; مستعمرة جبل طارق والحلول الحضارية | مجلة المجتمع

العنوان مستعمرة جبل طارق والحلول الحضارية

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-فبراير-1999

أوروبا

الخلاف بين بريطانيا وإسبانيا كان يمكن أن يتطور إلى حرب شاملة لو تفجر بين دولتين من العالم الثالث، ولكن كيف أمكن للدولتين الأوروبيتين تجاوز الأزمة؟

  • مضيق جبل طارق من الشاطئ المغربي.

     شهدت العلاقات الإسبانية البريطانية خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة أزمة دبلوماسية كبيرة تطورت إلى أزمة سياسية واسعة النطاق، عندما رفعت كلتا الدولتين شكاوى إلى المفوضية الأوروبية، بل قام أحد أعضاء مجلس النواب البريطاني بدعوة حكومة بلاده إلى إرسال قوات البحرية البريطانية إلى منطقة المضيق، وهي أزمة كانت كفيلة بإضرام نار حرب شاملة لو أنها نشبت بين دولتين من دول العالم المدعو بالثالث.

     ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الأوضاع الجغرافية السياسية في منطقة غربي البحر الأبيض المتوسط- لا تختلف كثيرًا عما تشهده منطقة ما يدعى بالشرق الأوسط، من قلق وتوجس وعدم استقرار، ويبدو أن بريطانيا لم تخرج من منطقة كانت قد احتلتها في يوم من الأيام، إلا بعد أن تترك فيها قنابل إنسانية وجغرافية، وسياسية موقوتة.

أزمة الصيادين في مياه المضيق:

     تفجرت الأزمة الأخيرة في منتصف شهر يناير الماضي، حيث قامت دوريات خفر السواحل «الجبل طارقية» باحتجاز عدد من سفن الصيد الإسبانية، واعتقال بحارتها، وصادرت آلآت وشباك الصيد التي تستخدم من قبل الصيادين الإسبان -بصورة استثنائية- ولم تفرج عن السفن والبحارة إلا بعد دفع غرامات مليونية.

      استغاث البحارة الأندلسيون بالحكومة المركزية في مدريد دون أن تستطيع هذه القيام بعمل فوري يحمي بحارتها، ويوقف تصرفات سلطات الأمن الجبل طارقية في مياه المضيق، والتي تحاول فرض سيطرتها عليه وبكل وسيلة ممكنة، مما دعا صيادي الأسماك والعاملين في صناعات الصيد إلى الخروج بنسائهم وأطفالهم، وحشد غفير من أهالي مدينة «الخثيرة» التي كانت تسمى أيام المسلمين الجزيرة الخضراء، وهي آخر إدارة إسبانية على شواطئ المضيق- متظاهرين ضد سلطات الجبل من جهة، وضد الحكومة الإسبانية من جهة أخرى، محتشدين في المنطقة الحدودية، قاطعين بذلك سيالة عبور السيارات والأشخاص من وإلى المستعمرة.

     أدت هذه التحركات الشعبية إلى إلحاق أضرار اقتصادية فادحة؛ بسبب تعطل التجارة والسياحة في المنطقة، ودفعت بوزير الخارجية الإسباني «ابل ما توتس» -الذي يبدو عادة وكأنه عاجز عن حل مشكلات بلاده مع بريطانيا- إلى الهجوم ولأول مرة على بريطانيا، واتهامها بإيذاء دولة شريكة لها في الاتحاد الأوروبي، وعضو في حلف شمال الأطلنطي وباعتبارها مسؤولة عن تصرف سلطات الأمن في جبل طارق، وبسبب عجزها وعدم أهليتها -كما قال الوزير الإسباني- لالتزام ما كانت قد توصلت إليه الدولتان من اتفاقيات في قضية الصيد والصيادين، قبل أقل من عام فقط.

الغلطة الكبيرة:

     على ضوء هذه التحركات الشعبية السلمية المصممة على انتزاع حقها بأقصر السبل وأكثرها ضمانًا وشرعية، اضطر من تسميه بريطانيا رئيس وزراء حكومة جبل طارق «بيتر كاروانا» إلى الاجتماع بالصيادين، واستطاع «کروانا» الذي يدعى في إسبانيا «الوزير المسؤول» التوصل إلى اتفاق نال رضا نقابات الصيادين، وعمال صناعات صيد الأسماك، التي يتعيش منها عشرات الآلآف من سكان القرى الأندلسية البحرية.

     إلا أن حكومة مدريد لم تعترف بهذا الاتفاق؛ لأنها لا تعترف أصلًا باستقلالية جبل طارق، ولا بحكومته، وتعتبره منطقة محتلة، وسارعت إسبانيا إلى نصب نقاط تفتيش حدودية شديدة التدقيق بينها وبين ما تدعوه «منطقة الصخرة»، كما شددت الرقابة على حركة الطيران في المستعمرة، وهي التي كانت قد استصدرت منذ أعوام قانونًا يمنع الطائرات الهابطة، أو المقلعة من الجبل- دخول أو استعمال المجال الجوي الإسباني، إضافة إلى جملة إجراءات مصرفية تضيق فيها -وإلى أبعد الحدود- استعمال الأموال السوداء «المغسولة» في مصارف المستعمرة الشهيرة عالميًا بهذه القضية.

     في مثل هذه الحرب من الإجراءات التي لا سابقة لها من قبل إسبانيا، نفد صبر الحكومة البريطانية، واعتبرت هذه التصرفات اعتداء على سيادتها، وهي التي لم تعتد أن يناقشها أحد سيادتها المفروضة على الشعوب والدول، خاصة أن هذه الأزمة تفجرت وهي في غاية من الانشغال بقضيتي العراق، وكوسوفا، ولا ترغب أن يقوم أحد بانتزاع نجوميتها في كليهما؛ مما دفع أحد أعضاء مجلس النواب البريطاني لارتكاب ما وصفه جميع المحافل السياسية الأوروبية بأنه غلطة فاحشة، حيث دعا الحكومة البريطانية إلى إرسال قواتها البحرية الحربية إلى المنطقة.

     وبالطبع فإن الحكومة لم تعر قول هذا النائب أي أهمية، وقامت باتباع الوسائل القانونية الحضارية المتعارف عليها بين دول العالم الذي يعتبر نفسه العالم الأول، فتقدمت بشكوى رسمية لدى المفوضية الأوروبية العليا ضد إسبانيا، التي لجأت بدورها إلى المختصين في القوانين الأوروبية، وردت على المذكرة البريطانية بشكوى قانونية، تذكر فيها تنكب بريطانيا عن التوقيع على معاهدة «شنفن» المبرمة بين دول «الاتحاد الأوروبي» والقاضية ضمن أمور أخرى بحرية الحركة الفردية، وحركة التجارة بين الدول الأعضاء، وقد شملت الشكوى الإسبانية لائحة بسبعين مخالفة بريطانية للقوانين الأوروبية والدولية في منطقة جبل طارق وحدها.

     وقد سارعت المفوضية الأوروبية بإصدار قرارها الذي قالت فيه: إن إسبانيا تتمتع بكامل الأهلية، والمبررات الكافية، لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحفظ مصالحها على حدودها الخارجية، باعتبار المستعمرة منطقة تابعة إداريًا لبريطانيا، التي لم توقع -وكذلك الدنمارك- على معاهدة شنفن المذكورة.

    وقد اتصل رئيس المفوضية الأوروبية الحالي «جاك سانتيير» بوزيري خارجية البلدين ودعاهما إلى التفاهم الهادئ والتخفيف من حدة الأزمة.

     وهكذا كان إذا جرى بينهما اتصال هاتفي دام (90) دقيقة، اتفقا فيه -على الرغم من الامتعاض البريطاني المستكبر- على تخفيف التوتر، وترك المجال للحوار الهادئ، من أجل التوصل إلى حل حضاري يناسب ما قالا عنه أساليب حل المشكلات لدى الدول المتحضرة.

شيء من التاريخ:

     ما فتئت قضية مستعمرة «جبل طارق» تشكل مصدر صداع مزمن لجميع الحكومات الإسبانية منذ عام ١٩٥٩م الذي رسمت فيه الحدود شبه النهائية في «أوروبا»، ولكن الخلافات الحالية شكلت فرصة شبه تاريخية أرادت إسبانيا اغتنامها، فسارعت إلى تشكيل لجنة متعددة الحقائب الوزارية، مهمتها متابعة القضية، ووضع صيغة مشروع استعادة «الصخرة الإسبانية». 

      وكان منح بريطانيا الاستقلال لمستعمرتها (هونج كونج) العام الماضي قد فهم في إسبانيا على أنه فتح لباب استرداد منطقة «جبل طارق» باعتبارها آخر المستعمرات الأوروبية في القارة، وباعتبار استمرار الاحتلال البريطاني لها شأنًا مهينًا ومعيبًا، وخاصة أنهما شريكتان في الاتحاد الأوروبي الذي تصر الصحافة الإسبانية على اعتباره «منظومة» تضمن مصالح الدول العظمى في القارة على حساب بقية الدول التي ينظر إليها على أنها أعضاء من الدرجة الثانية، هذا إضافة إلى تناسي إسبانيا أن استرجاعها لهذه المستعمرة يتعلق مباشرة باسترجاع المغرب لسبتة ومليلة، باعتبار جبل طارق ممرًا عالميًا لا ينبغي أن يخضع لسيطرة دولة واحدة وفق بعض الاعتبارات الدولية، إلا أن إسبانيا مطمئنة إلى أن انشغال المغرب الآن بمعضلة الصحراء، التي تغذيها إسبانيا بكل طاقاتها السياسية والاقتصادية والإنسانية، سيجعل من العسير على المغرب أن تتفرغ للمطالبة بشمالها المحتل.

     منطقة «جبل طارق» هذه ذات دلالات تاريخية عريقة وعميقة في الضمير الجماعي للأمة العربية والإسلامية، وكان جنود الملك فرناندو الرابع قد غزوها عام ۱۳۰۹م لدى محاولاتهم تطويق المسلمين من الجنوب، لقطع الإمدادات القادمة إليهم من إخوانهم المغاربة.

     وقد منحت هذه المنطقة إلى بريطانيا بموجب معاهدة «أوترشت» التي وضعت عام ۱۷۱۳م حدًا لحروب الخلافات المتوالية على ميراث كرسي الملك الإسباني، وكان أحد القادة البريطانيين قد جاء بحجة نجدة ملك إسبانيا في تلك الفترة ضد ملك النمسا، لكن القائد البريطاني احتل جبل طارق، واستقر فيها بأسطوله، وقد أقرته تلك المعاهدة على ما فعل، ثم كرست معاهدات ١٩٠٩م ذلك الوضع.

     وتعتبر معاهدة «أوترشت» هذه كارثة تاريخية بالنسبة لإسبانيا؛ حيث تسببت في سقوط إمبراطوريتها وتقليص سلطاتها بعد قرنين فقط من استيلاء الأسرة المالكة الإسبانية على مملكة بني الأحمر في غرناطة، والقضاء على دولة الأندلس الإسلامية فيها.

     لا يصل عدد سكان المستعمرة إلى أكثر من (٣٠) ألف نسمة حسب إحصائيات عام ١٩٩٥م من الإسبان المجنسين، والبريطانيين والمهجنين من الزيجات المختلطة، والمغاربة، والهنود والباكستانيين، يتواجدون جميعًا ضمن إطار خليط عجيب من الثقافات والحضارات، وأكثر من اثني عشر انتماء دينيًا في منطقة لا تتجاوز عشرة كيلو مترات مربعة، تشغلها بصورة رئيسة المنشآت العسكرية البريطانية الجوية والبحرية، التي تشكل من وجهة النظر الإسبانية صورة مهينة من صور الاحتلال في القارة، وكأن الوضع في مدينتي سبتة ومليلة يختلف في شيء عن هذا الوضع، إلا أن ما يعتبر مهينًا في حق البعض، يعتبر حقًا تاريخيًا وحضاريًا في حق آخرين.

      ويقوم اقتصاد المستعمرة بصورة استثنائية على التجارة غير القانونية، التي تتنفس عبر مينائها الحر، وتغزو إسبانيا ضاربة سوقها الداخلية، خاصة في مجال صناعة التبغ، وعلى صالات لعب القمار العالمية، وعلى إيداع الأموال السوداء، دون حساب ولا ضرائب مع حفظ السرية التامة لأسماء المودعين، الأمر الذي مازال يؤرق إسبانيا ومنذ قرن كامل، حتى بلغ حد الأزمة العسكرية الخطيرة خلال الستينيات، وأدى إلى إغلاق كامل لحدود المستعمرة التي لم تفتح إلا بعد وفاة الجنرال فرانكو، واستقرار الحكم الديمقراطي في إسبانيا، والانفتاح على المشروع الأوروبي عام ١٩٨٥م.

     وكان هذا نفسه السبب الذي دعا وزير الخارجية الإسباني إلى القول إن هذه المستعمرة إنما تعيش كطفيلي (باراسيوم) على حساب الاقتصاد الإسباني، وهو السبب نفسه الذي دعا بعض الصحف الإسبانية إلى الاستشهاد بقول أحد كبار حكماء اليونان «إذا لم تستطع تصحيح وضع تاريخي خاطئ، فإن أفضل ما تفعله هو أن تنقض على من سببه لك، وتصيبه بالمعاناة» هذه المعاناة السياسية والدبلوماسية القانونية والقضائية الهادئة طويلة النفس، متزنة الأعصاب، والمدعومة بمواقف شعبية فعالة حية منظمة، ضحى فيها أهالي قرى كاملة براحتهم ونومهم خلال أسبوع ليتظاهروا بصمت تارة، وبغضب تارة أخرى، ولكن بثبات وصبر اضطر حكومتهم وحكومة بريطانيا -المصابة بصمم مزمن عن كل ما لا يعجبها والمفوضية الأوروبية- إلى سماع صوتهم من أجل الدفاع عن حقوقهم، وعن لقمة عيش أبنائهم، هذه الشعوب تعرف كيف تحصل على حقوقها بكرامة وعزة، دون أن تنتظر الحلول القادمة من وراء الحدود.

الرابط المختصر :