العنوان الشرق الأوسط بديل عن الجامعة العربية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994
مشاهدات 69
نشر في العدد 1085
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 25-يناير-1994
لم أدهش عندما قرأت حديثًا لأحد الصحفيين مع
الدكتور عصمت عبدالمجيد وجه إليه فيه سؤالًا عما إذا كانت الجامعة العربية سيبقى
لها دور أو وجود بعد إنشاء ما يسمونه الآن «الشرق الأوسط».
ذلك أن شعار الشرق الوسط مازال غامضًا، ويخفي
وراءه أكثر مما يظهر حتى الآن. وإذا أردنا أن نعرف دورنا في هذا المشروع الغامض،
فيجب أن نفرق بين ما نريده نحن، وما يريده أعداؤنا.
فقد كان إقليم الشرق الأوسط كله إقليمًا عربيًا
إسلاميًا طوال عصور التاريخ الإسلامي، إلى نهاية الحرب العالمية الأولى «أربعة عشر
قرنًا» في ظل دول الخلافة الإسلامية.
وعندما نجح الاستعمار في القضاء على دولة
الخلافة العثمانية بسبب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فرضت على شعوبنا
التجزئة إلى أقطار عديدة وضعت تحت السيطرة أو النفوذ الاستعماري الأوروبي.
عندما بدأت شعوبنا مقاومة الاحتلال الأجنبي
للحصول على استقلالها، كانت تعتقد أن الاستقلال الوطني لكل قطر من أقطارنا سيمكنه
من التعاون مع الأقطار الأخرى لبناء وحدة إقليمية عربية أو إسلامية توثق العلاقات
بين شعوبنا وتمكنها من أن يكون لها وزن أكبر في السياسة العالمية؛ ومن أجل هذا
الهدف أنشأت الدول العربية المستقلة في عام 1945 جامعة الدول العربية، واستطاعت
بتعاونها داخل هذه المنظمة أن تؤيد الحركات الوطنية في البلاد العربية الأخرى التي
حصلت على استقلالها بعد إنشاء الجامعة مثل: سوريا، ولبنان، وليبيا، والصومال، وتونس،
والمغرب، والجزائر، وجميع دول الخليج (الكويت، البحرين، عمان، قطر، الإمارات
العربية)، بل أيدت الحركات الاستقلالية في إندونيسيا، وماليزيا، ودول غرب إفريقيا
وشرقها، حتى أصبح عدد الدول المستقلة والأعضاء في الجامعة العربية اثنتين وعشرين
بعد أن كانوا ستًا فقط عند تأسيسها.
ثم إن دول الجامعة العربية رأت توسيع نطاق
التضامن ليشمل جميع الدول الإسلامية، فأنشأت منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم الآن
ما يزيد على خمسٍ وأربعينَ دولةً إسلاميةً عربيةً وغير عربية.
فهدف شعوبنا الإستراتيجي هو تدعيم المنظمات
الإقليمية العربية والإسلامية التي تقوم على مقوماتها المشتركة التاريخية
والثقافية والعقيدية، وتتفرع عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
لكن الدول الكبرى لا تريد لنا ذلك؛ لأن هذا
التجمع العربي والإسلامي يعيد التضامن بين شعوبنا ويبني لها وحدة تجعلها قادرة على
استكمال أسباب نهضتها واستعادة كيانها الموحد السابق، وهذا يهدد في نظرها مصالحها
ويسد أمامها باب التدخل في المنطقة.
لذلك بدأت تفرض علينا أن تشارك في شؤون
المنطقة وبدأت بعرض مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط ضد الخطر الشيوعي عقب الحرب
العالمية الثانية، لكن شعوبنا رفضته.
ولما كان أساس مقاومة شعوبنا لهذا المشروع هو
أنه يفتح الباب للدول الأجنبية الكبرى للمشاركة في شؤون المنطقة والتدخل فيها، بل
والسيطرة عليها، فإن تلك الدول الأجنبية لجأت إلى تشجيع إنشاء دولة دخيلة غير
عربية وغير إسلامية هي إسرائيل لكي تكون هي الممثلة لها في المنطقة، ويسعون
لإعطائها الحق في المشاركة في جميع شؤون أقطارنا بحجة أنها إحدى دول المنطقة التي
أطلقوا عليها اسم «الشرق الأوسط» بدلًا من العالم العربي والإسلامي، وبذلك أصبحت
عبارة «الشرق الأوسط» تشير إلى دول المنطقة العربية والإسلامية مضافًا إليها
إسرائيل، التي فرض وجودها في الإقليم لهذا الغرض.
إنهم لم يكتفوا بأن تكون إسرائيل إحدى دول
المنطقة وتحل محل فلسطين أو محل الجزء الأكبر منها، رغم المقاومة الباسلة لشعبها
العربي، ورغم معارضة جميع دول المنطقة وشعوبها، بل إنهم يزودونها دائمًا بأحدث
الأسلحة وأخطرها، وساعدوها في صنع القنابل النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل
مثل الأسلحة الكيماوية، وتعهدوا لها رسميًا وعلنًا باحتكار هذه الأسلحة وحدها في
المنطقة ومنع العرب والمسلمين من امتلاك القنابل النووية بل ومن أن يكون لديهم
تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية، وقاموا بتنفيذ هذا التعهد بتدمير المنشآت
العراقية ومازالوا يهددون باكستان وإيران وغيرهما من دول العالم الإسلامي، ويعلنون
إصرارهم على منعها من امتلاك التكنولوجيا النووية حتى للأغراض السلمية، كما أنهم
أعلنوا رسميًا وعلنيًا بأن يضمنوا لإسرائيل ما يسمونه التفوق النوعي والكمي في
جميع أنواع الأسلحة لتكون أقوى من جميع دولنا عسكريًا وتستطيع أن تهددهم بالعدوان
في أي وقت فلا يستطيعون دفعه إلا بمطالبة الدول الكبرى والأجنبية بحمايتهم،
والخضوع لشروطهم مقابل ذلك.
إنهم يفعلون ذلك لأنهم واثقون أن ما يسمى
بدولة إسرائيل ليست إلا عصًا في أيديهم تتحرك بإشارتهم وتنوب عنهم في إذلال شعوب
العالم العربي والإسلامي وتهديدهم والاعتداء عليهم عند الاقتضاء، إنها في نظرهم هي
الثغرة التي أحدثها الاستعمار ليدخل منها نفوذهم في المنطقة، إنها خرق في جدار
العالم العربي والإسلامي يدخلون منه لفرض سياستهم وسيطرتهم، إنها لا تمثل مصالح
بني إسرائيل أو اليهود كما يتوهم البعض، بل إنها تمثل أولًا مصالح سادتها وحلفائها
الذين أنشأوها وزودوها بأسباب القوة العسكرية والاقتصادية وما زالوا مستمرين في
ذلك لمصلحتهم هم وأهدافهم التوسعية.
فنحن نريد الشرق الأوسط إقليمًا عربيًا إسلاميًا،
كما كان منذ فجر الإسلام. أما الذين يروجون لهذا الشعار الآن فلهم هدف آخر، هو أن
يكون للدول الكبرى الدور الأول في شؤونه السياسية والاقتصادية، وليست إلا أداةً في
يد تلك الدول الكبرى التي تسعى للسيطرة على بلادنا.
إن المشروعات التي تحمل شعار الشرق الأوسط
إنما هي وسيلةٌ استعماريةٌ لتحويل أنظار الشعوب العربية والإسلامية ومنعها من
تحقيق هدفها الاستراتيجي الذي أجمعت عليه أمتنا منذ سقوط الخلافة، والذي كان يتلخص
في إعادة بناء وحدة المنطقة العربية والإسلامية في صورة عصرية من خلال بناء تكتل
إقليمي يضم دول العالم الإسلامي العربية وغير العربية التي عاشت قرونًا طويلةً منذ
فجر الإسلام دولةً عظمى في ظل دول الخلافة الإسلامية.
إن وجود أمة عربية إسلامية موحدة وقوية في
المنطقة يحول دون هذه السيطرة الأجنبية التي يريدون فرضها ويتخذون إسرائيل وسيلةً
لها.
لذلك فإننا ندعو جميع المخلصين والوطنيين في
بلادنا إلى أن يواجهوا خطط أعدائنا متضامنين ومتعاونين بالمسارعة في بناء الأمة
الوسط التي أنشأها القرآن وجعلها الله شاهدةً على الناس.
إن هدف هذا المشروع هو إلغاء وجود الجامعة
العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بل إنهم يسعون لكي تحل مشروعات الشرق الأوسط
محلها وتقضي عليها في النهاية لتفقد شعوبنا مقوماتها التاريخية والحضارية التي
تمكنها من أن يكون لها ذاتها ومكانتها في العالم كأمة ذات حضارة ورسالة إنسانية.
لا شك أن وجود الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر
الإسلامي ونمو علاقات التضامن بين أعضاء هاتين المنظمتين هو في نظر مخططي السياسة
الأجنبية التي ترفع شعار الشرق الأوسط عقبة تحول دون سيطرتهم الكاملة على المنطقة،
ولذلك يروجون لتسمية الشرق الأوسط لكي تحل نهائيًا محل العالم العربي والعالم
الإسلامي، بنفس الطريقة التي أرادوا بها أن تحل إسرائيل محل فلسطين، ويظنون أنهم
نجحوا في ذلك إلى حد كبير.
(1) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.