العنوان لماذا لا يستطيع الإسلاميون العيش في بلادهم؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1429
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
سؤال يحمل التاريخ إجابته على مر الأيام، لماذا لم يستطع المصلحون الاستقرار في بلادهم، أو العيش في أوطانهم، أو الهناء في ديارهم رغم أنهم في شوق إليها، وعشق لها، وحدب عليها، ولله در شوقي حين قال:
وطَني لَو شغِلتُ بِالخلدِ عَنهُ *** نازَعَتني إِلَيهِ في الخلدِ نَفسي
شَهِدَ اللَهُ لَم يَغِب عَن جُفوني *** شَخصُهُ ساعَةً وَلَم يَخلُ حِسّي
أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَوحُ *** حَلالٌ لِلطَيرِ مِن كُلِّ جِنسِ؟
يا فُؤادي لِكُلِّ أَمرٍ قَرارٌ *** فيهِ يَبدو وَيَنجَلي بَعدَ لَبسِ
أيكون هذا لضيق في أفق البعض، أو الضلال في عقول الآخرين، أو لتسلط وفساد في سير الفراعنة والجاهلين ولهذا نرى اصيلًا بعد أن أخرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بواد وحولي ازخر وجليل؟
وهل أردن يومًا مياه مجنة؟ *** وهل يبدون لي شامة وطفيل
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا أصيل دع القلوب تقر»، وما خرج أصيل وإخوانه من مكة الذنب أو جريرة: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٤٠)، وما أخرج آل لوط من قراهم إلا لأنهم أبوا الفساد والظلم واقتراف المنكر ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل:٥٦)، وهو الحديث نفسه الذي سمعه الرسول صلى الله عليه وسلم من ورقة بن نوفل، إذ قال له: ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال له ﷺ «أو مخرجي هم؟» قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يأتيني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا والمفترض أن تفرح الشعوب ببنيها النابهين، وبرجالها الناهضين، فإذا لم تكن على فكرهم أو على منهجهم، فالديار تسع الجميع، والأوطان تحتضن هذا وذاك، وصدق القائل:
لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا *** ولكنَّ أَخلاقَ الرِّجالِ تَضيقُ
وفي القرن العشرين تبحث البلاد التي تسكن فيها أجناس عدة، ومذاهب شتى عن وسائل للعيش في رحاب وطن واحد، وأساليب للتفاعل في ديار واحدة، وحسب نظام يضمن الحقوق للجميع، والكرامة والعيش الهني للجميع، ومن بحث عن شيء وجده، ومن أراد شيئًا عثر عليه، خاصة إذا كان زمن الإخراج قد ولى، وأوقات الإرهاب والعسف قد ذهبت في الشعوب المتقدمة إلى غير رجعة، فعندما زار رئيس أساقفة كانتري الدكتور «جورج كاري» لبنان في الصيف الماضي، قال في ندوة نظمتها اللجنة الوطنية الإسلامية - المسيحية للحوار عقدت في دار الفتوى في بيروت إن الغرض من زيارته هو الوقوف عن كتب على التجربة اللبنانية في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.
هذا ويقدر عدد المسلمين في بريطانيا بحوالي مليونين ونصف ينحدرون من أصول هندية، وباكستانية وعربية وإيرانية وإفريقية، وتواجه دول أوروبية أخرى وضعًا مماثلًا، ففي فرنسا مثلًا يقدر عدد المسلمين بخمسة ملايين، وعن قريب يبلغ عشرة ملايين أما في المانيا فإن معظم المسلمين ينحدرون من اصول تركية، واستناداً إلى ما ذكرته مجلة نيويورك الأمريكية في عدد ٢٥ مايو ١٩٩٥م فإن عدد المسلمين يزيد على عدد اليهود والمسيحيين البروتستانت معًا في الدول الكاثوليكية فرنسا وإيطاليا، وبلجيكا، كما توجد جماعات إسلامية متنوعة الأصول والأعراق في الدول الإسكندنافية السويد والترويج، والدانمارك الأمر الذي لفت الغرب بصورة عامة لعقد المؤتمرات والندوات وإعداد الدراسات المختلفة حول الإسلام وأهله، وحول آفاق ومستقبل العلاقات بين الإسلام والغرب.
وفي هذا الإطار نظمت مؤسسة وليتن بارك التابعة لوزارة الخارجية البريطانية بالتعاون مع مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية مؤتمرًا في لندن بعنوان «الإسلام والغرب»، شارك في المؤتمر اختصاصيون من الدول الغربية والإسلامية.
واستهل المؤتمر وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني بيتر هين بمحاضرة لـ عنوانها: «الإسلام والغرب المصير المشترك في المصالح والقيم»، لاحظ فيها الوزير البريطاني أن مدينة لندن مثلًا أصبحت عالمية، لأنها تضم أكثر من ٢٥ جنسية وأن الإذاعة البريطانية تقدم برامجها الداخلية بخمس عشرة لغة، وأن بريطانيا أصبحت دولة متعددة الثقافات والأجناس والأديان، ثم أعرب الوزير البريطاني عن اعتقاده بأن ذلك يوفر لنا فرصًا لنتعلم من بعضنا البعض، متمنيًا أن تسود قيم الإسلام مثل مركزية الأسرة، وأهمية الثقافة الأخلاقية من أجل إقامة مجتمع صحي ومزدهر.
وأشار الوزير إلى أنه يفترض البعض أن يكون هناك نزاع وصراع للحضارات، ولكن علينا أن نشير إلى أن العلاقة القائمة بين الدول الإسلامية وبيننا، يجعلنا نوضح أنه إذا وجدت مشكلة في بلد إسلامي أو منطقة إسلامية، فإن ذلك لا يعني بشكل من الأشكال أنها بالضرورة مشكلة إسلامية.
أما عن المصالح المشتركة، فقد أبرزت الدراسات التي قدمت إلى المؤتمر أن قيمة استثمارات المسلمين العقارية في منطقة لندن بلغت في عام ۱۹۹۸م ما يعادل ٢٠٪ من السوق وأن في لندن ٣٦ مصرفًا عربيًا، إضافة إلى مائة مؤسسة مالية إسلامية، كما أن معظم الدول الإسلامية تودع مخزونها الذهبي في البنك البريطاني، وأن حجم اقتصاد الدول الـ54 التي تتألف منها منظمة المؤتمر الإسلامي يزيد على ٢٠٠ الف مليار، ويقدر حجم الودائع المالية التي تتحرك على أساس الشريعة الإسلامية بحوالي 10 مليار دولار، وتنمو بنسبة 15% سنويًا، وذلك يجعل السوق البريطاني يعمل على استقطاب هذه الودائع المالية.
وبعد هذا في الغرب الذي يحاول أن يستوعب المسلمين والإسلاميين.. في حين تطاردهم بلادهم وهي على دينهم وجنسهم، ولا تستطيع الاستفادة منهم. ولهذا انعدم الأمن والأمان، وتمزق الجسد المسلم، وطارت الأموال ووصلت إلى بلاد الغرب، وما هذا إلا أنها طوردت في بلادها، وأممت في ديارها، ونهبت في أوطانها، فحط الفقر، وعشش الخراب، وولت الكفاءات، أو سحقت، وما هذا إلا لأنهم يعملون لديارهم، ونحن نعمل لذواتنا وشهواتنا، وقد يكون الأمور أخرى، والله أعلم. نسأل الله السلامة.. آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل