العنوان حقوق المسلمين الضائعة بين «الراعي الأمريكي» و«الراعي الأوروبي»!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 56
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
حينما وقَّع الرئيس المصري أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد للصلح مع إسرائيل في عام ۱۹۷۹م، كان هدفه الرئيسي هو إرضاء صديقه كارتر، وإنقاذه من السقوط في الانتخابات الأمريكية، وذلك حسبما ورد في مذكرات وزير الخارجية المصري الأسبق محمد إبراهيم كامل، الذي قدم استقالته للسادات في ذلك الوقت؛ احتجاجًا على اتفاقية كامب ديفيد، التي كانت أول حلقة من حلقات التنازل عن السيادة العربية للعنجهية الصهيونية برعاية أمريكية، ولم يتخل ما يُسمى بالراعي الأمريكي منذ ذلك الوقت عن تقديم كافة التسهيلات وممارسة كافة الضغوط على العرب لصالح إسرائيل، وبعد كامب ديفيد دخل العرب في مسيرة تنازلات كبيرة وصلت إلى حد التنازل عن دولة كاملة هي فلسطين، التي تحوي المسجد الأقصى - أولى القبلتين وثالث الحرمين - ومن خلال متابعتنا لمسيرة ما يسمى بالمفاوضات بين الأطراف العربية وإسرائيل، تلك المفاوضات التي بدأت في أعقاب مؤتمر مدريد، الذي عُقد في عام ١٩٩١م نجد أن هناك سيناريو موحدًا لمعظم هذه المفاوضات يتمثل في طرف عربي وطرف إسرائيلي، علاوة على ما يُسمى بالراعي الأمريكي؛ حيث يذهب الطرف الإسرائيلي إلى جلسات المفاوضات، محددًا كل شيء ابتداء من جدول الأعمال ومحاور النقاش، وما يُطرح وما لا يُطرح، وانتهاء بإعلان نتائج المباحثات، يساعده في ذلك ما يُسمى بالراعي الأمريكي.
أما الطرف العربي فإنه لا يحمل سوى الرفض والاستبسال في الرفض حتى النهاية، ثم الإعلان فجأة عن أن هناك انفراجًا كبيرًا في المباحثات؛ ليكتشف الجميع في النهاية أن الانفراج الذي حدث لم يكن سوى خضوع الطرف العربي بالكامل للابتزاز والعنجهية الإسرائيلية، والاستسلام للضغوط الأمريكية، هذا السيناريو الذي يتكرر منذ سنوات تكرر بنفسه في الأسبوع الماضي في طابا في المفاوضات التي جرت بين الإسرائيليين وممثلي السلطة الفلسطينية حول مدينة الخليل؛ حيث وصل الأمر إلى أن أعلن الوسيط الأمريكي اليهودي دينيس روس أن الأمور قد وصلت إلى طريق مسدود، وأنه سيغادر عائدًا إلى الولايات المتحدة، لكن فجأة حدث ما يحدث دائمًا من مقولة ادعاء حدوث انفراج في الموقف وبقاء للوسيط الأمريكي.
إن هذا التلاعب بمصير مقدسات المسلمين وحقوقهم من قِبَل أُناس لا همَ لهم إلا مصالحهم إنما يمثل انتكاسة خطيرة في واقع الأمة المسلمة، وخيبة أمل فيمن يمثلونها للحديث باسم حقوقها، ولا ندري من يخدع هؤلاء؟، وإذا كان بعض العملاء السفهاء يسايرونهم في مسيرة الاستسلام والذل، وخيانة أمانة المقدسات والأرض السليبة، التي يسيرون فيها، فهل معنى ذلك أن الغالبية العظمى من أبناء الأمة يمكن أن ينطلي عليهم هذا الخداع؟، وهل معنى ذلك أن التاريخ لا يسجل هذه المهانة؟.
وحتى يواصل هؤلاء مسيرة الخداع لأنفسهم وشعوبهم، ومسيرة الفشل مع اليهود، اتجهوا لاستجداء أوروبا؛ لكي تتدخل ويصبح لها دور يتوازن مع دور الراعي الأمريكي المنحاز دائما لإسرائيل، متناسين أن إسرائيل إنما هي صنيعة غربية، وأن أوروبا قد لعبت دورا في تأسيسها ورعايتها لا يقل عن الدور الأمريكي.
إن الذين يركنون إلى ما يسمَّى بالراعي الأمريكي تارة وإلى الراعي الأوروبي تارة أخرى إنما يركنون إلى الخيبة والخسران التي هي امتداد للطريق الذي ساروا فيه من البداية، فمعطيات الواقع وممارسات أعداء الأمة على مدار تاريخها تؤكد ان مقدسات المسلمين وأرضهم السليبة لا تسترد باستجداء غير المسلمين، ولن تعود عبر موائد التنازلات، ومن ثم فإن التعويل على كلينتون أو شيراك، والمراهنة على تشدد نتنياهو أو ملاينته إنما هو طريق الخاسرين والضعفاء.
إن الحقائق ومعطيات الواقع تؤكد على أن الأمة المسلمة لن تسترد حقوقها من خلال الراعي الأمريكي او الراعي الأوروبي، وإنما من خلال إستراتيجية مستقلة تنتشلها من هذا الواقع الذي تعيش فيه بأن تعود إلى دين الله القويم ومنهجه الأصيل، تتعرف منه على أسباب ضعفها، وتستمد منه عوامل قوتها ووحدتها، ثم تنهض من كبوتها وغفوتها؛ لتسترد حقوقها ومقدساتها بنفس الطريقة التي استردها بها صلاح الدين من قبل.
إن الذي يملك القوة هو الذي يستطيع أن يفرض ما يريد، أما طريق الراعي الأمريكي أو الراعي الأوروبي، فهو طريق الهزائم والخسران، وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ ﴾ (البقرة: 109)، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ﴾ (البقرة: 120)
إن طريق الفوز واسترداد الحقوق والسيادة هو طريق واحد، وهو التمسك بالكتاب والسنة ونصرة دين الله، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون ﴾ (يوسف: 21)