العنوان المُدَرِّسون والطلبَة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1975
مشاهدات 92
نشر في العدد 241
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 18-مارس-1975
قرأت مقال الأستاذ سليمان محمد في مجلة «المجتمع» العدد «٢٤٠» بعنوان « »
وليأذن لي الأستاذ بالتعقيب على مقالته هذه حول احترام الطلبة للمدرس وإدراكهم مدى عظيم رسالته.
وفي الحقيقة أن مهنة التدريس مهنة جليلة، صانعة للرجال ومربية للأجيال والمهمة الملقاة على عاتق المدرس مهمة عظيمة، وهناك أمر لا مجال للمناقشة فيه وهو أن المدرس يجد من التعب والعنت والمشقة مالا يجده غيره سوى الداعية إلى الله عز وجل، فالمدرس يعيش في جو التدريس بأعصابه وفي اليوم الواحد يواجه الكثير من المواقف التي تستفزه علاوة على الجهد المبذول بالتدريس، وما يواجهه أيضًا من مستويات متباينة في الفهم علاوة على شقاوة بعض الطلاب إلى غير ذلك من الكثير من المشاق التي تجابهه. ومن هنا كانت الدعوة لاحترام المدرس وتقدير مدى الجهد الذي يبذله، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، فحق على الطلبة أن يؤدوا شكر مدرسيهم الذين بذلوا الجهد في تعليمهم وأن يحسنوا العهد بهم كيف لا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول «إن حسن العهد من الإيمان». وللأسف نرى في الوقت الحاضر ندرة من الأوفياء، نعم.. مشكلة ندرة وفاء، فالكثير من الطلبة لا يعترفون بحق مدرسيهم عليهم، بل لا يفون بما عليهم من واجب ويبذلون الجهد في إيذاء المدرس وإهانته محققين قول الشاعر:
فوا عجبًا لمن ربيت طفلًا
ألقمه بأطراف البنان.
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وكمْ علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
فهذا الواقع السيئ الذي نحياه من عدم احترام الطلبة للمدرس، بل واحتقاره واحتقار مهنة التدريس إلا من رحم فهم يتمنون الشر للمدرس، بل ويفرحون إذا وقع في مشكلة أو إذا أخطأ، وكثيرًا ما تكون شخصية المدرس موقع تندر بينهم.
وبين آونة وأخرى تسمع أن طالبًا فصل بسبب ضربه لمدرسه أو تسمع طالبًا يتحدث بفخر كيف أنه تشاجر مع مدرسه أو أدخل الرعب في قلبه، إلى غير ذلك من الحوادث التي تقع ويندى الجبين لدى ذكرها.
وهذه الظاهرة الشاذة تحتاج إلى دراسة عميقة من قبل التربويين ومعرفة لأسبابها ووضع الحلول الممكنة لعلاجها وإن استمرت فهي نذير خطر يهدد المستوى التعليمي في هذا البلد فإن الطلاب إذا بدأت شخصية المدرس التي يتلقون منها العلم تهتز سوف لا يثقون بالمعلومات التي يعطيها إياهم ولهذا تأثيره على المستوى العلمي لديهم.
ومحاولة مني في الإسهام في حل هذه المشكلة أعرض بعض جوانب أسبابها وكيفية العلاج وقد يكون فيما أقول الكثير من الخطأ، ولكن يكفيها أنها محاولة لعل الباب ينفتح أمام المتخصصين ممن هم أقدر على فهم جوانب هذه المشكلة خصوصًا ممن يعايشون هذه المشكلة.
في رأيي أن هناك ثلاثة أطراف لها آثارها في وجود هذه المشكلة أولها والذي أعتبره أهمها هو المدرس، فنرى الكثير من المدرسين وللأسف يتخذون مهنة التدريس مهنة تكسب وجمع مال فقط، وهذا مما يحز في النفس وعملهم هذا له آثاره في طريقة تدريسهم وفي الأسلوب التربوي الذي يتبعونه، ولا أنكر أن هناك الكثير من المدرسين ممن اتخذوا مهنة التدريس كمهنة شريفة وعمل جليل يخدمون به وطنهم، فتراهم قد نجحوا في مهنتهم كل النجاح.
ولكن السؤال ما هو أثر اتخاذ بعض المدرسين مهنة التدريس كمهنة تكسب؟ نجد جواب هذا السؤال في كلامهم وفي أسلوبهم فهم سرعان ما يتضايقون من التدريس وإذا تعب أحدهم قام بصب جام غضبه على الطلبة مما يجعلهم يتذمرون منه وتتغير نظرتهم إليه من نظرة الإجلال والاحترام إلى الكره والبغض. وإنه ليس بالأمر الهين أن تتغير نظرة التلاميذ نحو مدرسهم بهذه الصورة سبب آخر كان له الأثر الكبير في وجود صورة عدم التلاؤم بين المدرس والتلميذ وهو الأسلوب الذي يتبعه المدرس في العقاب خصوصًا في المراحل الابتدائية والمتوسطة، أسلوب خاطئ جدًا يبذر في قلب الطالب الحقد على المدرس حيث يتفجر هذا الحقد في المرحلة الثانوية التي لا يسمح فيها العقاب. وطالما شاهدت بعيني وسمعت عن صور من العقاب تنفطر لها القلوب كأن الذين يضربون ليسوا بشرًا، بل إن الحيوانات لا تضرب كما يضرب الطلاب، فهؤلاء المحسوبون على مهنة التدريس هم الذين شوهوا صورتها في أذهان التلاميذ، وأنا بذلك لا أعترض على أسلوب العقاب كأسلوب تربوي، إنما اعترض على سوء التطبيق، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أقر هذا الأسلوب في تأديب الأطفال إذا بلغوا سنًا معينة ولم يصلوا، وكما أقر -صلى الله عليه وسلم- هذا الأسلوب نهي أن نضرب الضرب المبرح وأمر بأن نتجنب الوجه والأماكن الحساسة وأن يكون الضرب للتأديب لا لإلحاق الأضرار الجسمية بالمضروب أو إهانته كضربه على الوجه.
وإني أتعرض لمثل هذه الأمور على عجالة وهي تحتاج بحثًا أوسع وإنما كما قلت لعلي بهذا افتح المجال أمام المتخصصين ممن هم أكثر مني خبرة وأكثر مني التصاقًا بالموضوع.
أمر آخر يجعل من المدرس سببًا في المشكلة وهو نفاق كثير من المدرسين للمفتش أو الناظر، فترى المدرس مهمل لفصله غير مهتم بكراسات التلاميذ مهمل في أسلوب تدريسه، فإذا علم أن المفتش سوف يأتي، يهرول إلى الفصل ويطلب من التلاميذ أن يحرصوا على أداء الواجب وتحضير الدرس لأن المفتش سوف يأتي، وحين يأتي المفتش يكون أسلوبه قد تغير والابتسامة لا تكاد تفارق شفتيه، إلى غير ذلك من الصور الهزيلة التي لا يتصور المرء أن تكون في شخصية المدرس الذي يربأ بمهنته أن تصل إلى هذا المستوى من التدني، ولا داعي لذكر الحوادث والوقائع فهذا أمر معروف، بل إنه موقع تندر بين الطلاب وأثره السيئ الذي يحدثه بالغ فإن شخصية المدرس تسقط في عين الطلبة، فكيف يتصورون مدرسهم منافقًا!
وهناك أمور كثيرة لولاها لكانت العلاقة بين الطالب والمدرس أسمى مما هي عليه، والأمر ليس بالخيال، فالكثير من الطلبة ما زالوا يكنون لمدرسيهم الحب والتقدير وما زالوا يتأثرون بمدرسيهم الذين أخلصوا لمهنتهم وكانوا خير من يمثلها. فعلاقة الصداقة والإخوة والحب بين المدرس وتلميذه هي التي يجب أن تسود وهي التي يجب أن يسعى لها المدرس، فبقدر حرص المدرس على ذلك بقدر ما يجني الثمرة.
نأتي للطرف الآخر في المشكلة وهو الطالب ولا نريد أن نتناوله بمفرده، بل نتناوله مع الطرف الثالث وهو البيت، فهناك كثير من الطلبة الأشقياء الذين لم يتعودوا أن يحترموا الآخرين وما ذلك إلا للتربية التي يتلقونها في البيت، بل وفي بعض الأحيان بتشجيع من الوالدين، فكثير من الطلبة يتلذذون في إيذاء المدرس فمنهم من يصلح معه العقاب ومنهم من لا فائدة فيه فهو ثمرة فاسدة لا رجاء في صلاحها أو الاستفادة منها، كذلك هناك ناحية يغرسها المجتمع في الطلبة وهي العنصرية، أي أنهم كويتيون والمدرس أجنبي فتكون النظرة إليه نظرة احتقار. فيجب أن تكون هناك توعية للآباء وكذلك للطلاب حتى يتعلموا من حين ينشأون في احترام مدرسيهم وتوقيرهم ومن شب على شيء شاب عليه.
وأكرر وأقول إن الأساس هو المدرس؛ فبشخصيته يستطيع أن يكسب قلوب الطلبة وأن يحولهم من شقاوتهم أو نظرتهم الخاطئة إلى أخوة أحباء وطلبة مؤدبين متخلقين بالأخلاق الحسنة.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل