العنوان الأمن الغذائي والإمكانيات المهدورة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 929
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 22-أغسطس-1989
* الدول العربية تتمتع بإمكانيات وموارد هائلة غير أن الاستخدام البدائي والمتدني أهدر تلك الإمكانيات.
برزت المشكلة الغذائية في الوطن العربي في
مطلع الستينيات وما إن أوشك ذلك العقد على الانقضاء حتى اتسعت الفجوة بين العرض
والطلب وتضخمت «فاتورة» استيراد المواد الغذائية بصورة مزعجة... ففي عام 1971 بلغت
قيمة المستوردات من السلع الغذائية 2,2 مليار دولار تقريبًا في الوقت الذي بلغت
فيه قيمة الصادرات 1,6 مليار دولار أي أن نسبة العجز لم تتجاوز 56 مليون دولار
مقارنة مع 25,7 مليار دولار قيمة المستوردات الغذائية في عام 1981.
وبالطبع هناك عدة أسباب ساعدت على إخراج
الأزمة الغذائية على هذا النحو غير أن مشكلة توفير الغذاء في العالم اليوم لم تعد
قضية اقتصادية أو هما محليًا بين الأنظمة والجماهير وإنما عرضًا سياسيًا تمارس من
خلاله أدوار الاستقطاب لصالح الدول الكبرى... والتي قد تستخدم أساليب متعددة
ومتنوعة لخلق القناعات لدى القطاع الإداري والنظام الحاكم من أجل تمرير سياسة الهيمنة
عن طريق الحاجة للغذاء.
* الأمن الغذائي:
إن إشكالية تأمين الغذاء في الوطن العربي
نتاج طبيعي في المقام الأول للاستخدام المتدني للإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها
كثير من الدول العربية بالإضافة إلى أن التخطيط لاستيعاب المتغيرات المجتمعية كان
غائبًا في أكثر الأحيان وإن وجد فهو في الأغلب ساذج ومحدود ولهذا فإن نمو المدن في
العالم العربي وتصاعد الهجرة من الأرياف إلى مراكز التجمعات الوظيفية والمدن
الكبرى قام بدور تفريغي ملموس أدى بدوره إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بصفة عامة
والإنتاج الغذائي بصفة خاصة... وهنا تدخلت عوامل خارجية لصياغة أطر علاجية للخروج
من دوامة الأزمة الغذائية فكانت تدخلات المؤسسات الأولية وعلى رأسها صندوق النقد
الدولي... وهي تدخلات خرجت في إطار النصائح والإرشادات «الأخوية» إلى دائرة
الوصايا و«الأوامر» الإلزامية... وذلك بعد أن تورطت أغلبية الدول العربية في شراك
الديون الدولية... فالصندوق الدولي مثلًا «نصح» جمهورية السودان بعدم زراعة القمح
والتوسع فيه معللًا ذلك بأن القمح يمكن توفيره بأسعار زهيدة ولذا ينبغي للسودان
الدولة المدينة أن تركز جهودها الزراعية في توسيع الرقعة المزرعة قطنًا باعتبار
القطن سلعة نقدية مما يساعد في توفير عملات أجنبية تساهم هي بدورها في تسديد
الديون الخارجية وما «أملاه» الصندوق من وصفات اقتصادية على السودان ردده لكل من
مصر والمغرب والجزائر والأردن مما ساعد في تأزيم الوضع الغذائي في هذه الدول كما
أن إنتاج السلع النقدية لم يؤثر على تنامي الديون الخارجية ومضاعفة الفوائد
الربوية... فضلًا عن أن جملة الوصايا التي يقدمها صندوق النقد الدولي إلى الدول
المدينة تتضمن سياسة تحطيم الإنتاج الزراعي إذ أن أهم بنود الوصفة تتلخص في الآتي:
1- إطلاق أسعار السلع الزراعية وفقا لتحديد العرض والطلب وعدم التدخل من
قبل الدولة بشراء السلع الزراعية حتى لا يؤثر ذلك على تفاضل الإنتاج. كما أن تصدير
السلع الزراعية يجب أن يكون بيد القطاع الخاص مما يجعل الأمن الغذائي عرضة
لموازنات التجارة المحلية والدولية وعليه تنعدم كل أسباب التشجيع في الإنتاج
الزراعي.
2- تقليل وإلغاء الدعم الحكومي للسلع الغذائية مما يجعل السلع الغذائية
مكشوفة أمام قانون العرض والطلب وهذا يؤدي بدوره إلى عدم الانتظام في الإنتاج
الغذائي لدى الفلاحين.
3- إلغاء توجيه الدولة إلى الإنتاج الزراعي بصفة عمومية وتقليل تدخل
القطاع البنكي في المشاريع الزراعية وزيادة القروض لها كما أن على الدولة أن تنحي
القطاع العام عن ملكية المشاريع الزراعية.
وبذلك تتضح سياسة الإضعاف الزراعي التي
ينتهجها صندوق النقد الدولي لصالح الاحتكارات الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات
المتحدة الأمريكية. مع العلم بأن الدول الكبرى تعلم خطورة الورقة الغذائية ولذلك
فهي حريصة كل الحرص أن تبقى ضمن خصوصياتها الاحتكارية وتأبى بشكل نهائي أن يتصعد
البعض ليخرج بذلك عن هيمنتها السياسية والاقتصادية... ونظرًا لتلك الأهمية فإن
الدول الصناعية الكبرى هي نفسها الدول الأولى في إنتاج المواد الغذائية وقد ساعدها
العامل الصناعي المتقدم في تطوير وتكييف الإنتاج الزراعي ولهذا فليس غريبًا أن نجد
دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة هي دول الفائض الغذائي بصفة دائمة فهولندا
مثلًا والتي لا تتجاوز مساحتها مساحة مشروع الجزيرة في السودان تنتج من المواد
الغذائية ما يساوي إنتاج الدول العربية مجتمعة أو أكثر، أليست مفارقة غريبة...
والولايات المتحدة رائدة الاحتكار التجاري الدولي تستخدم فائضها من القمح في
الهيمنة على السياسة الدولية فهو وسيلة الضغط الكبرى على الاتحاد السوفياتي حين
تراوده أحلامه بالتمدد غربًا أو جنوبًا والقمح الأمريكي هو الشبكة الواقية التي
غطت بها الولايات المتحدة الجيش اليهودي المتسلل من ثغرة الدفرسوار في حرب 1973.
ولهذا فإن الأمريكان لا يريدون لمصر أو السودان أن تتجه لزراعة القمح ويؤكدون
للسبب ذاته على أهمية القطن «طويل التيلة» في العائد النقدي.
* إمكانيات مهدورة:
وفقًا لمؤشرات الاستقراء الرقمي يتضح أن
العالم العربي يتمتع بإمكانيات هائلة تؤهله لأداء دور أكبر من مجرد الاكتفاء
الذاتي في مجال الغذاء خاصة فيما يتصل بالمحاصيل التي يتلاءم إنتاجها بالطقس في
البلدان العربية كسكر القصب والحبوب الزيتية والثروة الحيوانية. وأما فيما يتعلق
بالمرتكزات التأهيلية لإمكانيات الإنتاج فإن العالم العربي يمتلك الآتي:
1- إن المساحة الصالحة للزراعة في العالم العربي تبلغ تقريبًا 500 مليون
فدان مربع «200 مليون هكتار مربع» المستغل منها لا يتجاوز 125 مليون فدان مربع
ويعتمد 80% منها على ري الأمطار كما أن درجة التكليف الزراعي لها ينخفض إلى معدل
50% فقط وهو معدل منخفض جدًا وفقًا للمقاييس الفنية العالمية.
2- يمتلك الوطن العربي موارد مائية تصل إلى 240 مليار متر مكعب يستغل
منها فقط 160 مليار متر مكعب أي أن المهدور من الماء يوازي كل ما يتدفق به النيل
من مياه 80 مليار متر مكعب.
3- وفي مجال الثروة الحيوانية يصل تعداد ما يملك العالم العربي منها أكثر
من 3,600 مليون رأس من الماشية والماعز والأغنام والإبل. تتم الاستفادة منها بطرق
بدائية كما أنها لا تجد العناية الكافية في توفير المتطلبات الصحية والمراعي
الحديثة والتركيز الإنتاجي مما يجعل 40% من إمكانية تنميتها تذهب هدرا. هذا
بالإضافة إلى أن شواطئ العالم العربي وأنهاره يمكن أن توفر من 8- 10 ملايين طن
سنويًا من الأسماك، علمًا بأن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 2 مليون طن سنويًا، ودولة
نامية مثل تشيلي تنتج سنويًا ما يفوق 4,5 مليون طن.
4- وفي مجال السكان يقدر تعداد سكان الوطن العربي 180 مليون نسمة يشتغل
نحو 20 مليونًا منهم بالزراعة يمثلون 45% من قوة العمل هذا بالإضافة للكوادر
والطاقات الفنية والموارد المالية التي يمكن أن تشكل عنصرًا فاعلًا في استغلال
أمثل للموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي.
* في المستقبل:
إن إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال
الإنتاج الزراعي والحيواني متوفرة للوطن العربي بشكل جيد وقد أمكن في السنوات
الأخيرة إن أحدثت المملكة العربية السعودية قفزة هائلة في مجال الإنتاج الغذائي
حيث حققت الاكتفاء الذاتي بمعدل 560% أي بنسبة فائض 460% وهو إنجاز هائل يعود
للاهتمام الكبير الذي أولته الحكومة السعودية لقطاع الإنتاج الزراعي بتركيز
الخبرات الزراعية والإنفاق المالي المرتفع مما حقق تلك النتائج... وأما السبيل إلى
وصول الدول العربية إلى الاكتفاء الذاتي فيكمن في طرق الاستخدام للموارد الطبيعية
خاصة لدى الدول غير النفطية فبقدر الأهمية القائمة على التوسع الأفقي نجد ضرورة
قائمة أيضًا من أجل التركيز الزراعي وترشيد سبل الإنتاج الرأسي سيما للدول ذات
المساحات الضيقة مثل الأردن ومصر ويمكن أن يتطور الإنتاج الزراعي بصورة مذهلة إذا
ما تواصلت الجهود العربية المشتركة من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي ويتطلب السعي
لتحقيق ذلك إدارات تخطيطية وتنفيذية على قدر كبير من الوعي واستشراق المستقبل
فالإنتاج ليس فقط قضية وفرة مالية وإنما هو كذلك نطاق لسياسة اقتصادية وإدارية
«عنصر الإنسان» ناضجة، فالأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي مشكلتان للوجود الحضاري
والاقتصادي وكلما تأخرت إمكانية تجاوز الفجوة الغذائية كلما اتسعت تلك الفجوة
وتضخمت التزاماتها التابعة وهو ما ينذر بعدم النجاح في القطاعات الاقتصادية الأخرى.