العنوان الذاتية في العمل الإسلامي: المفهوم والبذرة
الكاتب عبدالله أبو سليمان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
الذاتية في العمل الإسلامي: المفهوم والبذرة
تساؤلات حول ضعف الانطلاق الذاتي
تتردد في أوساط
الدعاة أحيانًا تساؤلات حول تضاءل نسبي في مستوى الحماس والانطلاق الذاتي للعمل
الإسلامي، قد يصل أحيانًا إلى ظهور بعض مظاهر الفتور وضعف الإنتاجية وتضاءل
النماذج المشرقة من التضحية والعطاء المتجدد والعمل الدؤوب. ويكاد الدعاة يجمعون
على مظهر هام من مظاهر تلك المشكلة، وهو البُعْد عن «الذاتية» في العمل الإسلامي،
الأمر الذي دعانا في «المجتمع التربوي» إلى تسليط الضوء في هذه الحلقات على هذه
القضية التربوية الخطيرة في بناء الدعوة والدعاة، حيث نستعرض في هذه الحلقات مفهوم
الذاتية، وصفات الفائزين بها، ومنهج القرآن والسنة في بيانها وغرسها في نفوس
المؤمنين، وما هي عوامل ضعفها في النفوس، وما هي السبل الناجحة لاكتسابها؟
يعني بـ
«الذاتية» أن تكون بواعث انطلاقة الداعية لتربية نفسه وغرس معالم الشخصية
الإسلامية منبعثة من ذاته، التي تستمد وقودها من حقائق الإيمان بالله واليوم
الآخر، ومشاعر الرجاء بالوعد والخوف من الوعيد، ومقاصد ابتغاء رضوان الله تعالى
والفوز بجناته وعتق النفس من نيرانه، وقناعات فكرية أنه لا سبيل للسعادة ولا طريق
لنصرة الدين إلا بالعمل الدؤوب، وإدراكات واقعية بأن المسلم مسؤول أمام الله تعالى
عن إصلاح الواقع المؤلم بقدر استطاعته.
فالداعية ذاتي
الانطلاق والعمل، هو الذي تيقظت في قلبه وعقله تلك الحقائق والمشاعر والمقاصد
والقناعات والإدراكات، فلا تحتاج نفسه إلى دفع متواصل للعمل لنفسه ولدعوته، بل هو
ممن تكفيهم الإشارة، فلا تراه إلا غاديًا ورائحًا في إصلاح نفسه ودعوة غيره.
وباختصار شديد أن يكون كرسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع له علم فشمر إليه».
وفي التربية
الذاتية ينبغي أن يكون الجهد الأكبر في تربية النفس وبناء معالم الشخصية الإسلامية
فيها واقعًا على الذات البشرية وبنشاطها الذاتي، وفيها يكون الحكم على نفسك بنفسك.
فالرقابة ذاتية، ومحاسبة النفس ذاتية، وأداء العبادة بفرائضها ونوافلها ذاتيًا،
واكتساب الفضائل من الأخلاق ذاتيًا، واجتناب الرذائل منها ذاتيًا. كل ذلك من خلال
الاستعانة بالله تعالى والاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم ونصح الناصحين من
الأخيار، عملًا بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).
فردية التبعة: بذرة الذاتية
أساس التربية
الذاتية وبذرتها التي تنشأ منها هو ذلك المبدأ العظيم «فردية التبعة»، أي
المسؤولية الفردية والذاتية عن النفس البشرية أمام خالقها عن أعمالها. ولنستعرض
المنهج القرآني في ترسيخ هذا المبدأ: لقد تناول القرآن الكريم بيان مبدأ فردية
التبعة من عدة وجوه منها:
1. بيان الحالة
الانفرادية للإنسان يوم القيامة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا
جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ
وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ
شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 33-37). «فلن ينشغل أحد بأحد».
2. بيان أن ثمرة
الهداية عائدة على الإنسان ذاته وكذلك الضلال: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ
اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ
عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41). ومسؤولية الاختيار يتحملها الإنسان
بنفسه.
3. تقطع جميع
الوشائج والصلات والشفاعات إلا بإذن الرحمن: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا
خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: 94).
4. تقرير أن
الإنسان محاسب على سعيه هو دون غيره: قال تعالى: ﴿وَأَن
لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40)
ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ (النجم: 39-41). وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ
كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾ (الإسراء: 13-14).
5. قطع الأمل
بأن يحمل وزر الإنسان وسيئاته غيره ولو كان ذا قربى: قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ
مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا
قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (فاطر: 18).
وقد أبان
المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة العظمى، مبتدئًا بأهله وأحب الناس إليه
بأوضح صورة وأصدق تعبير. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214) دعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي
أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم
أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة
أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا».
أثر مبدأ فردية التبعة
إن شعور كل فرد
بأنه مجزي بعمله لا يؤاخذ بكسب غيره ولا يتخلص هو من كسبه عامل قوي في يقظته للنظر
في نفسه ولمحاسبتها قبل أن تُحَاسَب. ولهذا الأمر أثر حاسم في الشعور الأخلاقي
والسلوك العملي.
هذه الحقيقة
العظمى تثبت الشعور بالمسؤولية المباشرة عن النفس وتزيل كل مظاهر اللامبالاة
والإهمال والغفلة والآمال المخادعة. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال عن قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن
نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
(النحل: 111). «وهو تعبير يلقي ظل الهول الذي يشغل كل امرئ بنفسه ويجادل
عنها لعلها تنجو، فالتبعة فردية والحساب شخصي ولا تغني نفس عن نفس شيئًا».
فواجب الفرد
تجاه ربه قائم ولو كان في جماعة، ومسؤوليته عن نفسه كذلك ثابتة ولو كان في جماعة،
وإنما هو محاسب على إحسانه، ولن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح.
وهذه الحقيقة إن ثبتت في قلوب الدعاة فإنها ستثمر الذاتية في تربية النفس والذاتية
في العطاء والعمل. وكما يقول سيد قطب رحمه الله: «فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل
فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه بوصفه طرفًا من حق الله في نفسه.. فهو مأمور أن
يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه، وفي جهده ونصحه، وفي إحقاق الحق في المجتمع
وإزهاق الباطل، وفي تثبيت الخير وإزاحة الشر والمنكر، وكل أولئك يحسب له أو عليه
في صحيفته يوم يلقى الله فردًا فيتلقى هناك جزاءه».
إن مبدأ فردية
التبعة قائم على الإرادة والتمييز العقلي للإنسان، وعلى العدل المطلق من الله
تعالى، وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان بكرامته وتستجيش اليقظة الدائمة في
ضميره، وكلاهما من عوامل التربية. يروى عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل
يدعى يوم القيامة إلى الحساب فيقال: «يا فلان بن فلان هلم إلى الحساب»، حتى يقول:
ما يراد أحد غيري، لما يُحَضَّرُ به من الحساب.
أقوال تربوية
التواضع: قال
علي رضي الله عنه: «طوبى لكل عبد نُوَمَة، عرف الناس ولم يعرفه الناس، وعرفه الله
منه برضوان، أولئك مصابيح الدجى، تُجَلَّى عنهم كل فتنة مظلمة، أولئك ليسوا
بالمذاييع البُذُر، ولا الجفاة المرائين» (التواضع 34).
الثبات على
المبدأ: قال سعيد بن عتبة: «ولست وإن أدنيت يومًا ببائع خلاقي ولا ديني ابتغاء
التحبب. وقد عده قوم تجارة رابحة، ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي» (العقد 1/ 68).
المتغيرون
بالمنصب: قيل لعبد الله بن الحسن: إن فلانًا غيرته الولاية، قال: «من ولي ولاية
يراها أكبر منه تغير لها، ومن ولي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغير لها» (العقد
1/ 81).
صفات جامعة: قال
ابن مسعود: «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سُرُج الليل، جُدَدَ
القلوب، خُلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض» (التواضع/35).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل