العنوان عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي جيم موران لـ «المجتمع» القرن القادم هو قرن الإسلام
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 112
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 05-مارس-1996
- القرار الذي اتخذه الكونجرس بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قرار جائر
- اتفاق دايتون ليس منصفًا للمسلمين ويكفي أنه حرمهم من نصف بلادهم.
- جيم موران إلى أقصى اليسار وإلى جواره المفكر جون أسبوزيتو في أحد المؤتمرات التي عقدها المسلمون في واشنطن
يعتبر الكونجرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ أحد مراكز صناعة القرار الرئيسية في الولايات المتحدة وأهمها، ولذلك سعت اللوبيات المختلفة لكي يكون لها وجودها ورجالها الذين يدعمون أهدافها وغاياتها داخل الكونجرس، ويمنعون أو يدفعون القوانين المختلفة التي تخدم هذا الطرف أو ذاك، وكان اللوبي اليهودي واحدًا من أهم اللوبيات التي استطاعت تأسيس وجود قوي داخل الكونجرس، علاوة على وجودها داخل الإدارة الأمريكية على وجه العموم، وجاء قرار الكونجرس في نهاية أكتوبر الماضي ١٩٩٥م ينقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بحلول عام ۱۹۹۹م ليؤكد المدى الذي وصل إليه النفوذ اليهودي داخل الكونجرس، ولم يجد هذا القرار معارضة إلا من عدد محدود من الأعضاء كان من بينهم العضو جيم موران أحد أبرز أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس، الذي دعم كذلك قضايا أخرى تهم المسلمين داخل مجلس النواب من أهمها رفع تصدير السلاح لمسلمي البوسنة، وكذلك المطالبة بحق الشعب الكشميري في تقرير مصيره، كما قام موران بزيارتين للعاصمة سراييفو، وقدّم شهادته أمام الكونجرس حول حرب الإبادة التي كانت تحدث هناك للمسلمين، ومع انحياز غالبية الأعضاء إلى جوار اللوبي اليهودي الذي يعمل بقوة لدعم «إسرائيل» والعمل ضد المصالح العربية والإسلامية، فإن مواقف موران مع نفر قليل من أعضاء الكونجرس تعد مواقف متميزة في وقت وصل فيه نفوذ اللوبي اليهودي داخل الإدارة الأمريكية مدى مقلقاً للأمريكيين أنفسهم، بل إن اليهود استطاعوا بأموالهم أن يؤثروا في إسقاط بعض النواب الذين يقفون أمام مطامعهم أو لا يوالون قضاياهم داخل الكونجرس خلال الدورات الانتخابية الماضية، ومع ذلك فإن جيم موران يعتبر القضية لديه قضية مبدأ وقناعات، وهذا مؤشر للمسلمين بأن الله يسخر لهم في كل مكان وكل حين من يتبنى قضاياهم ويدفع عنهم إن أخذوا بالأسباب، وسعوا في حاجاتهم ولم يتقاعسوا أو يستسلموا، لذلك سعينا للقاء السيد موران، الذي رحب بنا بدوره رغم الجلسات الساخنة والمستمرة التي كان يعقدها مجلس النواب لمناقشة الصراع على الميزانية بين الرئيس والكونجرس، مما أدى إلى تأجيل اللقاء أكثر من مرة بسبب استدعائه للتصويت من آن لآخر، وقد دفعه هذا الأمر أن يجعل اللقاء في استراحة النواب الملحقة بقاعة المجلس، ورغم أن السيد موران قد اعتذر في بداية اللقاء عن عدم قدرته البقاء معي أكثر من ١٥ دقيقة لارتباطه بالجلسة المنعقدة إلا أن اللقاء امتد بنا إلى أكثر من ساعة.. وكان هذا الحوار:
- جاء قرار الكونجرس الأمريكي مؤخرًا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بآثار سلبية على المسلمين في شتى أنحاء العالم، فما أسباب اتخاذ الكونجرس لهذا القرار.. وفي هذا الوقت بالذات؟
- أريد بداية أن أؤكد على أن مجرد تصويت الكونجرس على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس لا يكفي في حد ذاته كقرار لنقل تلك السفارة، ولم يكن من اللائق - في رأيي - أن يقوم الكونجرس باتخاذ مثل هذا القرار، ولهذا فقد صوَّت شخصيًا ضد هذا القرار، أما دوافع الكونجرس وراء التصويت لهذا القرار فهي تعود بالدرجة الأولى إلى أسباب سياسية ملحة تتلخص في إرضاء الجناح الأكثر تشددًا في أوساط الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، وقبيل التصويت على هذا القرار ألقيت خطابًا في قاعة المجلس، عارضت فيه هذا القرار بوضوح، وذكرت أن الولايات المتحدة قد وافقت على أن يكون هذا الأمر مدرجًا ضمن نقاط التفاوض بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وإن قيام الكونجرس باتخاذ مثل هذا القرار فإنه لا يضر بنزاهة هذه المفاوضات فحسب، ولكنه يحط أيضًا من مصداقية كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وخليفته شيمون بيريز، إن هذا القرار الذي اتخذه الكونجرس بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قرار جائر، ويؤسفني أن الكونجرس قد صوت على هذا القرار، ولكن الكونجرس ينتابه الضعف دائمًا أمام ضغوط الجماعات العرقية في أمريكا، وللأسف فإن معظم مجريات السياسة الخارجية الأمريكية لا تخضع لنفوذ هذه الجماعات فحسب، وإنما تخضع لتوجيهها المباشر.
- منذ عام ١٩٤٨م وربما قبله بسنوات والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تشهد انحيازًا واضحًا لإسرائيل، بل وتبنيًا كاملًا لها ضد مصالح الدول العربية، فما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية لخلق سياسة أمريكية متوازنة على الأقل تجاه علاقة أمريكا بالدول العربية بشكل عام؟
- إن سياستنا الخارجية مرتبطة إلى حد كبير بمصالحنا، وإن أفضل الطرق التي تستطيع الدول العربية من خلالها تحقيق ما أشرت إليه في سؤالك هو أن يكون هناك ترابط اقتصادي، وتفاعل اجتماعي، وحوار سياسي، وعلاقات سياسية وثيقة بين أمريكا والعالم العربي، وأعتقد أن ذلك سيفيدنا إلى حد ما، ويؤثر على طبيعة علاقتنا، كما أني أعتقد أيضًا أن اندماج العرب والمسلمين في المجتمع الأمريكي ومشاركتهم الفعالة في المجتمع من خلال القنوات المتاحة هو خير دليل على أنهم يمثلون جالية طيبة. وبوسعنا الاستفادة منها، حيث يتمتع كثير من أبنائها بالذكاء والنزاهة، وكثير من القدرات المميزة، وهذه النقطة في منتهى الأهمية، كما أن تنمية الحوار السياسي والاتصالات القائمة حاليًا على المستوى الدبلوماسي والتجاري،
وكذلك إفساح المجال لمن يرغب بالتعلم والاطلاع على الثقافات الأخرى أمور تلعب دورًا في إعادة صياغة هذه العلاقة، وأعتقد أننا نشهد حاليًا تطورًا متواصلًا على مستوى التفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على أسس سليمة، وأتمنى أن تزداد سرعة عجلة هذا التطور.
- كيف تستطيع الجالية العربية والمسلمة المقيمة في الولايات المتحدة أن تمارس دورًا يخدم مصالح الدول العربية والإسلامية، مثلما يمارس اليهود في أمريكا دورًا فاعلًا في خدمة إسرائيل والمصالح الإسرائيلية؟
- كثيرًا ما يقال إن سياستنا كأمريكيين محلية بحتة، وأعتقد أن الجهود المبذولة أثناء الانتخابات المحلية سواء داخل الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي يجب أن تسود، وقد تكون تلك الجهود فعالة إذا جاءت من قبل قيادات الحزبين، ولكنها ستكون أكثر فاعلية لو أنها بذلت من قبل الناس العاديين. فالمجتمع الأمريكي يضم خليطًا وعددًا كبيرًا من المهاجرين القادمين سواء من أوروبا أو الدول الإسلامية، وهؤلاء بحاجة إلى المشاركة في القرار السياسي، ويعتبر جيدًا أن يقوم بعض هؤلاء بإنشاء مؤسسات أو شركات أو يزاول أعمالًا تجارية كما هو الحال بالنسبة للمسلمين، ولكن ذلك لا يكفي، فهؤلاء يجب أن يسعوا للمشاركة في بقية الأنشطة المحلية والانخراط أيضًا في العمل السياسي، لأن هذا هو سر نجاح اليهود في أمريكا، فاليهود من الناحية الاقتصادية أصبحوا جزءا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي في الولايات المتحدة، وأصبحوا لا يتمتعون بنفوذ واسعفحسب، بل يتحكمون في جوانب كثيرة من نواحي الحياة في أمريكا، ولا أقصد هنا التحكم السلبي، فاليهود يتمتعون بالقدرات والعزيمة التي تجعلهم يحققون أهدافهم وهم لا ينسون أبدًا في كل تحركاتهم ولاءهم لإسرائيل وارتباطهم بها، ولذلك فأنا أعتقد أن النظام السياسي والاجتماعي وكذلك النظام الاقتصادي في الولايات المتحدة كان سيصبح مختلفًا وله توجهات أخرى لولا المشاركة اليهودية الكبيرة في صناعته والتأثير فيه.
ولذلك فإني أعتقد أنه ينبغي على الأمريكيين العرب والمسلمين أن يقوموا بنفس الدور، فهم يتمتعون بوجود قادة مميزين بينهم، ونسبة عددية لا بأس بها، لكنهم لا ينقصهم سوى المشاركة في العمل السياسي على نطاق أوسع، وهناك ناحية أخرى هامة تتعلق بنظام التعليم والتربية في الولايات المتحدة، فالأولاد الأمريكيون الذين يدرسون في المدارس الحكومية يحتاجون إلى أن يفهموا الإسلام والثقافة الإسلامية بشكل أفضل، كذلك فإنهم يجهلون جغرافية العالم الإسلامي، ولا يعلمون أین تقع بلدانه على خريطة العالم فضلًا عن جهلهم بثقافة الشعوب الإسلامية ودينها.
لقد كانت الولايات المتحدة من الناحية التقليدية دولة تدين بالديانة المسيحية، وفي الآونة الأخيرة يمكن القول من الناحية السياسية أننا أصبحنا دولة تدين بالديانتين المسيحية واليهودية، وينبغي من الآن أن نتحول إلى دولة تضم المسيحية واليهودية والإسلام. إن من واجب الشعب الأمريكي أن يدرك مدى أهمية تعميق معرفته بالثقافة الإسلامية على نحو أفضل، فالإسلام دين السلام والمسالمة دين يحث على الكد والاجتهاد، دين يحب النظام والالتزام، ويفيض بالحب والود واللطف، ومع ذلك فاليوم يبدو الإسلام في أعين الأمريكيين كأنه دین دخيل عليهم ودين غريب، ولكنهم لو توغلوا في أعماق هذا الجانب المجهول لديهم وسعوا للتعرف على الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي على حقيقته، فسوف يكتشفون أنه يزخر بأفكار ومفاهيم رائعة، وفصاحة بليغة وتوجيه ثقافي، غير أنه يجب علينا أن نسعى لمعرفة هذه الحقائق، وأن نعبر ذلك الجسر الممتد بيننا وبين الثقافة الإسلامية، وأنا متأكد من أننا لو فعلنا ذلك لجنينا منه فوائد كثيرة سوف تستفيد منها الأجيال القادمة.
فأنا أحض أولادي على التعمق في معرفة الإسلام، وأطلب منهم أن يتعرفوا على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم )، ذلك الزعيم الديني والأخلاقي الذي يعتبر أحد أعظم المخلوقين من البشر على وجه الأرض، بل يمكنني القول إنه أعظم إنسان عرفه التاريخ، وليس هذا الأمر موضع خلاف عندي، ولذلك فإن الواجب علينا أن نتعرف على جوانب العظمة التي كان يتمتع بها هذا الرسول، وكذلك عدد كبير من أتباعه.
هذا ما أريد أن يتعلمه ويتعرف عليه أولادي، كما أنه كذلك في اعتقادي هو ما ينبغي أن يتعلمه العالم، فكل شعوب العالم يجب أن تتعرف على التعاليم التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولكن للأسف لم يحدث ذلك لسببين:
الأول: هو اتخاذ غير المسلمين موقفًا من هذه التعاليم منطلقة الانحياز والجهل. والثاني: هو عدم سعي المسلمين الحثيث لاطلاع غيرهم على عظمة دينهم.
- لننتقل إلى قضية البوسنة باعتبارك أحد الذين تبنوها في الكونجرس، فقد تأخرت الولايات المتحدة كثيرًا في التدخل لحل قضية البوسنة، ثم تدخلت مؤخرًا وأجبرت الأطراف المختلفة علىتوقيع اتفاق دايتون:
أولًا: ما أسباب تأخر الولايات المتحدة في التدخل لحل قضية البوسنة؟
ثانيًا: هل تعتقد أن اتفاق دايتون وبنوده هو حل عادل لهذه القضية؟
- السؤال بشقيه سؤال صعب فعلًا، وللإجابة عن الشق الأول المتعلق بتأخر الولايات المتحدة لحل قضية البوسنة فإني أقول:
أولًا: أنا لا أعتقد أن المشكلة كانت متعلقة بشخص الرئيس كلينتون، وإنما تكمن في الكونجرس الأمريكي الذي لم يكن راغبًا في التدخل في هذه المنطقة، ويرجع هذا إلى أنانية النفس البشرية، فهذا الكونجرس الذي يضم عددًا غير متكافئ من الجمهوريين والديمقراطيين يتبنى خط الانعزالية ولا يرغب في المجازفة بأي شيء.
ثانيًا: توجد في أمريكا جاليات صربية، وسلافية، وروسية، ويونانية تفوق من ناحية العدد الجالية البوسنية المسلمة الموجودة فيها، ومن ثم فمن ناحية السياسة الداخلية لا توجد هناك أي مكاسب لرجال الكونجرس عند تأييدهم للمسلمين.
ثالثًا: كان لدينا شعور - نحن الأمريكيين - بأن مسؤولية التدخل في البلقان تقع على عاتق أوروبا، ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تفوق الدول الأوروبية مجتمعة، ليس من ناحية القدرات العسكرية فحسب، ولكن عليها أن تثبت في بعض الأحيان استعدادها لتحمل مسؤوليتها الأدبية، فإذا رجعنا إلى الحرب العالمية الثانية، نجد أننا لم نكن مهددين على الإطلاق، لكننا شعرنا بأننا سوف نخسر أوروبا الحرة لو لم نهب لمساعدة إنجلترا، وأخشى أن التاريخ يعيد نفسه، وأعتقد أنه إذا طلب منا التدخل فإن المسؤولية الأدبية توجب علينا الاستجابة حتى لو لم نتعرض لتهديد مباشر، ولكني أقول بكل أسف، لقد تأخرنا كثيرًا في التدخل في البوسنة، ونتيجة لتأخرنا قتل مائتي ألف شخص، ولو تدخلنا في الوقت المناسب ربما لم يقتل هؤلاء، وربما لم تتعرض عشرات الآلاف من النساء المسلمات للاغتصاب، فعلى الرغم من أن فرصة التدخل كانت متاحة من البداية إلا أننا تجاهلنا مسؤوليتنا الأدبية ولم نتدخل سواء لحماية هؤلاء أو لحماية 2.8مليون إنسان من الهجرة والنزوح من مواطنهم، وفي النهاية تدخلنا، ولكن - للأسف - متأخرين كثيرًا، وحركنا معنا حلف الناتو، وأعتقد أن أهم شيء في هذا السياق هو النظرة نحو المستقبل والتفكير في كيفية إعادة بناء البوسنة والهرسك من جديد.
أما الإجابة عن الشق الثاني من سؤالك والمتعلق باتفاق دايتون، وكونه منصفًا من عدمه، فأنا أعتقد أن اتفاق دايتون ليس منصفًا للمسلمين. وقد سمعنا جميعًا تلك التصريحات المغلوطة لكثير من السياسيين الذين قالوا فيها: إن هذه الحرب كانت حربًا أهلية، لكنها في الواقع كانت حربًا عدوانية شنها الصرب المسلحون والموجهون من قبل الرئيس ميلوسوفيتش لإبادة المسلمين، فكل الحقائق تؤكد أن مسلمي البوسنة لم يُقدِمُوا على اجتياز شبر واحد خارج حدود بلادهم، ولكنهم اليوم فقدوا وفق اتفاق دايتون نصف بلادهم، لأن الدول الغربية أصرت على فرض حظر السلاح بكل صرامة طوال فترة الحرب على طرف واحد فقط هو الشعب البوسني البرئ، كذلك قام الكروات بارتكاب أعمال عدوانية ضد المسلمين، ولكن بدرجات أقل مما اقترفه الصرب بحق المسلمين، ولكنهم ظلوا يحصلون على كميات كافية من الأسلحة من الدول الغربية، كما أنهم كانوا يتمتعون بدعم مالي كبير وبقدرات عسكرية هائلة، وكذلك فإن الصرب يتمتعون بقدرات عسكرية جبارة، كما كانوا يتلقون الدعم من روسيا ودول أخرى عديدة، في الوقت الذي بقي فيه مسلمو البوسنة معزولين لا حول لهم ولا قوة، وتعرضوا للاضطهاد والقتل والتنكيل لمجرد انتمائهم الديني، وأعتقد أنه لو لم نتدخل في النهاية لكنا قد ارتكبنا خطأً فادحًا، وأن ما حدث سيكون من أسود الصفحات في تاريخ العالم.
- هل تسمح لي أن أسألك عن الدوافعالأساسية لتعاطفك مع قضايا المسلمين رغم أن معظم أعضاء الكونجرس يتبنون ويتعاطفون مع قضايا أخرى ربما تسير فياتجاه مضاد؟
- إن سبب تعاطفي مع قضايا المسلمين يعود إلى معرفتي الصحيحة بجوانب كثيرة من الإسلام، كما أن بعض أصدقائي المقربين قدر الله أن يكونوا من المسلمين، وقد بدأت معرفتي بالمسلمين من خلال أحد جيراني، فقد كان يعمل في محطة البنزين التي تقع بالقرب من الشارع الرئيسي الذي أقطن فيه، رجل باكستاني مسلم، ما إن تعرفت عليه حتى توثقت علاقتي به، وقد كنت معجبًا إلى أبعد الحدود بكده ونصبه وتفانيه في أداء عمله، حيث بدأ حياته هنا مثل أغلب المهاجرين من لا شيء، ولكنه أصبح الآن بليونيرًا، وأريده أن يصبح في يوم من الأيام سفيرًا للولايات المتحدة لدى باكستان، وأنا أعمل حاليًا من أجل تحقيق ذلك، بعدما أصبح أحد أكبر المساهمين في الحزب الديمقراطي، وأذكر أني حينما التقيت به وزرته في المرة الأولى كان يعيش في شقة صغيرة ولم يكن يملك وقتها إلا قليلًا من المال، لكنه عقد العزم على العمل بجد ومثابرة والعيش حياة كريمة، وقد أعجبت بديانته وثقافته وكان هذا منطلق صلتي بالمسلمين.
كذلك كان أول شخص نصحني بترشيح نفسي لانتخابات الكونجرس هو أحد المسلمين المقيمين في دائرتي الانتخابية، حيث كنت أتناول معه طعام الغداء ذات مرة فنصحني بذلك، ثم بادر إلى جمع التبرعات لحملتي الانتخابية، وقد كنت في غاية السرور حينما سألته عن أسباب انخراطه في العمل السياسي، فشرح لي مختلف الأسباب التي دفعته إلى ذلك، كما أن صداقتي به قد أدت إلى معرفتي بمسلمين آخرين بينهم صديقي الأستاذ خالد صفوري - نائب مدير المجلس الإسلامي الأمريكي، وكذلك تسير الأمور وفق مشيئة إلهية، ولكن علينا على الأقل الاستفادة منها، فقد استفدت من تعارفي مع هؤلاء، وكانت بمثابة فرصة أتيحت لي حينما اكتشفت فيما بعد أن المسلمين أناس لديهم الاستعداد لكثير من العطاء سواء على المستوى الشخصي أو السياسي، ولهذا فأنا أحث دائمًا زملائي في الكونجرس للعمل على تعزيز علاقتنا بالأمة الإسلامية وبخاصة المسلمين في أمريكا، هناك بالفعل قليل منهم يستفيد من خلال علاقته بالمسلمين في أمريكا والبلدان الإسلامية، ولكن الغالبية تربطهم علاقات مع أطراف أخرى ويخافون عمل أي اتصال بالمسلمين حتى لا يثير ذلك حفيظة الأطراف الأخرى، وهذا من الأمور التي تبعث على الأسف.
- ألا تواجه بعض المشاكل بسبب وقوفك إلى جوار قضايا المسلمين في الوقت الذي تتصاعد فيه قوة اللوبي اليهودي المضاد للمصالح العربية والإسلامية في الولايات المتحدة؟ وهل تجد من المسلمين الدعم الكافي الذي يعينك على استمرار قيامك بدورك؟
- يوجد في دائرتي الانتخابية بعض زعماء الجالية اليهودية الأكثر تصلبًا في الولايات المتحدة، وقد شرحت لهم مواقفي خاصة فيما يتعلق بقضية القدس، واعتقد أنهم سرعان ما قبلوا حقيقة أني أسعى لتحقيق العدالة والالتزام بالنزاهة، وحينما قمت بالتصويت ضد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس فقد كنت أقوم بواجبي آنذاك.
وهناك حاخام يهودي قامت لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» بتعيينه ليكون حلقة الاتصال بين أعضاء الكونجرس والجالية اليهودية، وينتمي هذا الحاخام إلى جالية يهودية محافظة. وقد اتصل بي مؤخرًا وأبلغني أنه فكر مليًا في موقفي إزاء قضية القدس، وأنه يرى أنني كنت على حق، ثم قال لي: «بإن اليهود كانوا على خطأ لأنهم استغلوا نفوذهم السياسي لغرض قضية لم تكن أصلاً جزءًا من عملية السلام»، ثم أضاف قائلاً لي: «وأنا أحترم تحليك بالشجاعة حينما صوت ضد هذا القرار».
أما بالنسبة لدعم المسلمين لي فقد استفدت منه، وقد ساعدوني بسخاء، ورغم أنهم لا يمثلون إلا شريحة صغيرة من بين سكان دائرتي الانتخابية إلا أن لهم زعماء متميزون، وأعتقد أنهم سوف يواصلون دعم مواقفي، ولحسن الحظ أن زعماء الجالية الإسلامية في دائرتي الانتخابية بدأوا يدخلون الحقل السياسي شيئًا فشيئًا بعدما كانوا متحفظين، وربما يرجع ذلك إلى تعرضهم للابتزاز ورغبتهم في الحصول على حقوقهم بالطرق المتاحة وبشكل مباشر، حيث قرروا المشاركة في العمل السياسي وعدم الاكتفاء بالروابط الاجتماعية، والتمسك بالتعاليم الإسلامية فقط.
- في الختام.. ما رؤيتكم لمستقبل المسلمين في الولايات المتحدة، والدور الذي يمكن أن يقوموا به في التأثير في الانتخابات وصناعة القرار في الولايات المتحدة؟
- أعتقد أن الجالية الإسلامية وكذلك الديانة والثقافة الإسلامية ستصبح عنصرًا أساسيًا فاعلًا في النسيج الأمريكي، لأن الولايات المتحدة دولة فريدة من نوعها، فهي لا تضم جنسية واحدة، ولكنها مكونة من خليط من مختلف الجنسيات، فهي دولة بناها المهاجرون الذين ترك معظمهم أوطانهم الأصلية وجاءوا إلى هنا، وإن هذا النسيج الاجتماعي والاقتصادي يختلف عن غيره، وبالتالي فعلينا تقويته، وهناك مجال لتحقيق ذلك، وأعتقد أن أقرب طريق إلى ذلك يكمن في التعامل الأكثر انفتاحًا مع العالم الإسلامي ونحن لدينا فرصة كبيرة لاجتذاب بل توطين عدد كبير من الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، ولا أتمنى أن يأتي هؤلاء المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ثم يتخلوا عن ثقافاتهم ولغاتهم وديانتهم، بل أتمنى أن يعملوا على نشرها في الأوساط الأمريكية سواء بين جيرانهم أو بين الأطفال في المدارس، وأنا لا أدعو بذلك إلى إحلال ديانة أو ثقافة محل أخرى، ولكن علينا استيعابها واحترامها وتقديرها، فأنا أعتقد أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الإسلام وقرن الثقافة الإسلامية، وستكون بذلك هناك فرصة لإحلال مزيد من السلام والرفاهية في كل بقاع العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل