العنوان الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري والبلشفي(935)
الكاتب شمس الدين عثمان طاش
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 935
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
الهجوم:
ولذلك قرر
مهاجمة أكبر البلدان وأغناها حسب قوله لأنهم كانوا يهاجمون جيرانهم المتعاونين مع
الروس وينهبون ممتلكاتهم، فأرسل يرملوف الجنرال سيسوييف مع جيش كبير لتطويق البلدة
التي اختارها وهي بلدة «دادي يورت» ومعناها بالشيشانية «بلدة الوالد»، أو «بلدة
الأب» لأن «بورت» معناها بلدة و«دادا» معناها أب أو والد.
وأمر يرملوف
قائده بأن يطوّق البلدة ويطلب من السكان إخلاءها والانسحاب من ذلك الموقع خلف نهر
السوندجا، وفي حالة الرفض - وطبعًا كان يتوقع ذلك - فليأخذ البلدة عنوة وأمره بقتل
كل من فيها.
وفي 15/9/1819
طوّقت القرية، ولما رفضوا إخلاءها هاجمتهم ست سرايا من فوج القبرطاي و700 قوزاقي
مع ستة مدافع. ويصف المؤرخ الإنجليزي هذه المذبحة قائلًا: "وبدأ قتال يائس
ودموي لم يمر على القوات الروسية مثيل له في القفقاس حتى ذلك الوقت، إذ كان كل بيت
محاطًا بسور عالٍ من الحجر أشبه بالقلعة وكان لابد من دكه بالمدافع ليتسنى
اقتحامه، ولذا كان الجنود يجرون المدافع من بيت إلى بيت تحت وابل من نيران البنادق
التي حصدت عددًا من المدفعيين ولكن كان يحل مكانهم مساعدوهم وحدث قتال لا مثيل له
بالحراب والخناجر القفقاسية، وحيث إنهم لم يكن باستطاعتهم أن يُخرجوا النساء
والأطفال من القرية حسب عادتهم فمنهم من أقدم على قتلهم حتى لا يقعوا بين يدي
الروس وكثير من النساء ألقين بأنفسهن وسط نيران البيوت المحترقة حتى لا يقعن
أسيرات وكثيرات هن اللواتي هاجمن الجنود وهن يحملن السكاكين لكي يُقتلن بيد العدو،
ولم يبق من الرجال على قيد الحياة سوى أربعة عشر رجلًا جرحى ومائة وأربعون من
النساء والأطفال معظمهم جرحى، ودمرت القرية تدميرًا تامًا".
وكان يرملوف
يأمل أن تدين بقية القرى بالولاء والخضوع له، ولكن ذلك الأمر لم يزدهم إلا كرهًا
للروس، وفضلوا الانسحاب إلى الغابات وتركوا قراهم العشر وعادوا إلى شيشانيا
الأصلية في الحال، ولكنهم انتقموا انتقامًا داميًا خلال الثلاثين سنة التالية.
وقد قام يرملوف
بمثل هذه الهجمات الوحشية على كافة الشعوب الأخرى، وقد كانت قسوته هذه تلاقي
اعتراضًا حتى من الروس أنفسهم كما وبخه القيصر إسكندر عليها لكونها تزيد من كراهية
تلك الشعوب للروس.
الثمن غالٍ:
هاتان الحادثتان
هما من الأحداث الرئيسية التي تمت المواجهة فيهما بين القائد الروسي والشيشان وكان
النصر فيهما إلى جانبه، ولكنه دفع ثمنًا غاليًا فيما بعد حيث أُزيح عن القيادة
وأُحيل على التقاعد وعُومل بمهانة وازدراء، وهكذا أفقده القفقاس كل ذلك البريق
واللمعان الذي كان يصدر عن صدره المليء بالنياشين والميداليات التي أحرزها في
الجبهات الأوروبية وهكذا انتهت الحياة العسكرية ولحق بأسلافه ممن تولوا هذه
القيادة قبله.
الحرب واجب ديني
كنا قلنا إنه في
عام 1785 قام الشيخ منصور الذي ولد في قرية «ألدي» الشيشانية بالدعوة إلى إعلان
الجهاد المقدس في سبيل الله ومحاربة الروس الكفرة لإعلاء كلمة الله والدفاع عن
الأرض والمال والولد، واستمر - رحمه الله - في مقاومة المستعمرين لمدة ست سنوات،
حيث وقع أسيرًا عام 1791.
ومنذ ذلك الوقت
استمرت الأحوال في القفقاس على الشكل الذي ذكرناه في الصفحات السابقة: قيصر يخلف
قيصرًا وقائد يُعزل وقائد يُعيّن، وتلك الجبال الشم لا تزال شامخة تتحدى تلك القوة
الغاشمة التي أذلت معظم الدول الأوروبية، وفرضت إرادتها على الأتراك والفرس وآسيا
الوسطى، وظلت المناوشات بين الجبليين وقوات القفقاس الروسية بين مد وجزر حتى عام
1829.
حرب المريدين
وفي هذا العام
تطور ذلك الكفاح الطويل وتحول إلى ما أُطلق عليه اسم «حرب المريدين»، أي مع
«مريد»، ولا بأس هنا أن نلقي بعض الضوء على ما يعني ذلك، فكلمة المريد كما هو
معروف لغويًا هو من يريد أمرًا ما، أما معناها الاصطلاحي، فيما نحن بصدده فهو ذلك
الإنسان المتصوف الذي اتبع طريقة صوفية وقَبِلَ أن يكون شيخ تلك الطريقة أستاذًا
له وقبول المريد يتم من خلال جلسة خلوية يعقدها مع أستاذ الطريقة ويتلو فيها
المريد الجديد عهد التوبة، ولقد وقعت بيدي صورة عن صيغة عهد التوبة التي كان أتباع
الطريقة النقشبندية يتلونها، وأرى أن أوردها أولًا بالصيغة الشيشانية المكتوبة
بالأحرف العربية واللغة الشيشانية ثم سأورد شرحًا لها بالعربية:
"أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على محمد
سيد المرسلين،
دال حانل دنهم، حانل دن لاز اس،
دال حارم دن هم
حارم دن دته أس، دال فرض دن هم
فرض دن لاز اس،
دال حانل دن هم حارم دنش سن
تسن دترن
مكبروس، حارم درك حاتل دنش سنه آيس
لبلورنه بكروس،
فرض درك فرض دازش سته، آبس
تسن دترن مكبرس،
سن بكح خئش ز خش كرسته
خل دش دل ولح س
دالي ورز اشهد أن لا إله إلا الله (ثلاثًا) أس توبه وونج وونخ دخكر والى سو طاف ز
ديرك خل س، دال دي الرك دن طثيز أس مدى الرلا دث أس، هر ثوبه ز دوخد دالز جاغوين
دال الجتز جاغوين، أستاذ ز اغوين سي دك سثري أس، استغفر الله (عشرًا)".
أما ترجمتها إلى
العربية فهي: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، كل ما أحله الله فقد
أحللته وتمسكت به، وكل ما حرمه الله حرمته وتركته وما فرضه الله التزمت به وتمسكت
به. وإنني أعترف أنني كنت أحرم ما أحل الله وآتيه، وأعترف أنني كنت أحل ما حرم
الله، وآتيه، وأنني إن كان قد جاء على لساني بقصد أو بغير قصد كلمة تقودني إلى
الكفر فإنني أعود إلى الله تعالى وأشهد أن لا إله إلا الله «ثلاثًا»، وإنني أتوب
إليه من الأعمال السيئة التي ارتكبتها، وإني نادم على ذلك وأعاهده ألا أعود إليها،
وإنني أعاهد أن أقوم بكل ما أمر الله، وأن أرتدع عن كل ما نهى عنه، كما أعاهد الله
ألا أخالف هذه التوبة كما أعاهد على ذلك رسوله، ثم أعاهد أستاذي وعلى ذلك استقر
قلبي أستغفر الله عشرًا".
وقد سمعت أن هذا
العهد وهذه التوبة كانا يتمان في جلسة خلوية بين أستاذ الطريقة والمريد، بأن يجلسا
كما في جلوس التشهد في الصلاة وركبهما متلاصقة، وبعدها يصبح مريدًا ينتظم في حلقات
الذكر ومجالس الأستاذ التي يعقدها لتفقيههم في الدين والحديث عن الحلال والحرام.
ومن المؤكد أن الطرق الصوفية دخلت إلى القفقاس عن طريق داغستان والتي يقال إنها
وصلت إلى هناك عن طريق الإيرانيين.
طريقتان:
ومن أشهر وأوسع
الطرق الصوفية بين الداغستانيين وجيرانهم الشيشان توجد طريقتان صوفيتان رئيسيتان،
وهما الطريقة النقشبندية والطريقة القادرية، وهاتان الطريقتان لا خلاف بينهما في
الأمور الدينية والعبادات والاختلاف بينهما في طريقة عقد حلقات الذكر، فأتباع
الطريقة النقشبندية يقيمون حلقات الذكر وهم جلوس، أما أتباع الطريقة القادرية
فيقومون بذلك وقوفًا مع تمايل إلى الجانبين يبدأ بسيطًا ثم يزداد تدريجيًا حتى
يصبح في بعض الأحيان قفزات بهلوانية. وهناك من يقول أن ذلك من نوع التمثيل، ولكنني
وبعد أن شاهدتهم شخصيًا أستبعد وبشدة أن يكون ذلك تمثيلًا لأنه من المستحيل أن
يستطيع إنسان بلغ السبعين، أو الثمانين عامًا من عمره أو أكثر من ذلك القيام بتلك
الحركات البهلوانية عندما يأخذهم الحال كما يقال، بينما تجد نفس الشخص لا يكاد
يستطيع القيام إلا بصعوبة بالغة حتى أثناء تأدية الصلاة. وهناك فرقة تؤدي حلقات
الذكر بقرع الطبول أيضًا وهناك من يحمل على هذه الفرق الصوفية، وخاصة أولئك الذين
يستعملون الطبول في حلقات الذكر، ويكاد بعضهم يقول إن هذا العمل، أي عقد حلقات
الذكر خروج على الإسلام مهما كانت الطريقة التي يتبعها هؤلاء وأعود فأقول إنني بعد
أن ناقشت العديد من أتباع الطريقتين وجدت أن الطرق الصوفية هي التي حافظت على
الدين الإسلامي في تلك المناطق، ولا جدال مطلقًا في أن هذه الطرق هي جذوة حروب
الجهاد ضد القياصرة والبلاشفة وحتى يومنا هذا ولا أنكر أن هناك بعض الغلاة من
المتشيعين لأئمة الطريقة التي يتبعونها حتى يكاد البعض منهم أن يضعهم في مصاف
الأنبياء والرسل ويقولون أنتم في البلاد المقدسة أرسل الله لكم أنبياء ورسلًا
لهدايتكم أما نحن فهيأ الله لنا هؤلاء الأئمة لهدايتنا إلى دين الله وهم بمثابة
الرسل بالنسبة لنا ولا ننكر رسالة أي نبي ولا رسول.
دور في المقاومة
الإسلامية:
لقد أحببت أن
أوضح هذه الأمور لأن هذه الطرق سيكون لها الدور الأول في أحداث المقاومة الإسلامية
وخاصة في منطقة القفقاس، وذلك بعد أن يتسلم زمام الأمور مشايخ وأئمة هذه الطرق كما
سنتحدث عنه في الصفحات التالية.
وقبل أن نعود
إلى الوضع العسكري الذي كان قائمًا بعد عام 1827، لابد من إيضاح لمدى عمق إيمان
واعتقاد «المريدين» بأئمة هذه الطرق الصوفية وما يُعزون إليهم من كرامات تكاد تشبه
المعجزات الأمر الذي يجعلهم يمتثلون لتعليماتهم بكل دقة فهم إن قيل لهم بأن
«الأستاذ» شيخ الطريقة قال كذا أو كذا فإنهم ينفذون الأوامر بدون أي نقاش وهذا
الإيمان وذلك الاعتقاد كانا السبب المباشر لصمود هؤلاء البطولي أمام تلك القوة
العاتية والغاشمة التي قلنا إنها استطاعت قهر وهزيمة كل الدول المجاورة لها من
أوروبية وآسيوية، وتمكنت من فرض المعاهدات عليها وأخرجتها كليًا من تلك المعركة.
وسأعود إلى
التحدث عن ارتباط هؤلاء «المريدين» بهؤلاء الأئمة مع بعض الحكايات الخارقة التي
تُروى عن كراماتهم.
الوضع العسكري
منذ عام 1827:
أما الآن فدعونا
نعود إلى الوضع العسكري منذ عام 1827 وحتى عام 1917.
قلنا إن قيصر
روسيا نقولا الأول قد أعفى الجنرال يرملوف من مهمة محاربة وإخضاع أولئك الجبليين،
وقبل استقالته في 29/3/1827 بعد أن أمضى في تلك الجبهة أحد عشر عامًا وخلفه على
تلك المهمة الأمير الجنرال «باسكييفتش»، الذي استطاع وخلال سنتين قهر وهزيمة
الدولتين المسلمتين «تركيا وإيران» وإخراجهما من النزاع القفقاسي الروسي بل
وجعلهما تتعهدان بمنع تقديم أية مساعدة لأولئك المجاهدين وبذلك يستطيع القائد
الجديد التفرغ لمهمته الأولى وهي إبادة هؤلاء الجبليين. وهنا شعر أصحاب الأرض
بخطورة الموقف وأنهم وحدهم الآن في مواجهة قوات البغي والاستبداد وليس أمامهم سوى
الاعتماد على الله وعلى أنفسهم فأخذوا يتأهبون للقتال والاستشهاد في سبيل الله،
وما أن صاح الإمام الجديد «الملا غازي» مناديًا: حي على الجهاد حتى كانت جبال
القفقاس تردد صدى ذلك النداء ويندفع الناس للحاق بكتائب الإيمان.
وقد بدأ الملا
غازي نشاطه في عام 1829 بنداء وجهه إلى الشعب الداغستاني لإعلان الجهاد فتجاوب معه
الزعماء الدينيون.
وعقدوا اجتماعًا
عامًا حيث اتفقوا على المناداة بغازي إمامًا وبدأ الجهاد بمهاجمة المواقع المحلية
في داغستان، والتي تتواجد فيها جماعات موالية للروس حيث حقق بعض الانتصارات كما
لحقت به بعض الهزائم في بعض المواقع، واستمر الحال كذلك حتى عام 1832 حيث ظهر
الغازي ملا شيشانيا في تلك السنة.
وكان الجنرال
روزين الذي كان قد عُين قائدًا عامًا للقوات الروسية قبل ذلك بسنة واحدة خلفًا
للجنرال باسكييفتش قد أعد هو الآخر خطة لغزو شيشانيا السفلى.
وكان الجنرال
فليا مينوف لا يزال مساعدًا للقائد العام في المنطقة. ولنترك للمدعو الجنرال
«تورنان» مرافق تلك الحملة مهمة وصف مجريات أحداث هذا الهجوم الروسي على المواقع
الشيشانية إذ يقول تورناو: "ويستحق الشيشان كخصوم كل تقدير واحترام، وفي وسط
غاباتهم وجبالهم لا تستطيع أية قوات أن تحتقرهم، فقد كانوا رماة مهرة، شجعان لأقصى
الحدود، أذكياء في الشؤون العسكرية، كما أنهم كبقية سكان القفقاس الآخرين سريعون
في استغلال الظروف المحلية، وينتهزون فرصة كل خطأ ارتكبناه، واستخدموه
بسرعة."
خطط ومناوشات:
ويستطرد الكاتب
ويقول: "وفي 6/أغسطس/1832 غادرنا نازران ثم عبرنا نهر السوندجا وبعد مرور يوم
وجدنا أنفسنا وقد اشتبكنا في قتال متواصل مع الشيشان وكانت خطتنا تدمير
المستوطنات، وإتلاف المحاصيل والإغارة على الماشية والأغنام".
ثم يقول:
"وفي اليوم 18/6/1832 أحرز الإمام غازي مولا آخر انتصاراته ضد الروس إذ نجح
في استدراج 500 جندي من القوزاق مسافة 22 كيلومترًا داخل الغابات ثم انقض عليهم من
جميع الجهات وألحق بهم هزيمة نكراء وقتل القائد الروسي وضابطًا آخر و104 رجال وجرح
آخرين". ويتابع «تورناو» قائلًا: "وفي 24/أغسطس/1832 قام البارون زورين
ومساعده فليا مينوف باقتحام قرية «غيرمني شوق»، وهي من أكبر قرى الشيشان وأغناها،
وحيث إنها تقع في أرض مستوية فإن الدفاع عنها كانت محاولة ميؤوسًا منها وخاصة أمام
جيش مزود بالمدفعية، ولكن الدفاع تم في أشد حالات البطولة البائسة ولاسيما من قبل
عصبة المريدين الصغيرة وعدد قليل من السكان ولكن تم أخيرًا احتلال كامل القرية
باستثناء ثلاثة بيوت احتمى بها جماعة من الشيشان يرافقهم بعض الداغستانيين من
المريدين، ولنستمع ثانية إلى الجنرال تورناو يسرد لنا القصة: "بعد أن فشلت
محاولات اقتحام هذه البيوت كما فشلت محاولات تفجيرها بالقنابل اليدوية التي أُلقيت
بداخلها، لأن الشيشان قاموا بتفريغها قبل اشتعالها.
بعد ذلك صدرت
الأوامر بحرق هذه البيوت، وعندما اشتعلت النيران حول تلك البيوت شرع الشيشان
ينشدون أنشودة الموت، وكانت أصواتهم في البدء عالية إلا أنها أخذت تخفت تدريجيًا
حسب تناقص عددهم تحت تأثير النار والدخان.
وفجأة فتح باب
أحد البيوت المحترقة، وعلى العتبة وقف إنسان وكان هناك وميض وصوت رصاصة مرت عن
آذاننا ثم أخذ الشيشاني يلوح بسيفه واندفع نحونا، وكان المترجم الفوزاني يلبس
درعًا فسمح لذلك الشخص المتهور أن يقترب مسافة عشر خطوات، ثم أطلق رصاصة على صدره
العاري فقفز الشيشاني عاليًا في الهواء ثم سقط أرضًا ونهض ثانية واقفًا على قدميه
ثم سقط قتيلًا على ترابه الوطني، وتكرر المشهد إذ اندفع شخص ثانٍ يلوح بسيفه وسقط
صريع الحراب، ثم احترقت البيوت عن بكرة أبيها ولم يستسلم منهم سوى ستة داغستانيين
ولم يُؤخذ أي شيشاني أسيرًا إذ أنهى 72 منهم حياتهم وسط اللهب إلى هنا والكلام
للجنرال تورنان".
وهنا لابد من
الإشارة إلى أن صديق طفولة غازي مولا وزميل دراسته وابن قريته «غمري» شامل كان قد
انضم إلى الإمام وأصبح جنديًا من جنود كتائب الجهاد، كما ظهر على ساحة الجهاد
حمزات بك مع مجموعة من المريدين الذي كان يهاجم القوات الروسية، ولكن بدون تنسيق
مع بقية المجاهدين.
فشل روسي:
أما قائد القوات
الروسية فبعد أن دمر بلدة «غير من شوق» الشيشانية تطلع إلى تمزيق المواقع التي
يتمرس خلفها المجاهدون، وكان يعتقد أن هجومًا محدودًا ربما يؤدي إلى انسحاب أولئك
المجاهدين الذين لا يزالون مشدوهين مما حل بهم في تلك البلدة - حسب اعتقاده -.
لذا أوكل المهمة
إلى قسم من الجيش الذي حاول قائده احتلال ذلك الموقع بهجوم مباشر، ولكن الهجوم فشل
ولاقى معظم أفراده مصيرهم فاندفعت أفواج أخرى لنجدتهم، ولكن كان مصيرها أسوأ من
مصير الآخرين إذ صُدّوا بخسائر فادحة والكلام هنا لا يزال لتورناو، وهنا أدرك قائد
الحملة فليا مينوف أن المجاهدين لم يفقدوا معنوياتهم، وأن الأمر ليس بتلك السهولة
التي قدرها ولذلك تولى قيادة الهجوم بنفسه بكامل قواته ومعداته ودارت معركة حامية
وقتال شرس بين مجموعة صغيرة من المجاهدين وجيش كامل يتولى قيادته عدد من جنرالات
الحرب الروس. وأخيرًا اضطر هؤلاء المجاهدين للتراجع تدريجيًا حتى وصلوا إلى قمة
تناءَوا، حيث لم يبق أمامهم سوى الموت أثناء العراك أو أن يلقوا بأنفسهم من ذلك
العلو على الصخور وقتل في تلك البقعة ستون من المجاهدين، أما الذين وقعوا في الأسر
من الجرحى وغيرهم فقد قُذف بهم الروس من فوق الصخور ومزّق معظمهم إربًا.
سبب الشراسة:
ويقول تورناو إن
سبب هذه الشراسة هو انتقام لأولئك القتلى من جنودهم، وكذلك مقتل قائد الفوج
بوغدانوفيتش الذي كانوا يكنون له حبًا عظيمًا. وفي صباح اليوم التالي لهذه المجزرة
رأى فليا مينوف بأن هناك بيتين يبدوان مهجورين وتذكر معركة البيوت الثلاثة، ولذلك
قرر مهاجمة هذين البيتين وتولى القيادة بنفسه مع سريتين من الهندسة مع بعض المفارز
الخاصة ومعه مدفعيته التي باشرت ضرب البيتين ثم اندفعت القوات بالهجوم، وإذا بهم
يُفاجأون بالمجاهدين يخرجون واحدًا واحدًا واثنين اثنين ويهاجمون تلك القوة
واستشهد الجميع وكان عددهم 60 مريدًا ولم يسلم منهم سوى اثنين كانا مصابين بجراح
بليغة. ويقول «تورناو»، "وكان أحدهما شامل الذي أفادته قوته البدنية الهائلة
ومهارته في ضرب السيف حيث تمكن بقفزة هائلة أن ينزل وراء عدد من الجنود واستدار
نحوهم بسرعة وبضربة سيف واحدة بيده اليسرى قتل ثلاثة منهم ولكن الرابع طعنه بحربة
اخترقت صدره إلا أنه ومن غير فزع أمسك بالحربة بيد وقتل صاحبها باليد الأخرى، ثم
نزع الحربة من صدره ودخل إلى الغابة المجاورة رغم أنه كان أيضًا مصابًا بكسر في
ضلعه وكتفه بسبب الحجارة وظل شامل طريح الفراش لبضعة أشهر وكان والد زوجته طبيبًا
مشهورًا فتولى علاجه إلى أن شفي."
استشهاد الإمام
غازي مولا:
جرت معركة
البيتين التي مر ذكرها يوم السابع عشر من أكتوبر عام 1832. وبعد انتهاء المعركة
على الصورة المذكورة، وبينما كان قادة الروس يتفقدون موقع المعركة لاحظوا منظرًا
عجيبًا لفت انتباههم وهو منظر الرجل الميت، وكان وهو راقد يتخذ وضع الصلاة عند
المسلمين وإحدى يديه تمسك بلحيته ويده الأخرى تشير إلى السماء. وعندما طُلب إلى
بعض الأسرى التعرف على الموتى أخذتهم الدهشة عندما تعرفوا على جثة إمامهم الغازي
مولا، أما الروس فكانت فرحتهم لا مثيل لها حيث عرضوا الجثة لبضعة أيام لإقناع
المريدين بأن إمامهم قد مات ثم نقلت الجثة إلى تاركو عاصمة الشمخال ودفنت هناك،
وفيما بعد أرسل شامل قوة من 200 فارس استخرجوا الجثة وأعادوها إلى غمري. وهكذا
لاقى هذا المجاهد خالقه على أيدي الجلادين الروس مدافعًا عن دينه وعقيدته ووطنه،
ولكن ذلك لم يضع حدًا لذلك الجهاد المقدس الذي أعلنته جبال القفقاس على أعداء الله
الذين ظنوا أن ذلك سيضع حدًا ونهاية لتلك الحرب الطويلة، ولكن خاب ظنهم فالجهاد
سيستمر والعاقبة للمتقين.