العنوان تونس.. حكومة الوحدة الوطنية ضرورة اقتصادية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016
مشاهدات 40
نشر في العدد 2098
نشر في الصفحة 50
الاثنين 01-أغسطس-2016
مجلس النواب التونسي يحجب الثقة عن حكومة الحبيب الصيد
النهضة دعت الصيد للاستقالة من أجل التوافق على تشكيل حكومة جديدة تكون ممثلة لأغلب الطيف السياسي والمجتمعي في البلاد
النهضة لا ترغب في تعيين رئيس للوزراء من أبنائها لكنها تشترط ألا يكون من وجوه العهد البائد ولا اليسار الاستئصالي
تونس: عبدالباقي خليفة
صوّت مجلس النوّاب التونسي مساء السبت 30 يوليو 2016م على حجب الثقة عن حكومة الحبيب الصيد، فيما يتوقّع تشكيل حكومة جديدة في الأيام القليلة المقبلة، وذلك بعد توافق أحزاب الائتلاف الحاكم على فسح المجال أمام شخصيّة جديدة لقيادة حكومة وحدة وطنيّة دعا إليها الرئيس باجي قايد السبسي، فقد صوّت 118 نائباً لصالح حجب الثقة عن الحكومة، في حين أيّدها ثلاثة ورفض 27 الإدلاء بأصواتهم.
ووفق الدستور التونسي، يتعيّن على رئيس الدولة تكليف شخصيّة جديدة بتشكيل الحكومة خلال عشرة أيام من تاريخ سحب مجلس النوّاب ثقته من الحكومة القائمة.
وكانت أحزاب عدّة بينها أحزاب الائتلاف الحكومي الأربعة (نداء تونس والنهضة وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحر) قد أعلنت أنها لا تعتزم تجديد ثقتها بالحكومة.
وكان من المنتظر أن تتشكّل حكومة الوحدة الوطنيّة في تونس، والتي يتوقّع أن تضم أحزاباً وجمعيات متعدّدة، قبل عيد الفطر الماضي، بيد أن إصرار رئيس الوزراء الحالي الحبيب الصيد على أن يكون خروجه من الحكم أو بقاؤه على رأس الحكومة عن طريق مجلس نوّاب الشعب (البرلمان)، وهو ما أخّر بدء المشاورات لاختيار أعضاء الحكومة الجديدة.
فلا يمكن البدء في المشاورات قبل تحديد الشخصيّة التي ستتولّى رئاسة الوزراء خلفاً للحبيب الصيد، الذي لم يعد من الوارد إعادة تسميته على رأس الحكومة القادمة بعد دعوة حركة النهضة له إفساح المجال (الاستقالة) من أجل التوافق على خليفة له، ومن ثمّ تشكيل حكومة جديدة تكون ممثّلة لأغلب الطيف السياسي والمجتمعي في البلاد.
وقد حضر رئيس حكومة تصريف الأعمال الحبيب الصيد، جلسة البرلمان، للحوار مع نواب الشعب قبل التصويت على حجب الثقة عن حكومته، وقال رئيس كتلة حركة النهضة في المجلس نور الدين البحيري لـ»المجتمع»: إن الحوار كان حواراً معمّقاً، وذلك لإعطاء فرصة للحوار من أجل تجنّب انقسام داخل البرلمان بين مؤيّد ومعارض لبقاء الصيد على رأس الحكومة من عدمه. وكانت الحركة التي تتمتّع بأكبر كتلة داخل مجلس نواب الشعب (69 مقعداً) بعد انقسام حزب «نداء تونس» قد دعت الصيد للتفاعل الإيجابي مع مبادرة تشكيل حكومة جديدة، بما يعني حثّه على الاستقالة.
تجدر الإشارة إلى أن الصيد اختاره حزب نداء تونس، لمنصب رئيس الوزراء، وهو الحزب الذي يريد إزاحته من منصبه، أو الجزء المتغلب على ما تبقى من الحزب، وهناك مؤيدون للصيد داخل عدد من الأحزاب بما يعني وجود انقسام داخل حزب نداء تونس، حيال الصيد، ووجود متعاطفين معه في أحزاب أخرى داخل البرلمان وخارجه. وإذا أصر الصيد على وجوده على رأس الحكومة، فإن خيار التصويت داخل البرلمان -بقطع النظر عن التداعيات- سيكون من لزوم ما يلزم، أي لزوميات تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة ورئيس حكومة جديد.
دوافع وأسباب
هناك أسباب عميقة وأخرى سياسية، إذ مضى عام ونصف العام، على قيادة حزب نداء تونس للبلاد، والوضع أسوأ مما كان عليه قبل ذلك، وقد رأى الرئيس السبسي -وفق مستشاره السابق بولبابة قزبار- أن يغير الوجوه لإعطاء أمل للتونسيين، فضلاً عن إشراك الجميع في حمل المسؤولية.
أما الأسباب العميقة فهي وضع حزب نداء تونس، إذ لم يمض وقت طويل على انتخابات 2014م -التي احتل فيها حزب نداء تونس المرتبة الأولى، وهو ما مكنه من أن يحصل على رئاسة «مجلس نواب الشعب» ويعين رئيس الوزراء- حتى دب الخلاف داخل حزب النداء، وانشق عنه العديد من النواب مما أفقده المركز الأول الذي أصبح من نصيب حزب حركة النهضة، وهذا له تبعات دستورية وقانونية، أوحت بفكرة حكومة الوحدة الوطنية، أو ساهمت في تبلورها بشكل كبير.
هذه التغيرات التي أدت لظهور كتلة جديدة في البرلمان، تطلق على نفسها «كتلة الحرة» كما أدت إلى جنوح أطراف في الائتلاف الحاكم للبحث عن تكتلات جديدة، تمنع حزب حركة النهضة من الاستفادة من الوضع الجديد. وكان «حزب المبادرة» الذي يتمتع بثمانية نواب في «مجلس نواب الشعب» من بين الأطراف التي سعت لذلك، والتي تطمح للعب أدوار في المشهد السياسي أكبر من حجمها بكثير، ومن ذلك الحصول على منصب رئيس الوزراء. وقد رأى حزب نداء تونس، في مثل تلك التحركات التي باءت بالفشل خطراً عليه، إذ إن كثيراً من المنشقين عنه قادمون من فسطاط اليسار، ومن أنصار التحالف معه، ولا سيما الجبهة الشعبية التي تضم عدداً من الأحزاب، والتي رفضت في وقت سابق الدخول في الحكومة بسبب وجود حزب حركة النهضة فيها، ومن المستبعد أن تقبل بدخولها الآن مع وجود النهضة، كما يرفض الاتحاد العام التونسي للشغل الدخول في الحكومة لأسباب يراها تنأى به عن دوره التعديلي في المشهد السياسي.
معطيات أخرى ساهمت بدورها في بلورة الدعوة لحكومة وحدة وطنية، منها الخلاف الذي دبَّ بين حزب نداء تونس والحزب الوطني الحر، الذي يتزعمه رجل الأعمال سليم الرياحي، على إثر التحاق عدد من نوابه بحزب نداء تونس، وهو ما فجر أزمة بين الحزبين، علق على إثرها «الوطني الحر» مشاركته في تنسيقية الائتلاف الرباعي الحاكم.
الوضع الاقتصادي
كل المؤشرات تفيد بأن سنة 2017م ستكون صعبة على الاقتصاد التونسي، في ظل اختلال الميزان التجاري لصالح جميع الدول الغربية ولا سيما الاتحاد الأوروبي، كما تراجعت نسبة صادرات الفوسفات التي كانت تدر على تونس سنوياً نحو 2.5 مليار دولار، إلى أقل من النصف بسبب الاحتجاجات الاجتماعية، ومنع الإنتاج. وتتسبب الأوضاع في ليبيا في خسائر تقدر بنحو ملياري دولار، وهي نفس نسبة الخسائر من الاضطرابات الاجتماعية، وتكلف الاستعدادات الأمنية في ظل العنف أربعة مليارات دولار. وقد تراجعت نسبة النمو في تونس من 3.5% في عهد الترويكة بقيادة النهضة إلى 0.5% بقيادة نداء تونس، في الوقت الحالي، وتراوحت نسبة خدمة الديون -حسب بيانات الحكومة- بين 53% و57%، حسب بعض المعطيات التي تؤيدها المعارضة، إلى جانب 8 آلاف مليار مليم تونسي ديون وخدمة ديون (نحو 4 مليارات يورو)، و12 ألف مليار مليم تونسي رواتب 675 ألف موظف في الدولة. أي هناك 20 ألف مليار وجب على الدولة توفيرها لسنة 2017م، علماً بأن الأموال المهربة من تونس بين 2004 و2010م بلغت 34 ألف مليار، وكل ذلك يتطلب نفَساً جديداً يركز على الاقتصاد ولا شيء غير الاقتصاد.
حوارات قائمة وردود أفعال
استقبلت الأحزاب والمنظمات التونسية المبادرة حسب مواقعها بالترحيب من جهة، والشماتة من جهة أخرى، ومحاولات الاستفادة من أطراف، والتشنيع بالفشل من أطراف أخرى، فقد أشادت بها أحزاب الائتلاف الحاكم، واعتبرتها بعض فصائل المعارضة -كحركة الشعب- فرصة للتصحيح، مشترطة حواراً حقيقياً، في حين اتهمت أخرى رئيس الدولة بأنه يريد توزيع الفشل على الجميع، حسب بيان لحراك تونس الإرادة، الذي يتزعمه الرئيس السابق منصف المرزوقي.
وقال رئيس مجلس شورى حزب حركة النهضة، عبدالكريم الهاروني، في تصريحات خاصة لـلمجتمع»: هناك لجنة لا تزال تدرس هيكلة الحكومة تتكون من أحزاب الائتلاف الحاكم والمنظمات، والحوار يتوسع خارج الائتلاف، وهناك لجنة أخرى خاصة بإعداد البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة، وهناك تقدم في هذا الخصوص».
وتابع: «النهضة سيكون لها موقع متقدم في السلطة بعون الله لتقوم بدورها الطلائعي الوطني في هذه الحكومة وفقاً لثقلها البرلماني والوطني، بعيداً عن التجاذبات والإقصاء والانقسامات؛ فتحديات البطالة، والإرهاب، والفساد، والمديونية، والتهميش في المناطق الداخلية، لا تفرق بين التونسيين».
وأكد الأمين العام الجديد للحركة زياد العذاري لـ»المجتمع» أن الحكومة «لن تكون حكومة محاصصة حزبية ولكنها لن تكون أيضاً قفزاً على نتائج الانتخابات والأوزان الشعبية للأطراف المشاركة فيها».
وقال مقربون من الكواليس: النهضة لا ترغب في تعيين رئيس للوزراء من أبنائها، لكنها تشترط ألا يكون من وجوه العهد البائد، ولا اليسار الاستئصالي. >