العنوان النظام العربي في ظل النظام العالمي الجديد التحديات والمستقبل
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 69
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 20-أبريل-1993
شهدت الأعوام الثلاثة
الأخيرة مجموعة من التطورات الهامة على المستويين الإقليمي والعالمي، والتي تركت
بصماتها على مجريات الأحداث في المنطقة. ويأتي في مقدمة تلك التطورات، سقوط
المعسكر الشرقي ممثلًا بالاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، والاجتياح
العراقي للكويت، وما أفرزه ذلك من تمزيق للصف العربي.
وفي ظل التمزق العربي،
والنظام العالمي الجديد أحادي القطب، فإن أسئلة ملحة وهامة تطرح في هذا المجال:
فما هو مستقبل العالم العربي والإسلامي في ظل هذا النظام العالمي الجديد؟ وهل
سيغري الوضع الجديد الناجم عن مأساة أزمة الخليج وفراغ القوة بعد سقوط المعسكر
الشرقي قيادة النظام العالمي بمحاولة رسم خرائط جديدة في العالم العربي والإسلامي،
بشكل يعكس نتائج تلك التطورات على غرار ما حصل عقب انهيار الخلافة العثمانية في
اتفاق سايكس بيكو؟ وإن وجد ذلك، فما هي الآلية أو السيناريوهات المتوقعة التي سيتم
اتباعها لتحقيق ذلك؟ وهل بدأ بالفعل تطبيق تلك السيناريوهات؟
سايكس-بيكو.. نظرة تاريخية
«المسألة الشرقية» كانت
هي العنوان السياسي لتقسيم تركة الدولة العثمانية الإسلامية التي شكلت على مدى عدة
قرون خطرًا يتهدد أوروبا. وقد أسفر الاجتماع الذي ضم «مارك سايكس» ممثل إنجلترا،
و«جورج بيكو» ممثل فرنسا، عن التوصل إلى اتفاق عرف فيما بعد باسم صانعيه «سايكس-
بيكو»، وبعد عدة تعديلات كانت الصورة النهائية للاتفاق الذي قسم العالم العربي بين
مراكز النفوذ آنذاك كما يلي:
- سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.
- فلسطين والعراق وشرق الأردن تحت
الانتداب البريطاني.
- أما مصر والمغرب العربي والخليج
الشرقي فكانت تخضع للاحتلال البريطاني والفرنسي سابقًا.
ويلاحظ أن ذلك الاتفاق
قد جاء عقب حدث كبير، هز العالم العربي والإسلامي وأصابه بالضعف وأغرى الدول
الكبرى باستغلاله؛ وهذا ما دفعنا إلى طرح التساؤلات حول مستقبل العالم العربي
والإسلامي في ظل المتغيرات الجديدة.
عوامل التهديد
على الرغم من معارضتنا
وعدم تأييدنا للقطرية وللحدود المصطنعة بين أجزاء العالم العربي والإسلامي، فإن
الخطط المطروحة حاليًا تستهدف حتى تلك الصيغة القطرية الهشة وتتجه نحو تدميرها
كشرط لنمو المشروع الغربي الصهيوني في المرحلة القادمة، ويمكن تحديد العناصر التي
قد تشكل مصادر لتهديد النظام العربي القطري السائد حاليًا، والتي قد تستغلها قيادة
النظام العالمي الجديد في تمزيق الوحدة القطرية للدول العربية فيما يلي:
1. الخلافات الحدودية الجغرافية بين الأقطار
العربية ذاتها، وبينها وبين بعض الدول الإقليمية المجاورة؛ حيث إن هناك العديد من
المشاكل الحدودية بين الدول العربية إضافة إلى العديد من المشكلات الحدودية بين
الدول العربية والدول غير العربية المجاورة «العراق وإيران»، «الإمارات العربية
المتحدة وإيران»، «سوريا وتركيا»، «السودان وإثيوبيا»، «ليبيا وتشاد». وقد كانت
تلك المشاكل الحدودية أحد الأسباب الرئيسية للصراعات التي نشبت بين الدول العربية
المختلفة، وبين دول عربية وأخرى إقليمية مجاورة، وعلى الرغم من أن تلك الصراعات
الحدودية تكمن وتختفي في بعض الأحيان إلا أنها تبقى موجودة وتنذر بصراعات مستقبلية.
2. القوى الإقليمية التي تسعى إلى التوسع
والسيطرة على أراضٍ عربية مجاورة، وتطمح بلعب دور أكبر في المنطقة، ويقف في مقدمة
هذه القوى إيران وتركيا وإثيوبيا (قبل التطورات الداخلية الأخيرة فيها).
3. مشكلة الأقليات العرقية واللغوية
والطائفية والتي تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، خاصة وأن
العالم العربي يضم العديد من الأقليات العرقية والإثنية. وقد بذلت الدول
الاستعمارية جهدًا كبيرًا ولا تزال لإثارة قضية وجود بعض الأقليات التي تعيش في
الوطن العربي، لجعلها مشكلة تعيق أي توجه نحو الوحدة، بل وتسعى لاستخدامها في
إثارة نزاعات مستقبلية داخل الدول العربية. وعمل الاستعمار الأوروبي أثناء احتلاله
لمنطقة الخليج العربي على استجلاب جماعات من الإيرانيين والهنود للعمل والاستقرار
في منطقة الخليج، وولّاهم الأعمال والوظائف والقواعد العسكرية، ومنشآت البترول، في
محاولة لإيجاد أقليات قومية في هذه البلاد، يمكن استغلالها في المستقبل لتهديد
وحدة تلك الدول، وزعزعة أوضاعها الداخلية، وإثارة حروب أهلية على أسس عرقية
وطائفية فيها.
4. الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين
الأنظمة العربية، وما أدت إليه من صراعات استمرت فترات طويلة، كما حدث بين شطري
اليمن قبل الوحدة، وكما هو حاصل الآن في الخلاف السوري العراقي.
5. الميول العدوانية والطموح إلى الزعامة
والتفرد لدى بعض القيادات السياسية؛ كما حدث مؤخرًا في الأزمة العراقية الكويتية.
فمع أن أحد الأسباب الظاهرية لذلك الصراع هو الخلاف الحدودي بين البلدين، فإن نزعة
الزعامة والتفرد كانت أحد الدوافع القوية فيما حدث.
6. الوجود الإسرائيلي الذي زرعه الاستعمار في
قلب الوطن العربي في فلسطين لتمزيق الصف العربي، ولإشعال بؤرة الصراع في المنطقة،
والذي يسعى لتحقيق حلمه المتمثل في مشروع «إسرائيل» الكبرى والذي يقتضي بشكل مباشر
إحداث تغييرات في الخريطة الجغرافية للدول المجاورة (الأردن، سوريا، لبنان، مصر،
العراق، السعودية).
7. التهديد الدولي الخارجي، والمتبلور بأطماع
القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة. فقبل انهيار المعسكر الشرقي، كانت
حالة الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي تساهم في زعزعة الأوضاع في الدول
العربية التي كانت تتأثر بطبيعة العلاقات بين الدولتين العظميين. ومع سقوط المعسكر
الشرقي وفي ظل نظام القطب الواحد، فإن أخطار التهديد الخارجي لم تتراجع، بل ازدادت
بشكل كبير؛ وربما كانت الصراعات الحدودية الأخيرة مؤشرًا على مسار التطورات
المستقبلية في المنطقة، ولا شك أن الأطماع الخارجية ستسعى إلى استغلال عوامل
التهديد السبعة السابقة لتحقيق أهدافها وطموحاتها.
القوى الإقليمية.. النفوذ وأطماع التوسع
هناك مجموعة من القوى
الإقليمية التي اتسمت علاقاتها بالدول العربية بالتوتر في غالب أو جميع الأحيان،
نتيجة تداخل المصالح والأطماع التوسعية والسعي إلى لعب دور إقليمي أكبر في
المنطقة، وفيما يلي عرض لأهم تلك القوى:
أولًا: إيران:
تتمتع إيران بمجموعة من
المؤهلات التي تمكنها من لعب دور هام في مسار الأحداث في المنطقة وبشكل خاص في
منطقة الخليج، وفي مقدمة هذه العوامل:
1. مساحة جغرافية واسعة تبلغ حوالي
(1.648.500) كم2، وكثافة سكانية عالية نسبيًا إذا ما قورنت بالدول العربية
المجاورة، كما أنها تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي هام، حيث تشترك في حدودها مع
العديد من الدول المجاورة (جمهوريات الاتحاد السوفييتي، الخليج العربي والدول
المطلة عليه، العراق، تركيا، باكستان، أفغانستان)؛ كما أنها تتحكم من خلال سيطرتها
على مضيق هرمز الذي يمر به حوالي 60% من موارد العالم النفطية -والذي يعتبر حلقة
الاتصال الوحيدة بين مياه الخليج والمحيط الهندي- على المنفذ الطبيعي الوحيد أمام
دول الخليج والعراق.
2. تمتلك إيران مخزونًا هائلًا من الطاقة
البترولية تصل نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا.
3. تتمتع بقوة عسكرية كبيرة قد تفوق دول
الخليج مجتمعة مع العراق بعد تحجيم قوته؛ حيث تعتبر إيران حاليًا القوة العسكرية
الأولى في منطقة الخليج.
4. النفوذ الإيراني القوي في دول الخليج
والمتمثل في العمالة الإيرانية التي تقدر بنصف مليون شخص، وفي سيطرة الشيعة الذين
تبلغ نسبتهم حوالي ربع سكان الخليج على فعاليات اقتصادية واسعة.
وقد سعت إيران بمؤهلاتها
السابقة إلى لعب دور أمني أكبر في منطقة الخليج العربي عقب انتهاء أزمة الخليج،
وسعت إلى إيجاد موطئ قدم لها في لبنان من خلال حزب الله والحرس الثوري، كما حاولت
دعم موقفها من القضية الفلسطينية من خلال دعوتها لمؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية
عام 1991 ويتزامن مع انعقاد مؤتمر مدريد. وتسعى حاليًا لمد نفوذها إلى السودان
واليمن وشمال إفريقيا، هذا عدا عن خلافاتها الحدودية مع العراق على مناطق
«عربستان»، واحتلالها الأخير للجزر الثلاث «أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى»؛
ولكن تجدر الإشارة إلى أن المصالح والطموحات الإيرانية تتعارض وبشكل واضح مع
توجهات ومصالح النظام العالمي الجديد.
ثانيًا: تركيا
تبلغ مساحة تركيا حوالي
(779.452) كم2، ولديها جيش يبلغ قوامه أكثر من 800 ألف جندي، وتسعى إلى لعب دور
إقليمي قيادي مؤثر في المنطقة، بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية. وقد اتسمت
علاقات تركيا مع الدول العربية بطابع المواجهة في فترة الخمسينيات والستينيات، غير
أن تلك العلاقات دخلت مرحلة التعاون في مرحلة السبعينيات والثمانينيات بسبب تدهور
أوضاعها الاقتصادية، وعدم تحقيقها لمكاسب كبيرة كما كانت تتوقع من خلال دخولها
التحالف الغربي، وبخاصة بعد اندلاع الأزمة القبرصية عام 1974؛ غير أن بعض المشاكل
لا تزال عالقة بين تركيا وكل من العراق وسوريا فيما يتعلق بمشكلة الحدود والأكراد،
ومياه نهر الفرات. وقد أقامت تركيا علاقات مع الكيان الإسرائيلي منذ وقت مبكر حيث
اعترفت بـ«إسرائيل» عام 1949، وطورت معها علاقات سياسية واقتصادية وأمنية، وإن
كانت تلك العلاقات قد تراجعت بعد انضمام تركيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، حيث
خفضت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي عام 1980 إلى مستوى القنصلية، احتجاجًا على
إعلان «إسرائيل» القدس عاصمة موحدة لها.
وبعد انتهاء أزمة الخليج
والدور الذي لعبته تركيا فيها، فقد تجددت الطموحات التركية بإعادة تسويق موقعها
الاستراتيجي في المنطقة من خلال:
- القيام بدور الشرطي لحماية المصالح
الأمريكية في المنطقة.
- تخزين السلاح الأمريكي في تركيا
واتخاذها مركزًا لقوات التدخل السريع.
- الوقوف في وجه الخطر الإيراني في
آسيا الوسطى.
ثالثًا: الكيان الإسرائيلي
يشكل الخطر الإسرائيلي
أحد أهم التحديات التي تواجه النظام العربي، حيث إن الكيان الصهيوني لم يكتفِ
بابتلاع الأراضي الفلسطينية المحتلة بشقيها وتشريد أهلها، فهو يسعى إلى التوسع
خارج تلك الحدود إلى الأقطار المجاورة؛ وتجدر الإشارة إلى أن «إسرائيل» لم ترسم
بعد حدودها الجغرافية مع دول الجوار. وقد كثفت «إسرائيل» خلال الأعوام الأخيرة
بشكل كبير من خططها الاستيطانية واستيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود من
مختلف أنحاء العالم وخصوصًا من الاتحاد السوفييتي؛ ويذكر أن المستوطنات
الإسرائيلية تغطي أكثر من 65% من أراضي الضفة والقطاع، فضلًا عن المناطق المحتلة
عام 1948 والتي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. ورغم ما يدور حاليًا من جهود
سياسية لإنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي، فإن جميع المؤشرات تدل على أن
الكيان الصهيوني سيبقى -كما كان دائمًا- عدوانيًا توسعيًا؛ وهو ينظر إلى أية
اتفاقات قد يعقدها مع الدول العربية المجاورة على أنها إجراءات مؤقتة اقتضتها ظروف
المرحلة.
رابعًا: إثيوبيا
اتسمت العلاقات الإثيوبية
العربية قبل حدوث التطورات الداخلية الأخيرة في إثيوبيا، بالتوتر الشديد في غالب
الأحيان، بسبب السياسة الإثيوبية العدوانية والتوسعية. وقد أسهم الخلاف الحدودي
بين إثيوبيا والصومال على إقليم «أوغادين» وضم إثيوبيا لإريتريا عام 1962، في
تأزيم العلاقات العربية الإثيوبية؛ كما أسهم في ذلك أيضًا الدعم الإثيوبي
للمتمردين في جنوب السودان، ومطالبتها بجزء من مديرية النيل الأزرق. وقد احتفظت إثيوبيا
منذ وقت مبكر بعلاقات استراتيجية قوية مع الكيان الإسرائيلي على المستويين العسكري
والاقتصادي؛ ويشار إلى أن الخطر الإثيوبي قد زال بعد الأحداث التي عصفت بإثيوبيا مؤخرًا.
الدول العربية.. أخطار داخلية وخارجية
بعد استعراض الأخطار
التي تهدد النظام الأمني العربي، نعرض لتأثير تلك الأخطار على مجموعة من الدول
العربية، تشمل (سوريا، العراق، لبنان، السودان، الأردن)؛ حيث نتناول مشاكلها
الحدودية والعرقية، وعلاقاتها مع القوى الإقليمية.
سوريا
رغم وجود نسبة من
النصارى والدروز والأكراد واليهود، فإن الطائفتين السنية والعلوية «النصيرية»
تعتبران الأكبر والأكثر نفوذًا في سوريا. وعلى الرغم من أن السنة تبلغ نسبتهم
حوالي 80% من السكان، فإن العلويين الذين تقل نسبتهم عن 20% يسيطرون على غالبية
المواقع السياسية الهامة في الدولة. وقد أدى الصراع الداخلي عام 1982 على خلفية
سياسية وطائفية إلى مقتل عشرات الآلاف في مدينة حماة. ويشار إلى أن الصراع الطائفي
في سوريا لا يبرز على السطح بسبب السيطرة الحكومية القوية، غير أن ذلك لا يعني عدم
وجود ذلك على أرض الواقع. أما على صعيد علاقات سوريا مع الدول العربية المجاورة،
فقد اتسمت بالتوتر في كثير من الأحيان؛ ففي عام 1975 بدأ الخلاف السوري العراقي
بسبب الخلاف على مياه نهر الفرات، وإن كانت الأسباب الحقيقية وراء ذلك الخلاف
الصراع المرير بين جناحي حزب البعث المنشق في كلا القطرين.
ورغم أن البلدين قد
واجها في شهر كانون ثاني (يناير) 1990 تحديًا مشتركًا، تمثل في إيقاف تركيا لتدفق
المياه في نهر الفرات لمدة شهر كامل بهدف ملء بحيرة خلف سد أتاتورك إلا أن ذلك
التحدي لم يكن كافيًا ليساهم في تنقية الأجواء بين الطرفين. أما العلاقات السورية
الأردنية -ورغم الهدوء الذي يكتنف العلاقات بين البلدين حاليًا- فقد شهدت فترات
متأزمة وصلت إلى درجة المواجهة وحشد القوات كما حصل عام 1981؛ غير أن عدم وجود
خلافات حدودية أو أيديولوجية بين البلدين قد أسهم في تحسين العلاقات بينهما.
وتبقى المشكلة الأكثر تعقيدًا في العلاقات
اللبنانية السورية، حيث يوجد على الأراضي اللبنانية عدد كبير من قوات الجيش
السوري، وهو ما يعتبره النصارى في لبنان احتلالًا عسكريًا؛ وقد أثار الخلاف على
الوجود السوري في لبنان مشكلة في الانتخابات النيابية اللبنانية التي أجريت مؤخرًا،
والتي قاطعتها معظم القوى المسيحية بسبب ذلك.
وإضافة إلى الاحتلال
الإسرائيلي للجولان عام 1967، والذي لا يزال مستمرًا حتى الآن، فإن تركيا ما تزال
تحتل لواء الإسكندرونة السوري الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي ومنحه لتركيا عام
1937 بهدف استمالتها ضد ألمانيا النازية؛ مستغلة في ذلك وجود كثير من السكان
الأتراك في ذلك اللواء، وحتى الآن لم تُسوَّ تلك المشكلة نهائيًا بين البلدين.
وبسبب تلك المشكلة
الحدودية، وبسبب الخلاف المستمر على مياه نهر الفرات، فقد اتسمت العلاقات السورية
التركية بالاضطراب والتوتر؛ حيث اتهمت تركيا سوريا بمساعدة حزب العمال الشيوعي
الكردي عسكريًا، وبأنها ساندته في حركته الداعية إلى تكوين دولة كردية في مناطق
جنوب شرق تركيا. وفي عام 1987 وقع البلدان اتفاقًا أمنيًا يقضي بضمان أمن الحدود
بينهما.
العراق
قد يكون العراق ولبنان
أكثر الدول العربية تعرضًا لمصادر الخطر والتهديد الداخلي والخارجي؛ فللعراق مشاكل
حدودية مع كل من إيران والكويت، وهو يعاني من مشكلة تواجد أقليات مذهبية (الشيعة)،
وأقليات إثنية (الأكراد) تسعى إلى الاستقلال والانفصال عنه. إضافة إلى معاناة
العراق من الميول الزعامية والتوسعية لدى قيادته، فقد سعى النظام البعثي هناك
ولفترة طويلة إلى نشر مبادئه السياسية خارج حدود العراق. ورافق كل ذلك قوة عسكرية
ضخمة نتيجة دعم الدول العربية له -وبخاصة الخليجية- في حربه مع إيران، وهو ما رأى
فيه الغرب تهديدًا لمصالحه في المنطقة. فعلى صعيد المشكلات الحدودية، فإن الخلاف
قديم بين العراق وإيران على المناطق الحدودية في منطقة «عربستان» الواقعة الآن تحت
السيطرة الإيرانية، ولم تَحُل اتفاقية الجزائر الموقعة بين الطرفين عام 1975
-والتي أصبحت إيران بموجبها تشاطر العراق الإشراف على الملاحة في شط العرب- المنفذ
البحري الوحيد للعراق على مياه الخليج والمحيطات- دون وقوع حرب طاحنة وطويلة جدًا
بين البلدين، ورغم التسوية السياسية التي تمت بين الطرفين أثناء أزمة الخليج،
وتخلى العراق بموجبها عن الأراضي مثار الخلاف، بهدف كسب تأييد إيران في حرب الخليج
أو تحييدها على الأقل إلا أن إيران مازالت تخشى من تجدد المطالب العراقية بتلك
الأراضي كما حصل سابقًا.
أما الخلافات الحدودية
بين العراق والكويت فهي قديمة أيضًا؛ حيث إن الزعم التاريخي بأن الكويت كانت إحدى
النواحي الإدارية من ولاية البصرة العراقية، وأنها جزء من العراق قد بدأ في
الثلاثينيات أثناء الحكم الملكي، وتجدد في فترة حكم الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم
(1958-1963)؛ فبعد إلغاء الحماية البريطانية على الكويت عام 1961 وإعلان
استقلالها، كان العراق ينوي اجتياح الكويت لولا نزول قوات بريطانية في الكويت
ومعارضة جامعة الدول العربية.
وفي عام 1973 اجتازت
كتيبة من الجنود العراقيين الحدود الكويتية واحتلت مركزًا عسكريًا كويتيًا، ولكن
الجنود العراقيين ما لبثوا أن أخلوا الموقع فيما بعد؛ وشهدت الفترة التي تلت ذلك
هدوءًا نسبيًا استمر حتى عام 1990؛ حيث تفجر الخلاف مجددًا، وتمثل باحتلال العراق
للكويت، وهو ما أطاح بما تبقى من أشكال التنسيق العربي الهش، وكبقية الخلافات
الحدودية العربية، فإن الخلاف العراقي الكويتي على الحدود يبقى بؤرة قابلة
للاشتعال في المستقبل.
وعلى صعيد المشاكل
الطائفية، فإن أهم مظاهر حدة وتأثير تلك المشكلة في العراق قد تمثل في الجيوب
الأمنية التي تم إقامتها مؤخرًا في الشمال والجنوب؛ فالمشكلة المذهبية الطائفية في
العراق والمتمثلة في وجود نسبة كبيرة جدًا من الشيعة ووجود العتبات المقدسة لديهم
داخل الأراضي العراقية، والمشكلة الإثنية المتمثلة في وجود عدة ملايين من الأكراد
(حوالي ربع عدد الأكراد) والذين يسعون لإقامة دولة مستقلة في شمال العراق على
الحدود مع تركيا وإيران؛ هاتان المشكلتان تهددان وحدة الأراضي العراقية. وقد كان
الشمال الكردي والجنوب الشيعي باستمرار المنطلق لحركات التمرد والثورة، ليس بسبب
الخلاف المذهبي والإثني فحسب وإنما بسبب الإهمال والتخلف والحرمان الذي عانته تلك
المناطق.
ولا شك أن إقامة منطقة
أمنية شمال خط العرض 36، وأخرى جنوب خط العرض 32، سيشكلان سابقة للاعتراف بشرعية
جزء من الشعب على أساس طائفي أو عرقي، وهو ما قد يصبح -في حال نجاحه- نموذجًا
للتنفيذ في دول أخرى في المنطقة، وهو ما سيفتح أبوابًا مغلقة وكثيرة في العالم
العربي الذي يضم عرقيات وإثنيات متعددة ومتنوعة بشكل كبير، كما هو الحال في لبنان
والخليج العربي وشمال إفريقيا والسودان.
ويمكن القول إن هناك تقسيمًا
فعليًا الآن في العراق، حيث إن هناك ثلاثة كيانات مستقلة، وقد انتخب الأكراد قبل
عدة أشهر إدارة مدنية في مناطقهم، مستقلة عن الحكومة العراقية.
لبنان
بعد 17 عامًا من الحرب
الأهلية في لبنان لا تزال المشاكل الطائفية والسياسية التي كانت سببًا في إشعال
شرارة الحرب في 12 نيسان (أبريل) 1975 قائمة حتى الآن. فعلى الصعيد الطائفي، يضم
لبنان خليطًا متناقضًا من الطوائف التي من أبرزها:
- السنة: ويوجدون في بيروت وصيدا
وطرابلس، وليس لهم سلطة تقليدية، وإنما يتوزعون في ولائهم لعدة أسر تعاقبت
على منصب رئاسة الوزراء.
- النصارى: وهم عدة أقسام «موارنة
كاثوليك، بروتستانت، يونان، أرمن»؛ ويشكل حزب الكتائب الذي أسسه بيير الجميل
عام 1936 أهم القوى النصرانية في لبنان.
- الشيعة: يتمركزون في جنوب لبنان
والبقاع، وجنوب بيروت؛ ويشكل حزب الله وحركة أمل أهم القوى الشيعية في لبنان.
- الدروز: يتمركزون في الجزء الأوسط من
جبل لبنان؛ وقد أسس كمال جنبلاط الحزب الاشتراكي التقدمي عام 1948، والذي
يقوده الآن نجله وليد جنبلاط.
وقد أجرى الحكم الفرنسي
عام 1932 إحصاءً لسكان لبنان، وكانت النتيجة التي أفرزها الاستفتاء (وفق ما خطط
لها وأرادها الفرنسيون) كالتالي:
- 51% نصارى (29% موارنة، 10% أرثوذكس،
6% نصارى من أصل يوناني، 6% أرمن).
- 45% مسلمون (21% سنة، 18% شيعة، 6%
دروز).
- 4% أقليات دينية مختلفة.
وبموجب ذلك الإحصاء الذي
سعت فرنسا من خلاله إلى تكريس الصراع الطائفي داخل المجتمع اللبناني، وإعطاء دور
أكبر للموارنة، فقد قامت بتوزيع حقائب الحكم والمسؤوليات على الطوائف اللبنانية
وفق التقسيم السابق؛ فأصبح منصب رئاسة الجمهورية من نصيب الموارنة، ورئاسة الوزراء
من نصيب السنة، ورئاسة مجلس النواب من نصيب الشيعة.
وقد كانت آثار ومفرزات
ذلك التقسيم -إضافة إلى التدخلات الخارجية- سببًا في اندلاع الحرب اللبنانية التي
مازالت آثارها موجودة حتى الآن.
أما على صعيد التدخلات
الخارجية، فقد عانى لبنان من الاجتياح الإسرائيلي له في 8 حزيران (يونيو) 1982؛
حيث اقتطعت منطقة في الجنوب ووضعت تحت الوصاية الإسرائيلية بحجة تأمين المناطق
الشمالية لـ«إسرائيل» من هجمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وقد تمسكت
«إسرائيل» بتلك المنطقة العازلة أو الحزام الأمني كما أسمته.
وإلى جانب الوجود
الإسرائيلي في جنوب لبنان، فإن وجود القوات السورية في البقاع منذ عام 1976 وحتى
الآن قد زاد من حدة المشاكل الداخلية هناك، ويضاف إلى ذلك الوجود المسلح للمنظمات
الفلسطينية التي دخلت طرفًا في الحرب الأهلية خلال السنوات السابقة، كما أن الوجود
الفلسطيني -حوالي 500 ألف- على الأراضي اللبنانية يشكل عقبة في طريق حل المشاكل
الداخلية في لبنان؛ حيث إن لبنان يرفض توطين أولئك الفلسطينيين في أراضيه، كجزء من
حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. كما سعت إيران- من خلال دعمها لحزب الله اللبناني،
ومن خلال الحرس الثوري الإيراني -اللذين يمثلان امتدادًا للرؤية الإيرانية- أن
تلعب دورًا مهمًا في لبنان على أمل إيجاد موطئ قدم هناك، وعلى الرغم من أن حسن نصر
الله الأمين العام لحزب الله في لبنان قد أكد في مقابلة مع مجلة «الوطن العربي» مؤخرًا
أن حزب الله ليس حالة إيرانية في لبنان، وأن مقاتليه ليسوا إيرانيين، إلا أنه لم
ينفِ تلقي حزبه للدعم المادي من إيران. وقال: إن حزبه انطلق عام 1982 مستلهمًا فكر
الخميني ومستفيدًا من الجو الذي طرحته الثورة الإسلامية في إيران.
وفي ظل التحديات السابقة
فإن لبنان يبقى مهددًا بشبح التقسيم إلى عدة دويلات على أساس طائفي وسياسي (مناطق
خاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الجنوب- مناطق تحت السيطرة الشيعية في الجنوب أيضًا-
مناطق خاضعة للسيطرة المسيحية- مناطق خاضعة للسيطرة الشيعية- مناطق خاضعة لسيطرة
جيش لبنان الجنوبي المرتبط بإسرائيل).
ورغم توقيع اتفاقية
الطائف في شهر أيار (مايو) 1989، إلا أن التوتر مازال موجودًا، وقد تزايد مؤخرًا
إثر إجراء الانتخابات النيابية. وقد تردد أن الموارنة في لبنان قد طالبوا بإقامة
محمية دولية لهم في لبنان على غرار ما حصل في جنوب وشمال العراق، بحجة خوفهم من
التعرض للانتقام بسبب معارضتهم للانتخابات.
السودان
شكلت الحرب الأهلية بين
الشمال والجنوب والتي قامت على أساس طائفي وعرقي أحد أهم التحديات التي واجهت
استقرار ونمو السودان خلال العقدين الأخيرين، واستنزفت قوته وطاقاته. فقد تجددت
الحرب الأهلية السودانية بين الحكومة وقوات المتمردين في الجنوب عام 1983. وقد تركزت
مطالب المتمردين في الجنوب خلال السنوات الأخيرة على تجميد العمل بقوانين الشريعة
الإسلامية، وإلغاء الاتفاقات العسكرية الموقعة مع كل من مصر وليبيا.
وقد تم التوصل في عام
1989 إلى اتفاق بين الطرفين حول ذلك، غير أن انتقال السلطة إلى الحكومة السودانية
الجديدة إثر الانقلاب العسكري في 3 أيلول (سبتمبر) قد عطل الاتفاق. وقد تبنت
الحكومة الجديدة بعد عقدها مؤتمرًا للحوار الوطني من أجل السلام برنامجًا يتضمن
العمل بأحكام الشريعة الإسلامية كأساس للنظام التشريعي والقانوني على المستوى
القومي، وإقامة نظام فيدرالي يتيح للأقاليم استثناء نفسها من تطبيق بعض أحكام
القوانين ذات الطابع الديني، وتضمن كذلك حق الأقاليم المختلفة في نصيب متساوٍ من
الثروة الوطنية في السودان؛ غير أن هذا البرنامج لم يلقَ قبولًا لدى المتمردين
الذين بدأوا يطالبون بالانفصال عن السودان.
وقد أدى التصعيد الأخير
في المواجهات العسكرية إلى تمكن الجيش السوداني مؤخرًا من ضرب وتحجيم قوات
المتمردين الذين لم يعودوا يسيطرون إلا على مناطق محدودة جدًا في الجنوب والمهددة
بالسقوط في أية لحظة في أيدي القوات الحكومية.
أما على صعيد العلاقات
السودانية مع الدول المجاورة، فقد تميزت تلك العلاقات قبل الانقلاب العسكري الأخير
بالتوتر؛ حيث إن عدة دول إفريقية مجاورة كانت تدعم المتمردين كإثيوبيا وكينيا
وزائير والصومال، ولكن الحكومة السودانية تمكنت خلال السنتين الأخيرتين من تحسين
علاقاتها مع تلك الدول التي أوقف معظمها دعم المتمردين، وهو ما ساهم في خنق حركة
التمرد في الجنوب، ولكن العلاقات السودانية شهدت توترًا سياسيًا وحدوديًا مع مصر
العام الحالي بسبب الخلاف على منطقة حلايب التي يدعي الطرفان ملكيتها؛ ويشار إلى
أن هذا الخلاف الحدودي ليس الأول بين البلدين، فقد حصل خلاف سابق بينهما عام 1957
حول مياه النيل.
وقد كادت الخلافات
الأخيرة بين السودان ومصر أن تتأزم بشكل أكبر وينذر بوقوع مواجهة عسكرية، وقد تردد
خلال الأشهر القليلة الماضية وقبل النجاحات الأخيرة للجيش السوداني في معاركه ضد
المتمردين أن هناك أطرافًا قد تسعى إلى التدخل لوضع حد للحرب في الجنوب وإقامة
منطقة أمنية هناك، غير أن الحكومة السودانية التي عارضت تلك الخطوة بشدة وشعرت
بمدى خطورتها قد سعت إلى حسم الصراع الدائر في الجنوب مع المتمردين حتى تقطع
الطريق أمام طرح تلك الفكرة بشكل أكثر جدية.
الأردن
أدى الوجود الفلسطيني
الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عامي 1948 و1967 -سواء كان ذلك
على المستوى البشري أو العسكري- إلى حدوث إشكالات في بعض الدول العربية. وقد تحمل
الأردن العبء الأكبر للآثار السلبية الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي وقيام الكيان
الصهيوني؛ فإضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، فقد احتلت القوات
الإسرائيلية عام 1967 مساحة من الأراضي الأردنية التي لا تزال خاضعة للسيطرة
الإسرائيلية. وقد شكل الوجود الفلسطيني في الأردن أحد التحديات الهامة التي واجهت
المسؤولين الأردنيين طوال السنوات الماضية، ويعود ذلك إلى ارتفاع عدد ونسبة
اللاجئين الفلسطينيين حيث يصل عددهم الآن حوالي نصف عدد سكان الأردن، وهو ما أفرز
مجموعة من الإشكالات وفي مقدمتها:
- الخشية من التأثير السلبي لهذا العدد
الضخم من الفلسطينيين على الهوية الوطنية الأردنية، والتي يرى كثير من
السياسيين الأردنيين أنها قد أصبحت في خطر، في ظل الوضع السكاني «الديمغرافي»
القائم.
- المحاولات الإسرائيلية لاستغلال
الوضع الديمغرافي في الأردن للتسويق لمشروعها القائم على اعتبار الأردن وطنًا
بديلًا للفلسطينيين ما داموا يشكلون نسبة سكانية عالية فيه، وهو ما يقلق كثيرًا
من السياسيين الأردنيين الذين يخشون حل المشكلة الفلسطينية على حساب الأردن.
- العلاقات السياسية الأردنية
الفلسطينية المتوترة، وعدم التوصل إلى صيغة للعلاقة المشتركة ترضي الطرفين.
فقد قام الأردن عام 1950
بضم الأجزاء غير المحتلة من فلسطين آنذاك، واستمر الأمر كذلك حتى عام 1967؛ حيث
احتلت «إسرائيل» الأراضي الفلسطينية التي كانت تحت السيطرة الأردنية في الضفة
والمصرية في قطاع غزة. وفي عام 1972 طرح الملك حسين مشروع «المملكة المتحدة» الذي
يتضمن إحياء الفكرة التي طبقت عام 1950.
وفي الآونة الأخيرة برز
على السطح مشروع الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا في
الأوساط الأردنية والفلسطينية على حد سواء. وفي 2/2/1990 صرح رئيس الوزراء الأردني
آنذاك مضر بدران لمجلة المصور المصرية أنه لا يمكن أن يقبل الفلسطيني الأردن بديلًا
عن فلسطين، بل إن الفلسطينيين الموجودين الآن في الأردن منذ سنة 1948 مع الأجيال
الجديدة لم يشعروا على الإطلاق بأن الأردن وطنهم، فالوطن الحقيقي هو فلسطين.
وأصدرت مجموعة من
الأحزاب والتنظيمات الأردنية المؤتلفة في الحركة الوطنية الأردنية بيانًا في شهر
آب (أغسطس) الماضي، شجبت فيه ما يروج له دعاة الكونفدرالية الثلاثية -في إشارة إلى
تصريحات بعض المسؤولين الفلسطينيين- وجاء في بيانها: "نستنكر مع شعبنا كله،
ونشجب دعاة الكونفدرالية الثلاثية الأردنية-الفلسطينية-الإسرائيلية التي يروج لها
البعض؛ لأنها ستنتهي بالأردن إلى وضع مماثل لوضع الضفة والقطاع في ظل الاحتلال،
دون حاجة لتكرار ما حدث صبيحة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967".
ولا شك أن التصريحات
السابقة تظهر بشكل واضح القلق الذي يسيطر على كثير من السياسيين الأردنيين جراء
الوجود الفلسطيني المكثف في الأردن وإشكالية العلاقة الأردنية الفلسطينية
المشتركة. وعلى صعيد العلاقات الأردنية مع الدول العربية المجاورة، فقد شهدت بعض
التوتر خلال الفترات السابقة، ولكنها شهدت بشكل عام هدوءًا ملحوظًا خلال السنوات
الأخيرة.
أما المشكلة الطائفية
والمذهبية والإثنية، فلا يعاني الأردن كثيرًا منها؛ حيث إن هناك نسبة من النصارى
قد تصل إلى حوالي 8% من عدد السكان، إضافة إلى عدد ضئيل من الدروز والشركس
والشيشان والأرمن، وجميع المجموعات السابقة مندمجة في المجتمع الأردني، ولم يحدث
طوال السنوات السابقة أية إشكالات بسبب وجودها.
الخلاصة
من خلال الاستعراض
السابق، لاحظنا بوضوح أن النظام الأمني العربي «القُطري»، القائم وفق الاتفاقيات
الاستعمارية القديمة وبخاصة «سايكس بيكو»، قد عجز عن مواجهة التحديات الضخمة، ولم
يقتصر عجزه على القصور عن تحقيق أشكال فاعلة للوحدة العربية فحسب، بل وصل إلى درجة
عدم القدرة على مواجهة الأخطار التي تهدد النظام القُطري للدولة العربية الواحدة،
وهي الصورة التي كانت حتى قبل سنوات تعتبر صورة هزيلة ومرفوضة من دعاة النظام
القُطري قد أصبح مستهدفًا في ظل الأوضاع الدولية الجديدة؛ حيث تتجه الخطط العالمية
إلى تفتيت المنطقة على أسس طائفية وعرقية وسياسية إلى دويلات صغيرة متصارعة وضعيفة
تبحث عن الأمن عند القوى الإقليمية والعالمية.
إن الاعتداءات والمشاكل
الحدودية بين الدول العربية التي تفاقمت بشكل كبير في الآونة الأخيرة قد أصبحت أحد
أهم مظاهر العلاقات بين الدول العربية، ومع إيماننا -انطلاقًا من قناعاتنا
الإسلامية- بعدم شرعية الحدود المصطنعة بين أقطار العالم العربي والإسلامي وبأنها
حدود زائفة ينبغي تحطيمها وإزالتها إلا أننا نرى انطلاقًا من غياب الواقع الإسلامي
-الواجب تحقيقه- أنه لابد من إلزام الدول العربية بمبدأ عدم التدخل في الشؤون
الداخلية لبعضها البعض، كما أنه لابد من التعامل مع مشكلات الأقليات العرقية
والطائفية والإثنية بحذر شديد؛ فالدمج القسري للأقليات أو إعطاؤها نوعًا من الحكم
الذاتي الشكلي لم يحل المشكلة.
وفي ظل غياب الحل الإسلامي الذي يحتوي الفوارق العرقية والإثنية، فلابد من الاعتراف بالحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للأقليات، وتمكينها من ممارسة هذه الحقوق، وهو ما قد يسهم في التخفيف من آثار هذه المشكلة. أما مشكلة تدخل القوى الدولية لتقسيم الكيانات العربية القائمة بحجة إقامة مناطق أمنية لبعض الأقليات، فينبغي على جميع الدول العربية مقاومتها، والعمل على الحيلولة دون تقسيم أي قطر عربي لأن ذلك قد يمتد إلى دول عربية أخرى.
اقرأ أيضًا: