العنوان شهيد فلسطين الأول عبد الحميد
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
مشاهدات 83
نشر في العدد 171
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
اتضح لنا إذن، أن خلع عبد الحميد لم يكن يمثل رغبة ثقات المسلمين، وإنما كان خلعه مؤامرة دبرتها الأقليات الحاقدة، من اليهود، والنصارى الأرمن، والماسون، والحركات الباطنية والابتداعية، على حين غفلة من أولئك للثقات الذين شلتهم دعايات هذه العصبة الحاقدة، وباستغلال بعض المصلحين من أبناء المسلمين الذين فتنتهم الفلسفة والتربيات الغربية، ولم يكن جهد الأقليات لينجح لولا أن المدد الأجنبي كان لهم ظهيرًا.
• الإنجليز يعاونون الخونة •
فقد ضمن الإنجليز للمنقلبين توفير المعونة عند الحاجة، ودخل الأمير صباح الدين معهم في مفاوضات بواسطة خائن من أعوانه اسمه إسماعيل كمال بك، وذلك أثناء فرصة سنحت لهم قبل ۱۹۰۸ بسنين، وفشلوا في استغلالها.
يصف را مزور خطتهم فيقول:
«أما الخطة التي رسمت فكانت بسيطة، حيث تم الاتصال بالمشير رجب باشا، وهو ألباني كان قائدًا للقوات التركية في ولاية طرابلس للغرب، فوافق على القيام بالعملية التي كانت تتطلب نقل قسم من جيشه إلى سلانيك، ومنها يدعو أبناء أمته الألبان لمساعدته، أو أن ينقلها إلى بعض الأماكن الستراتيجية كبولاير على خليج ساروس، وبذلك يتمكن من الاستيلاء عليها والسيطرة على الدردنيل لقد اعتقدوا، على ما يقول إسماعيل كمال، أن هذه الحركة ستلفت أنظار أوروبة وتضغط على السلطان الذي كان يمكن إخافته بسهولة، فيضطر إلى الموافقة على ما يفرض عليه من شروط.
ويستمر إسماعيل كمال في روايته فيقول: إنه بعد أن ضمن وعدًا من رجب باشا بالتعاون، عرض الخطة بكاملها على السر ادموند مونسن، السفير البريطاني في باريس وبعد أن فكر هذا في الأمر، زوده برسائل إلى وزارة الخارجية للبريطانية، فأخذها معه حالًا إلى لندن «۱»
ويستمر را مزور فيذكر نجاح اسماعيل كمال في الحصول على وعد بريطاني بالتأييد، حولوه بموجبه إلى القاهرة حيث بحث مع الاستعماري الحاقد على الإسلام اللورد كرومر تفاصيل المعونة.
ويعقب را مزور على هذه الرواية مؤكدًا صحتها، فيقول:
«يبدو أن الخطوط العامة للقصة التي لخصها إسماعيل كمال بك صحيحة في الأساس «۲»»
وأنها: «تبدو متينة الأساس، رغم عدم تأكيد المصادر الأخرى لها «۳»»
وهذا هو المقدار الذي أقره را مزور في محاولة منه لتخفيف حجم الشبهة التي تحوط بالانقلابيين، كما فعل تجاه تقدير حجم المشاركة الماسونية، ولكنه أحالنا إلى مصادر تذكر ولوغًا أوسع في هذه الخيانة لم يصدقها هو، وتنسب لهم اتصالات مماثلة بالنمسة وإيطاليا واليونان، مع أنه يقر ويعترف بحصولهم على أموال تلاعب بها من بعد هذا المتآمر الخائن إسماعيل كمال.
ومع كل هذا، فإن را مزور في آخر كتابه، يجهد نفسه لإقناعنا بأن الحركة التي أطاحت فعلًا بعبد الحميد لم تكن وراءها دولة أجنبية، ولم يكن من الواجب عليه أن يجهد نفسه، فإن تدخل الدول إنما يكون عند الحاجة، فلما كفت جموع اليهود والماسون والأرمن والبكتاش والفلاسفة دول الاستعمار مؤونة التدخل السافر فإنه لم تعد هناك حاجة لوضع نفسها في المكان المفضوح.
وما أدرانا بتفاصيل كل الذي حدث؟ إنما هی فلتات لسان را مزور وأمثاله نستشهد بها فحسب، ولم تظهر حتى الآن دراسة وثائقية تسلط الأنوار على الحقائق كاملة
وهل يعقل أن تتخلى دول الاستعمار في النهاية عما تعودت من إعانتهم منذ البداية؟
إن المعونة الاستعمارية ثابتة منذ خطواتهم الأولى، ويثبت را مزور أن دوائر البريد الأجنبية التابعة للسفارات والمتمتعة بامتيازات خاصة تعفيها من التفتيش كانت توزع صحيفة أحمد رضا «مشورت» منذ بداية صدورها في أرجاء البلاد العثمانية «٤»
• قضية الأرمن كانت الزناد •
وقد كشف را مزور مدى الحماس الذي دب في الدول الاستعمارية الصليبية لخلع عبد الحميد بعد حدوث مذابح الأرمن، يؤزهم العرق الدساس.
يقول را مزور:
«لقد ترك عبد الحميد في البداية انطباعًا جيدًا في بلاده وفي الخارج، وظل عدة سنوات لا يلقى من شعوبه أية معارضة لحكمه، كما أن المراقبين الأجانب أجمعوا تقريبًا على الثناء على السلطان الجديد «٥»»
«غير أن هذه المدائح وقفت فجأة بسبب المذابح الأرمنية التي حدثت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر «٦»»
ثم يروى كيف أن الدول الاستعمارية كادت أن تخلعه سنة ١٨٩٦ بعد هذه المذابح «٧»
إذن، فالدعايات المسيحية المنتصرة للأرمن هي التي كانت زناد الدعاية المضادة، ولم يكن عبد الحميد مرشحًا للخلع منذ بداية حكمه، ولكن الذي حدث للأرمن هو الذي رشحه للخلع، مع أن عبد الحميد برئ من مسئولية المذابح، وأن الغوغاء هم الذين تسببوا فيها، وأن الأرمن هم الذين بدأوا باحتلال مبنى البنك العثماني وقتل بعض موظفيه، ردًا على القمع الذي جوبهت به ثورتهم التي ثبت أن الروس والإنكليز دفعوهم إليها دفعًا، وليس بسبب سوء المعاملة كما قد يتوهم البعض
بل العكس هو الصحيح، وأن النصارى من رعايا الدولة العثمانية ما كانوا يثورون إلا لما يرون من توفر روح التسامح الذي يدفعهم إلى استغلال المواقف لإحراج الدولة وكسب مزيد من الامتيازات.
لسنا نقول هذا، وإنما يقوله كبار الساسة للنصارى الأجانب، كمثل «دجو فارا»، أحد کبار ساسة رومانيا ومؤرخيها ممن عاصر عبد الحميد.
يقول هذا الخبير:
« إن من أعظم عوامل انحلال الدولة العثمانية هو مشربها في إعطاء الحرية المذهبية والمدرسية التامتين للأمم المسيحية التي كانت خاضعة لها، لأن هذه الأمم، بواسطة هاتين الحريتين، كانت تبث دعايتها القومية وتتماسك وتنهض وتتمالأ وتسير سيرًا قاصدًا في طريق الانفصال عن السلطنة العثمانية «۸»»
وهذا النص هو من خاتمة كتاب لهذا السياسي ترجمة شكيب أرسلان وأودع خلاصته فصلًا من فصول حاضر العالم الإسلامي، وفيه يذكر هذا الروماني، بالأسماء والأرقام والتواريخ، مائة مشروع استعماري نصراني بالتمام والكمال لتقسيم الدولة العثمانية، ولم ينجح إلا المشروع المائة في أثناء الحرب العالمية الأولى.
يقول شكيب معقبًا على القول السالف:
«وسواء كان هذا المؤلف قد أعلن هذه الحقيقة أم لم يعلنها فإنها الحقيقة التي لا شائبة فيها.
ولذلك نجد ملاحدة أنقرة يجعلون من جملة حججهم في التقصي من الشريعة الإسلامية قولهم: إنه لولا مراعاة هذه الشريعة لكانت السلطنة التركية بقيت على عظمتها الأولى ولم تطرأ عليها هذه المصائب التي لزمتها مدة ستة قرون بسبب وجود الثلث من سكانها وربما أكثر من الثلث مسيحيين، وبأن الشريعة كانت تمنع السلاطين من إجبارهم على الدخول في الإسلام أو الجلاء»
أفلم يكن أجدر بكاتب العربي أن يحول قلمه إلى الانتصار لمسلمي الفلبين الذين تذبحهم الصليبية الحاقدة ذبح النعاج هذه الأيام بدل أن يهاجم حاكمًا إسلاميًا خلعته الصليبية بتهمة مذابح هو منها برا ء؟
أو لا يرى الكاتب أن أقل تقدير لرقم ضحايا جزيرة أبا في السودان، من الركع السجد الذين قتلتهم قنابل طائرات القومية العربية اللادينية يصل إلى أكثر من ضعف أكثر تقدير لقتلى الأرمن المنفذين لخطة التحرش الروسية؟
وأين كان ضمير كاتب العربي حين بارك زعماء القومية العربية ذبح السفاح عبيد كرومي لأثنى عشر ألف عربي مسلم في زنجبار قبل سنين قلائل حتى يقف اليوم متحمسًا في النيل من خليفة مسلم كل تهمته التي خلعته أنه لم يستطع السيطرة على الغوغاء الذين قتلوا أقل من نصف ضحايا زنجبار؟
أم أن عين الرضا عن كل عيب كليلة؟
إننا لنأسف إذ نقرر أن كاتب العربي كان ضحية للدعايات الأرمنية واليهودية، وأنه لم يكن عادلًا في إصداره الأحكام.
• افتراء على سلطان التسامح •
وبسبب هذه المذابح الأرمنية، والتبني الاستعماري للقضية الأرمنية، ركزت الدعاية المضادة كلامها على كثرة القتل، ووصفته بأنه السلطان الأحمر، تعنى: الأحمر بدماء الأرمن.
وأما نفس رجال الاتحاد والترقي زمن حكم عبد الحميد فلم يكثروا من ذكر هذه التهمة، وإنما كانوا يطالبون بالدستور والإصلاح الذي يرونه.
فلما انقضى ذلك الجيل، وجاء جيل جديد لا يميز مصادر الكلام، برز فيهم أمثال كاتب العربي، وخلط تهم الأرمن بتهم غيرهم، والتهم التي قيلت أيام حكم عبد الحميد مع التي قيلت بعد خلعه.
إن محمد جميل بيهم يؤكد مرتين في مقاله أن تهمة القتل لم تنشأ إلا بعد خلعه، فيقول:
«ولما نجحت جمعية الاتحاد والترقي سنة ١٩٠٨ في ما كانوا يسمونه: الانقلاب، وخلعت السلطان في العام التالي بالاتفاق مع الأرمن: أصبحنا نسمع الخطب والقصائد والأناشيد تندد به وتتهمه بالخيانة، ونقرأ الصحف والمقالات والكتب تحمل الحملات الشعواء عليه، ملصقة به كل فرية، حتى لم تتورع عن الزعم بأن السلطان كان يضع بعض الأحرار في أكياس ويلقيهم في البوسفور»
ثم يقول:
«لم يلبثوا بعد خلع السلطان أن انقلبوا عليه، وافتعلوا مع غيرهم الأقاصيص والافتراءات التي وصلت إلينا الآن، والتي أوهمت بعضنا بأنها حقائق لا ريب فيها»
وكان قد بين في أول مقاله أنه يريد أن يتحدث:
«إلى جيلنا الجديد عن هذا السلطان حديثًا لا يستمد مادته من القصص والروايات التي لفقها أعداؤه، بغية كشف النقاب عن الحقيقة»
فهي أقاصيص وافتراءات إذن، وثم تلفيق وقلة ورع وإيهام وعداء كما يقول بيهم، وكل ذلك بعد الخلع.
ومع عنف التهمة فإن أعداء عبد الحميد لم يوردوا مثلًا للذين قتلهم غير مدحت باشا وأحد رفاقه من أصهار السلاطين، قالوا إنه خنقهما بعد نفيهما إلى الطائف، ونتحدى كاتب مجلة العربي أن يأتينا باسم ثالث من غير الأرمن الذين ذبحتهم الغوغاء، أو من غير ثوار البلغار واليونان الذين قتلوا في المعارك.
يقول الكاتب أن عبد الحميد كان يعدم الكثيرين بدون محاكمة، فمثل من يا ترى أعدمه؟
فأما مدحت فكان ماسونيًا، وحوكم بقتل السلطان عبد العزيز وحكم بالإعدام وأثبتت التهمة عليه كما يقول را مزور «۹»، وإن كان يعود فيقول إن أطباء السفارات الأجنبية لما فحصوا جثة عبد العزيز رجحوا أنه انتحر انتحارًا
ومع ذلك فإن عبد الحميد نفاه مجرد النفي، والقول بأنه مات مخنوقًا لا ننفيه، ولكن لا يوجد دليل على ذلك يكفي لاعتقاد حصوله بجزم.
وكيف لا يخاف عبد الحميد مدحت باشا وقد كان هو المحرض على خلع عمه عبد العزيز؟
يقول شكيب:
« كان السلطان عبد العزيز سليم الطوية جسورًا، إلا أنه كان مسرفًا، ترك على الدولة ديونًا كثيرة على أن من أهم مآثره اعتناؤه - بالأسطول، ففي زمانه كان للدولة قوة بحرية عظيمة، وكانت هي الدولة الثالثة في البحر، وقد كان في أيامه من رجال الدولة مدحت باشا، وكان مولعًا بالحرية، فنما بواسطته حزب الأحرار، وصاروا يتحدثون بخلع السلطان لكثرة إسرافه، واستمالوا إليهم السر عسكر حسين عوني باشا، ودبروا على السلطان مكيدة، فاتفقوا مع ناظر البحرية، وأتوا بالأسطول فرنسا أمام سراي طولمة بغجة، بينما العساكر كانت تحيط بالسراي من جهة البر، ثم أدخلوا على السلطان من أبلغه أن الأمة خلعته، فأراد السلطان أن يستخف بهذا الموضوع، فأطلعوه على العساكر المحيطة بالقصر من جهتي البر والبحر، وأنزلوه من السراي ووضعوه في قصر آخر «۱۰»»
وأي حكم في الأرض، في القديم والحديث، لم يضطر إلى معاقبة من يحاول الانقلاب عليه؟
أما أن الحاكم رجعى، وأن المنقلب تقدمي، وحديث الاستبداد والحرية، فكل ذلك من الأمور النسبية، كل يراها من زاوية أفكاره ومفاهيمه فحزب البعث شقان، وكل شق يتهم الآخر بالرجعية، ويكفينا أن نقرر حسن إسلام عبد الحميد، بقرائن رفضه الصفقة اليهودية وشهادة الشهود وعداوة اليهود وجموع الماسون والباطنية له، والحاكم المسلم له أن يأخذ على يد المفسد الذي يموه على الناس، ويريد ربطهم بالمفاهيم الغربية الكفرية باسم الحرية.
بل في الحقيقة: إن الطامعين لم يطمعوا بعبد الحميد إلا لعزوفه عن العقاب ورؤيتهم سلامة من سبقهم في الطريق.
فقد تحدث را مزور «۱۱» عن محاولة انقلابية سنة ١٨٩٦ بقيادة كاظم باشا، اكتشفت ليلة تنفيذها نتيجة هذر أحد منفذيها وسكره حتى الثمالة، فأحبطت، فلم تزد العقوبة على النفي فقط، وكانت عقوبة رأس المؤامرة أن عين حاكمًا على إحدى ولايات ألبانيا، حتى أن را مزور نفسه تعجب من ذلك، وذكر «۱۲» أن سياسة عبد الحميد كانت كذلك طيلة حكمه.
ومع كل هذا فإن التضليل اليهودي يريدنا أن نقول: إنه السلطان الأحمر.
• التجسس الحميدي •
ومسألة الجواسيس قرينة لمسألة القتل، يتهمون عبد الحميد بإطلاق يد الجواسيس، أي رجال المباحث والأمن، في حكم الناس وهي مسألة لها أصل، ولكن المبالغة قد ضخمت حجمها، وبسببها مال شكيب إلى قسوة غير معتادة منه في الكلام على عبد الحميد، لكنه حذرنا من تصديق المبالغات التي اقترنت بها، فيقول:
« وفي زمن السلطان عبد الحميد ساءت الأحوال في مكدونية، لأن السلطان كان أكثر همه في المحافظة على شخصه، وكان شديد التخيل إلى درجة الوسواس، فاستكثر من الجواسيس، وصار بأيديهم تقريبًا الحل والعقد، وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما هو شائع، بل كان يرمى أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقى الخوف في قلوب الرعية وصارت في قلق دائم وأصبحت الناس تبالغ في الروايات عن الجواسيس، فساءت سمعة الحكومة، وسخط الرأي العام على هذه الحالة وبرغم ما كان السلطان يعفو ويصفح، ويجود ويمنح، كانت سمعته بعكس ما كان يفعل، وذلك بسبب كثرة - الجواسيس وحصولهم على الحظوة عنده، فصار الناس يعللون جميع خطوب المملكة بسوء الإدارة، ويعللون سوء الإدارة بانتشار الجواسيس وفقد الحرية، وهذا وإن كان صحيحًا إلى حد محدود، فليس بصحيح على إطلاقه، لأن خطوب المملكة كانت لها أسباب داخلية وخارجية، لا تذكر قضية الجواسيس في جوانبها شيئًا «۱۳»»
وهذا دفاع واضح أوله لوم واعتراف
ولو أنصفنا لسألنا: أي نظام في العصر الحديث يمكنه الاستمرار بلا جهاز أمن؟
إن نفس وجود أجهزة المباحث لا ينبغي أن يشكل لومًا، وإنما سوء استخدامها، وتصديق كل روايات رجالها.
• اضطرار عبد الحميد إلى تفريق نصارى البلقان.
ويعيب أعداء عبد الحميد عليه أيضًا سياسته التى سموها سياسة «فرق تسد»، وهي كلمة أطلقتها دعايات نصارى البلقان الذين يحكمهم عبد الحميد، كان يفرق بينهم، فظنها كاتب العربي وأمثاله أنها سياسة اتبعها عبد الحميد إزاء كل المواطنين
لقد كانت سياسة عبد الحميد هذه عين المصلحة، فإن نصارى البلقان كانوا في ثورات دائمة، يتلقون المعونة من روسيا ودول الغرب بكثرة، ولم يكن كسر شوكتهم ممكنًا إلا بالتفريق بينهم.
ومن أجل جلاء هذه النقطة أنشأ محمد جميل بينهم مقالته الدفاعية عن عبد الحميد، فبين أنه «كان مضطرًا لاتباعها غير مخير»
ثم شرح فقال:
«قد اضطر السلطان المشار إليه لاتباع سياسة فرق تسد أيضًا، ذلك لأن الدول الطامعة ببلاده لم تكن تكتفي بتأليب شعبه عليه من غير الأتراك والمسلمين، وإنما كانت تعمل لضم الموالين له إلى العناصر الناقمة عليه، مستعينة على ذلك بشتى الدعاوى ضده في مدارسها وصحفها، أو بواسطة عملائها في الداخل والخارج، ولا سيما في بلاد الشام وكردستان»
ثم يشير إلى ملاحظة: «وضع السلطنة الشاذ الذي لم يكن يصلح وقتئذ إلا للحكم الفردي ريثما تعد العدد للدستور المنشود، ذلك بأن السلطنة كانت مؤلفة من عناصر تكاد لا تحصى، وكان أكثرها يتربص بها الدوائر، فما أن أعلنت الدستور بعد عبد الحميد وما فيه من حرية، وأنشأت المجلس النيابي، حتى اصطدمت هذه العناصر بعضها بالبعض الآخر، وأمسى هذا المجلس ساحة عراك بينها، وكذلك بين بعض النواب والمسؤولين»
إن دهاء عبد الحميد الذي منع اتفاق العناصر المسيحية في البلقان، وتلك حسنة من حسناته، لم يفطن لها كاتب العربي كما لم يفطن لها رجال الاتحاد والترقي من قبل إذ ظنوا أن ثورات البلقان سببها سوء الإدارة لا الصليبية العالمية التي تؤججها.
يقول شكيب:
«لما كان الاختلاف شديدًا بين العناصر المسيحية في البلقان الرومي والسلافي والبلغاري، ففي زمن السلطان عبد الحميد سعت الروسيا كثيرًا في التأليف بينهم حتى يتمكنوا من إخراج الدولة العثمانية من هناك، ولكن السلطان عبد الحميد بدهائه ويقظته كان دائمًا يمنع الاتفاق بينهم، ويستميل هذا العنصر تارة، وذاك العنصر أخرى.
أما جمعية الاتحاد والترقي فاغترت بقوتها وظنت أن إعلان الدستور قد نفى كل خطر عن السلطنة، ونامت عن مراقبة السياسة الخارجية، بل بلغ غرور بعض أعضائها في أول الأمر أن اعتقدوا حركات البلغار واليونان والسربيين لخلع الحكم العثماني إنما السائق فيها مجرد سوء الإدارة العثمانية، وأنه لو اصطلحت الإدارة العثمانية لأخلد هؤلاء إلى السكون، وحقيقة الحال أن هؤلاء لم يكونوا براجعين عن حركاتهم حتى يطردوا الأتراك من شبه جزيرة البلقان، وأن المسألة عندهم تاريخية محضة لا تعلق لها بالإدارة في حسنها وعدمه، فهذه البلاد لم يكن فيها مسلمون قبل السلطان مراد الأول، فيجب أن تخلو تمامًا من المسلمين مرة ثانية هذه هي فكرتهم الحقيقية، وأوروبا كلها تميل إلى هذه الفكرة، ولما افتتح البلقانيون سلانيك قال أحد وزراء الإنكليز: لا يمكننا إلا أن نفرح باسترجاع المسيحيين للبلدة التي بها ابتدأ انتشار النصرانية.
وإذا رجعنا إلى الحقائق ترى أن الحروب الصليبية وإن كانت غير مستمرة إلى اليوم تحت هذا الاسم كما كانت في القرون الوسطى، فهي مستمرة بالفعل، بالروح نفسها، وإن كان قد تغير الاسم «١٤»»
ولما تحالفت دول البلقان وأصبحت الحرب البلقانية وشيكة الوقوع ونقلوا عبد الحميد من منفاه في سلانيك إلى الأستانة قال عبد الحميد:
«كم من مرة أوشك هذا الاتحاد أن ينعقد وسعيت كل سعى حتى منعته «١٥»»
لقد كانت إرساليات التبشير، والسفارات، هي التي تحث النصارى على الثورة، وليس سوء الإدارة، ولعل المثل الأرمي الذي يورده شكيب يصلح لوصف أسباب الثورات في كل البلقان أيضًا.
يقول شكيب:
«صار الأرمن يرفعون رؤوسهم وينتهزون الفرص من خطوب الدولة ليطالبوا بتجديد ملكهم القديم، وإن كانت قد درست معالم ذلك الملك، وكانوا هم تفرقوا شذر مذر.
وزاد هذا الادعاء عندهم أنهم أخذوا يرسلون أولادهم لتحصيل العلم في أوربا وأمريكا، فجميع هؤلاء الشبان الذين كانوا يتعلمون في الديار الأوربية والأميركية كانوا يعودون متشبعين بأفكار الانفصال عن الدولة العثمانية، وكان الأوربيون بواسطة رسالاتهم الدينية الكثيرة يذهبون إلى الديار التي فيها أرمن من تركيا ويفتحون المدارس والملاجئ، وكان جميع من يتعلم في هذه المدارس الأوربية يخرج كارهًا للدول، عدوًا للمسلمين، وذلك بسبب المبادئ التى كان الأوربيون - ولا سيما الأقسة والمبشرون - يرضعونهم إياها من الصغر.
فأهم عوامل الشقاق الذي وقع بين الأرمن وبين سائر الرعية العثمانية كان هو التعليم في مدارس الأوربيين، فأصبح غير ممكن تساكن الجنسين بعضهم مع بعض، وظهرت عند الأرمن نزعات شيطانية، ونزعات عدوانية تخالف ما كان عند آبائهم بتمامه، فلم يلبث أن وقع الاصطدام بينهم وبين المسلمين، ودارت الدائرة على الدولة في الحرب التركية الروسية «١٦»»
وفي هذا الوصف ما يخفف من تبعة المذابح حتى عن الغوغاء أنفسهم، فإن الاستقزار كان يثير العامة كما أن فيه بيانًا لدور الطعنة التي وجهها الأرمن إلى الدولة العثمانية من الخلف أيام الحرب الروسية، وليست الهزيمة بسبب نوعية قادة عبد الحميد فحسب.
وإلى حلقة رابعة أخيرة في العدد القادم إن شاء الله نستوفي الكلام فيها عن السياسة الخارجية لعبد الحميد والدهاء الذي أبداه فيها، وعن سياسته العربية ومقدار التحريش الأجنبي في الثورة العربية.
«۱» «۲» «۳» را مزور / ١٠٢ / ١٠٣ / ١٠٤
«٤» «٥» «٦» «٧» را مزور / ٨ / ٤٥ / ٤٥ أيضا ١٧٤ /
«٨» حاضر العالم الاسلامي ٣ / ٣٢٧
«٩» را مزور / ٤٦
«١٠» تعليقات على تاريخ ابن خلدون / ٣١١
«١١» «١٢» را مزور / ٦٣ / ٦٤
«١٣» «١٤» التعليقات ٣٣٤ / ٣٧٣
«١٥» «١٦» التعليقات / ٣٧٤ / ٣٢٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل