأين لبنان الآن، وأين هو من الاستقرار الذي يسعى إليه!
- وضع الاسترخاء
بعد شهر من شد الأعصاب وتوقع صيف ساخن في لبنان عبر حرب محتملة
بين سوريا وإسرائيل في سهل البقاع عادت الأمور إلى وضع الاسترخاء وتبين أنه لا
سوريا تريد مواجهة عسكرية مع إسرائيل، ولا إسرائيل تصر على استعجال الانسحاب
السوري من لبنان، وتبين كذلك أن «سوء التفاهم» أو انقطاع التفاهم بين واشنطن
وموسكو حول المسألة اللبنانية قد جرى استدراكه، وأن كلا الطرفين المتواجهين في سهل
البقاع محكوم بإرادة عليا ليس من مصلحتها قيام مواجهة غير محسوبة في المنطقة.
وقد تجلى ذلك على الأرض وانعكس في جولات مكوكية عربية قام بها
مسؤولون كبار عبر كل العواصم العربية النافذة في المنطقة، مما يوحي بأن التفاهم
الدولي قد انعكس عربيًا بشكل واضح، وأن كل الأطراف باتت تتحرك الآن بعقلانية ودون
تهور، حتى أكثر الأطراف العربية تهورًا تسربت إليه العقلنة ودخل اللعبة من بابها
الواسع، ومازال يدور ويزور، ولا ندري إلى أين سينتهي به المطاف.
لكن، هل هذا يعني أن لبنان سيرتاح، وأن كلًا من سوريا وإسرائيل
ستنسحبان عن أرضه، وأن احتمال قيام مواجهة عسكرية قد زال؟!
- حسابات
ليس ذلك كله ملازمًا للتفاهم الدولي والعربي، بل قد يكون العكس
هو الصحيح، ولابد لإثبات ذلك من إعادة جرد الحسابات والاحتمالات.
- الموقف الإسرائيلي
ولنبدأ بإسرائيل.. ما هي مصلحتها من قيام مواجهة مسلحة مع سوريا
في البقاع؟ وماذا ستحقق لها الحرب من مكاسب؟! إن استمرار الوضع القائم الآن يعتبر
نموذجيًا بالنسبة لإسرائيل فقواتها تنتشر من بيروت إلى الجنوب ومنه إلى الجيل
والبقاع قريبًا من طريق بيروت - دمشق وأي انسحاب سوري سيلزمها تنفيذ انسحاب مواز
من هذه المناطق، وهي لا تريد ذلك ولا تستعجله على الأقل، وماذا يضيرها لو أمضت
قواتها فصل الصيف في عالية وبحمدون والباروك، ثم هي الآن ليست دولة معتدية أمام
الرأي العام الدولي وتطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان، ومن ثم فإن سمعتها
الممرغة بالوحل نتيجة الغزو يمكنها تنقيتها إذا كانت سوريا هي التي ترفض الانسحاب.
وأي مواجهة في البقاع ستكون مكلفة جدًا لقوات إسرائيل، صحيح
أنها قد تجبر الجيش السوري على الانسحاب ولكن احتلال البقاع عملية عسيرة لأنه
مزروع بالبنادق، وهذه تخيفها أكثر من الصواريخ السورية لأنها لم تتعلم بعد كيف
تتعامل معها أو تتلافى هجماتها المتتالية.
وأخيرًا فإن معركة كهذه تحقق مصلحة رئيسية للحكومة اللبنانية،
لأنها هي التي ستتسلم المناطق التي ستجلو عنها سوريا متعاونة مع القوات متعددة
الجنسيات، وإسرائيل لا تريد أن تحارب إلا من أجل مصالحها هي.. ولذلك فإنها لم
تستجب للإثارة التي تعرضت لها في سهل البقاع.
- والموقف السوري
أما سوريا فإنها لا تريد أن تحارب كذلك، قد ترفض الاتفاق
اللبناني الإسرائيلي وقد تحبطه ولكنها لن تحارب من أجل إسقاطه، فالسوفيات كانوا
ومازالوا ينصحون العرب بعدم التورط في حرب مع إسرائيل، وقد فعلوا ذلك منذ حرب
١٩٦٧، لإدراكهم بأن المعادلة الدولية القائمة لن تسمح لهم بأن يحققوا نصرًا واحدًا
على إسرائيل.. وقد زودوا سوريا بعتاد عسكري وقواعد صواريخ سام (٥) وتعهدوا بحماية
الأراضي السورية ضد أي عدوان إسرائيلي على سوريا، وخبراؤهم يعملون في قواعد
الصواريخ ويتحكمون بقرار الحرب، بمعنى أن هذه الصواريخ لن تنطلق ضد الطائرات
الإسرائيلية التي تعربد يوميًا فوق القوات السورية المنتشرة في البقاع وشمالي
لبنان مع أن الأجواء اللبنانية واقعة ضمن نطاق هذه الصواريخ.
وقد تفهمت سوريا هذا الواقع تمامًا، لذلك فقد أبعدت عن خطوط
التماس مع إسرائيل كل العناصر غير المنضبطة في سهل البقاع، ولاسيما الإيرانيين
والفلسطينيين، وهؤلاء يتحدثون بمرارة عن الإجراءات التي اعتمدت من أجل عزلهم عن
الميدان الحقيقي للمواجهة أو مجرد احتمال القيام بغارات فدائية على المواقع
الإسرائيلية، وقد أفلحت الخطة في تجميد الجبهة الطويلة التي يتقابل فيها الجيشان
السوري والإسرائيلي من صوفر حتى جبل الشيخ بمسافات قريبة جدًا لا تتعدى عشرات
الأمتار في بعض الأحيان، فسوريا تدرك تمامًا أن نشوب أي مواجهة غير محسوبة مع
إسرائيل ستكون نتائجها خطيرة على النظام وتماسكه، لأن إسرائيل لن تكتفي بضرب
القوات السورية في البقاع وإنما سيتعدى الأمر إلى ضرب دمشق ذاتها إن لم يكن
إسقاطها عسكريًا.
من أجل كل ذلك، ولأن الحرب لا تحقق غرضًا للطرفين المتقابلين،
فقد جرى تطويقها وتبريد حرارتها وباشرت إسرائيل إنهاء حالة الاستنفار في قواتها
وسحبت أرتالًا من الدبابات التي نقلتها من الجنوب اللبناني إلى البقاع.
- احتمالات
وما هي الاحتمالات الواردة الآن على صعيد الأزمة اللبنانية
والانسحابات العسكرية؟
إن عودة حالة التفاهم -الدولي والعربي- لا تعني زوال احتمالات
مواجهة عسكرية في البقاع، وإنما هي تعني بالضبط أن تكون المواجهة محسوبة بحيث يمكن
التحكم بها من أجل إيقافها عند مرحلة معينة لا تتعداها.
إن قيام مواجهة بين سوريا وإسرائيل تعتبر الآن ضرورة ملحة لكلا الطرفين..
وحالة التفاهم العربي التي سادت ينبغي أن تذكرنا بالتفاهم الذي ساد المنطقة إبان
حرب رمضان- أكتوبر ۱۹۷۳، وقد بات الجميع الآن يدركون بأنها
كانت حربًا من أجل تحريك الموقف العربي الإسرائيلي، وكانت الجسر الذي عبر من خلاله
السادات إلى كامب ديفيد، وهذا ما طرحته «المجتمع»، منذ بداية التوتر في لبنان بين
سوريا وإسرائيل حين تساقطت عما إذا كان الاستنفار في البقاع «أكتوبر جديدة أم مجرد
تسخين سياسي» لأجواء الأزمة من أجل تحريكها.
- في المواجهة بعض المصلحة
لقد كان ممكنًا تلافي المواجهة في حالة واحدة، وهي أن تفلح الجهود التي بذلت
من أجل تفجير منظمة فتح من داخلها في تصفية المنظمة بالتجاء العناصر الموجودة في
البقاع إلى أسلوب الحسم المسلح. لكن التعقل ساد الموقف وأدرك كل من ياسر عرفات
والعناصر التي وصفت بأنها منشقة بأن السلاح لا يخدم أي غرض، وسيؤدي إلى تدمير بنية
فتح العسكرية في وقت ترابط فيه قواتها في مواجهة القوات الإسرائيلية ومادام
الانشقاق لم يؤد أغراضه فإنه لابد من قيام وضع في البقاع يحقق هذه الأغراض، وهنا
تبرز المصلحة المحتملة في قيام المواجهة.
- خيارات سوريا
بالنسبة لسوريا، لم يكن أمامها أي خيار إلا رفض الاتفاق
اللبناني الإسرائيلي، فهي ستخرج من لبنان دون مكاسب، بل ستخلف فيه ركامًا من
العداوة سواء على الصعيد الرسمي مع النظام اللبناني القائم أو في المناطق
الإسلامية في البقاع والشمال، وقد خرجت إسرائيل باتفاق أمني يمنحها امتيازات
كبيرة، بينما سوريا ستخرج صفر اليدين.. العنصر المهم الآخر هو أن الانسحاب السوري
من البقاع والشمال يحتم على سوريا أن تستوعب قوات المقاومة الفلسطينية الموجودة في
كلا المنطقتين.
وإذا كانت التقديرات تقول إن عدد الفدائيين في البقاع هو عشرة
آلاف فإن نصف هذا العدد موجود في الشمال بالإضافة إلى العناصر المسلحة الأخرى
كالإيرانيين وغيرهم، ومعنى هذا أن سوريا ستكون مضطرة لاستيعاب ما يناهز العشرين
ألف مسلح لا يحملون للنظام السوري أي ولاء أو مودة، وهذه مشكلة يصعب على الحكم
القائم في دمشق حلها، خاصة بعد أن فشل الانشقاق في تدمير بنية منظمة التحرير
الفلسطينية، والمخرج الوحيد من هذا المأزق هو بقيام معركة محدودة يجري خلالها
توجيه ضربة أخيرة إلى ما تبقى لمنظمة التحرير من قدرة عسكرية محصورة في سهل
البقاع، بعدها يمكن التعامل مع المنظمة بشكل يضمن لسوريا سيطرة أكبر على قرارها
وقدرتها.
المصلحة الثالثة التي تتحقق لسوريا هي أنها ستدخل المفاوضات بعد
قيام المواجهة بين بابها الواسع، فهي قد خاضت حربًا مع إسرائيل وخسرت جزءًا آخر من
قدرتها العسكرية دفاعًا عن لبنان والمقاومة الفلسطينية..
وإذا تذكرنا الشعارات التي كان يطرحها السادات تمهيدًا للوصول
إلى كامب ديفيد، من مثل أن مصر قد حاربت من أجل العرب والفلسطينيين، وأن من حقها
أن تتمتع بالسلام والرخاء، أدركنا أن سوريا قادرة وبجدارة على أن تطرح نفس
الشعارات إذا ما خاضت معركة جديدة محدودة ومحسوبة في البقاع.
- خيار إسرائيلي
أما بالنسبة لإسرائيل فإن توجيه الضربة القاضية إلى قوات منظمة
التحرير الفلسطينية في البقاع هي أملها الكبير الذي فاتها تحقيقه في بيروت وذلك لن
يكلفها غاليًا هذه المرة، لأنها لن تتورط في حرب دبابات أو حرب شوارع إنما هو
التفوق الجوي الإسرائيلي على الطيران السوري، وخلو سهل البقاع من دفاعات تستطيع
التصدي للسيطرة الإسرائيلية الجوية، وامتناع صواريخ سام (٥) التي يديرها فنيون
سوفيات عن أي إسهام في المعركة، إما لأن إسرائيل تملك إمكانية تعطيلها وإما لأن
الموقف يستدعي حماية الأراضي السورية من ضربة انتقامية.. وبهذا تضمن إسرائيل ضرب
القوات المرابطة في البقاع سورية وفلسطينية، وتضمن بهذا إبعاد أي خطر محتمل مسافة
أخرى من الأراضي التي تحتلها في فلسطين.
بهذا تكون المواقف كلها منسجمة، والنتائج مضمونة.. والإجماع
العربي القائم الآن كفيل بعد ذلك بأن يعقد مؤتمرًا للقمة تدعى إليه مصر ولبنان..
ويتوسع الكامب ليكون كامب العرب
وأخيرًا..
ونعود إلى لبنان، عندها سيرتاح اللبنانيون وسيريحون العالم، لأن
لبنان يكون قد أدى دوره بجدارة لتصفية القضية الفلسطينية كحقل تجربة واختبار لكل
القوى العربية وعندها ستبسط الدولة اللبنانية سيطرتها الطائفية على كل الأراضي
اللبنانية، تحت المظلة الإسرائيلية التي لن ينفرد لبنان وحده بالوقوف تحتها..
تلك قراءة لخريطة الأحداث في المنطقة تعتمد الحدس السياسي
والترجيح، وتبقى قابلة للتعديل في حالات ضيقة محددة، يتحكم فيها الطرف الأقوى الذي
هو إسرائيل فقد يصل العرب عبر تفاهمهم الجديد إلى حل لمشكل التمثيل الفلسطيني وقد
ترفض إسرائيل مبدأ التفاهم على حرب محدودة معتمدة على قدرتها العسكرية على البقاء
حيث هي بالقوة.. كل ذلك وارد ومؤهل لأن يقلب كل المعادلات ويعيد خلط الأوراق..
ولكن ذلك قليلًا ما يحدث، لاسيما ضمن المعطيات الحالية للقضية الفلسطينية، والقضية
اللبنانية على السواء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل