العنوان هل الدولة العبرية مجرد جيب استيطاني؟
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 76
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 15-يونيو-1999
راجت في الآونة الأخيرة مقولة إن الجيوب الاستيطانية الإحلالية العنصرية قد انتهت في العالم فلماذا نستثني إسرائيل؟
وهنالك من يربط هذه النتيجة باتجاه القرن الحادي والعشرين، الذي لا يستطيع أن يحتمل أنظمة «أبارتهايد» أي أنظمة فصل عنصري، بمعنى أن روح العصر - ويقصد به روح عصر العولمة - لم تعد تقبل بالجيوب العنصرية الاستيطانية أو أنظمة الفصل العنصري، ويذهب البعض إلى أن هذه الروح ستكون باتجاه المزيد من الديمقراطية والليبرالية واحترام حقوق الإنسان.
يجب أن تناقش هذه المقولة من زاويتين الأولى: هل الشروط التي حكمت تصفية الجيوب الاستيطانية العنصرية تطول الحالة العبرية في فلسطين والصهيونية عالميًا؟
أما الزاوية الثانية: فهل من الصحيح أن اتجاه العولمة والذي يسميه البعض بروح العصر هو من ذلك الطراز الموصوف أعلاه.
إن الجيوب الاستيطانية العنصرية التي أحيلت إليها الحالة الصهيونية في فلسطين يمثلونها بالمستوطنين الذين عرفتهم الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي، ثم حالة المستوطنين العنصريين في جنوب إفريقيا وفيما حولها في ناميبيا مثلًا، فهل ثمة وجه شبه يسمح بالقول إننا أمام حالات من الطراز نفسه وأن تلك الحالات جميعًا لها المصير ذاته؟
يستطيع المرء أن يأتي بمجموعة سمات خاصة بالدولة العبرية، وقد جاء القرار الذي فرضته الولايات المتحدة والدول الغربية على الجمعية العمومية لإلغاء قرارها السابق باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، جاء ليمثل رسالة إلى كل الذين يدرجون الحالة الصهيونية ضمن حالة الجيوب الاستيطانية العنصرية.
فهذه الرسالة تقول إن الدول الكبرى المتحكمة بالنظام العالمي -وكان من بينها روسيا في ذلك القرار- تستثني الدولة العبرية بل الصهيونية العالمية من ذلك الإطار العنصري المقصود.
الرسالة تقول أيضًا: إذا كنا نحن الدول الكبرى قد تخلينا عن الجيوب العنصرية فإن الدولة العبرية شيء آخر في الاستراتيجية الدولية لا الاستراتيجية التي سادت في الماضي، وإنما أيضاً استراتيجية النظام العالمي الجديد أو قل استراتيجية القرن الحادي والعشرين.
إن من لا يتأمل جيداً خصوصية الحالة الصهيونية في فلسطين وفي العالم لا يستطيع أن يدرك التعقيد الذي تحمله القضية الفلسطينية والصراع العربي -الإسلامي مع الدولة العبرية والصهيونية العالمية.
ومن ثم لا يستطيع أن يتقدم بالاستراتيجية المناسبة لمعالجة هذه الحالة التي لا تقرن بالحالات العنصرية إلا من حيث كونها شكلًا من أشكال العنصرية، أما الإحلال فخصوصيته العبرية متميزة تمامًا، والأهم أن موقع الدولة العبرية في الاستراتيجية الدولية الهادفة إلى السيطرة على البلاد العربية، أيًا ما تكون الدولة الكبرى التي تهدف إلى تلك السيطرة يختلف عن موقع الحالات العنصرية الأخرى والتي سميت «بحق جيوبًا»، نحن أمام حالة دولة تنهيا لتصبح في عداد الدول الكبرى من حيث قوتها العسكرية ونفوذها السياسي.. هذا دون أن نغفل عن خصوصية العلاقة بين الدولة العبرية والحركة الصهيونية العالمية.. وما لهذه الأخيرة من نفوذ في مواقع اتخاذ القرار في الولايات المتحدة وفي أغلب الدول الكبرى الأخرى بتفاوت طبعًا.. نحن امام حالة تختلف نوعياً عن الجيوب العنصرية الإحلالية الأخرى، ومن ثم يكون السؤال «فلماذا تستثني إسرائيل؟» يتسم بالتبسيطية المخلة، لأننا أمام حالة أشد تعقيداً وتركيبًا.
إذا كانت محاولة الفهم لحالة الدولة العبرية يجب أن تبتعد عن التبسيط، فإن الفهم أيضاً يجب أن يرفض المقولة التي سادت في مناخ الحرب الباردة بأنها دولة لا تقهر، أي أن علينا رفض المقولتين اللتين تشكلان وجهين لعملة واحدة، وفي المقابل فيجب أن تقدر الحالة على قدرها بلا غلو أو تبسيطية لأن ذلك هو الطريق لمعالجة صحيحة.
من أين جاء الاستنتاج أن روح العصر الذي تمثله العولمة متجهة إلى عدم احتمال وجود أنظمة فصل عنصري، وأن هذه الروح ستكون باتجاه الديمقراطية والليبرالية واحترام حقوق الإنسان؟.
يستند هذا الاستنتاج إلى ما تعلنه الولايات المتحدة رسميًا أو من خلال إعلامها من أننا مقبلون على نظام عالمي جديد يرفض أنظمة الفصل العنصري والأنظمة الشمولية وسيكون إلى جانب الأنظمة الديمقراطية والليبرالية والتي تحترم حقوق الإنسان. أما السند الآخر فهو التأييد الأمريكي التصفية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وتأييدها لسقوط بعض الدكتاتوريات ولا سيما تلك التي كانت ضمن ما سمي بالمعسكر الاشتراكي.
لا يلحظ القائلون بهذه التوقعات أن الإدارة الأمريكية التي يستندون إلى مواقفها لم تشر من قريب أو بعيد، ولم تقلها صريحًا أو تلميحًا، أنها تعتبر الدولة العبرية في عداد أنظمة «الأبارتهايد» بل العكس أكدت دائمًا ولم تزل أن الدولة العبرية «هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط».
ولا يلحظ أولئك أن أمريكا متهمة بحق ودون أن تحاول دفع التهمة عن نفسها أنها تنهج نهجاً يتسم بازدواجية المعايير بالنسبة إلى القضية الواحدة، بل صدرت تصريحات رسمية أنها لا تستطيع أن تتناول قضايا حقوق الإنسان أو الديمقراطية إلا بصورة انتقائية تراعي مصالحها، أي أن روح العصر الذي ستقوده أمريكا لن تكون روح إزالة الفصل العنصري حتى لو أزيل النظام القانوني له، ولن يكون أبدأ روح نشر الديمقراطية والليبرالية، واحترام حقوق الإنسان إلا بمقادير تقررها الانتقائية الأمريكية.
والأهم أن أولئك لا يلاحظون محاولة أمريكا للسيطرة على الدول الأخرى والحاقها بما تقتضيه مصالحها سيولد ألوانًا من الصراعات بالضرورة لأن أغلب الدول لا تستطيع أن تسلم بتبعية تسلبها خيراتها وتنهب ثرواتها وتنزل بها إلى مراتب دنيا فضلًا عن استفحال الفقر والبطالة والأزمات الاجتماعية فيها، ولهذا فإن ما تحمله العولمة في الأساس هو الصراع الإخضاع الآخرين، وفي المقابل صراع الآخرين للدفاع عن مصالحهم وثقافتهم وسيادة دولتهم ورفعة شعوبهم، الأمر الذي يعني بالنسبة إلى أمريكا ضرورة إعلاء سياسة القوة في مجال السياسة الدولية بما يهدد العالم بالعودة إلى صراعات القرن التاسع عشر وهذا ما يحمله اتجاه أمريكا لتجاهل الأمم المتحدة من معنى، كما يعني بالضرورة تشجيع بعض الأنظمة في وجه صرخات الفقراء والعاطلين عن العمل أو المثقفين والنخب الحريصين على مصالح دولهم وشعوبهم أو المدافعين عن هوية الأمة وثقافتها، مما يجعل روح العصر الذي تريد أمريكا فرضه متجها نحو المزيد من القمع وهدر حقوق الإنسان ومصادرة صناديق الاقتراع.
إذا كان ما تقدم صحيحًا على مستوى عام فهو أشد تكثيفاً فيما يتعلق بالموقف الأمريكي من الدولة العبرية.. لو أخذنا تجربة عشر السنوات المنصرمة فقط وهي الفترة التي أسست لهذه المقولة الخاطئة فسنجد أن الاستراتيجية الأمريكية مضت قدماً في تسليح الجيش الإسرائيلي بأسلحة هي في مستوي ما في المخازن الأمريكية، كما نجدها سعت حثيثاً المراقبة التسليح العربي والإسلامي، ومحاصرته والعمل على تحجيمه إلى الحد الأقصى.
وسنجد تلك الاستراتيجية تعمل على تسوية للقضية الفلسطينية أقرب ما تكون للشروط الإسرائيلية، فكيف يقال على ضوء هذه التجربة إن العصر الأمريكي متجه لتصفية هذا الجيب الإحلالي الاستيطاني العنصري؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل