; المجتمع الأسري- العدد 1117 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري- العدد 1117

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

مشاهدات 218

نشر في العدد 1117

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

اعترافات زوجة: وهم السعادة

نشأت في عائلة متدينة، كان أبي موظفًا بسيطًا، كل همه من الدنيا الستر والصلاح، وقد تشربت مبادئه تلك بقوة فنشأت محبة لطاعة الله تعالى حريصة على الالتزام بها.

في سن الثامنة عشرة تقدم أحدهم لخطبتي، يومها رأيت أن الأمر لا زال مبكرًا على الزواج وقد رغبت في إتمام دراستي، لكن أبي كان له رأي مختلف قال لي بطبيبته المعهود: «يا بنتي الزواج ستر للمرأة، وأنا راغب في تزويجك، بإمكانك إتمام تعليمك بعد الزواج، سأتفق على هذا الأمر مع خطيبك».

لم أعتد وأنا الابنة المطيعة البارة بوالديها أن أعصي أمرًا لأبي لذلك وافقت راضية، فقد كنت مقتنعة بأن أبي يريد لي الخير أكثر من أي شخص آخر.

تم الزواج وانتقلت إلى بيت زوج سعيدة فرحة، غير أن فرحتي تلك لم تطل فقد اكتشفت بعد الزواج بفترة بسيطة أن زوجي رجل فاسق، مضيع لماله على موائد الخمر والميسر.

لقد أخطأ أبي الطيب حين لم يحسن السؤال عن هذا الرجل فقد كان لطيبته يحسن الظن بالناس جميعًا، كان يعتقد أن جميع الرجال في مثل تدينه، وكان لديه اعتقاد راسخ أن من يتقدم إليه طالبًا مصاهرته لا بد أن يكون على شاكلته في الدين والورع!!

حاولت أن أرضى بنصيبي وأن أقنع بزوجي على علاته، وأن أعمل جاهدة على إصلاحه بالحسنى ما استطعت.

مع الأسف لم تنجح محاولاتي معه، وراحت أخلاقه ومعاملته لي تسوء على مر الأيام.

كان يعود آخر الليل مخمورًا ليضربني ضربًا مبرحًا دون ما سبب جنيته، وزاد كم الدموع التي ذرفتها على وسادتي حزينة مقهورة.

لم أصارح أحدًا من أهلي بمعاناتي، كتمت عذابي في قليب، لم أكن أريد أن أصدمهم بالواقع المؤلم الذي أعيشه خصوصًا أبي الطيب ورحت أبتهل إلى الله تعالى أن يهدي زوجي ويصلح من شأنه.

مرت السنوات وحالي مع زوجي لا يتغير بل يزداد سوءًا، حتى نحل جسمي وشحب لوني وحاصرتني أمي يومًا بشكوكها، يومها كنت قد عانيت ما عانيت وبت ليلة آرقة مسهدة.. لم أحتمل عذاب السنين الذي احتملته في قليب فانهرت باكية وصارحت أمي معاناتي مع ذلك الوحش الذي تزوجته!

فزعت أمي من اعترافي المؤلم وهي التي كانت تظنني أسعد الزوجات، وسرعان ما نقلت الخبر إلى أبي الذي تلقاه ذاهلًا وجاءني كي يتحقق من الأمر بنفسه: أصحيح ما سمعته من والدتك؟ هززت رأسي باكية: صحيح يا أبي.. منذ سنوات وأنا أرغب في الطلاق لكني لا أحب أن أزعجك أنت وأمي.

قال أبي في أسى: غفر الله لك يا بنتي.. سعادتك من سعادتي لِمَ لم تصارحيني بمعاناتك معه منذ البداية؟

قلت في أسى: أعتقد أن حاله سينصلح، لكن حاله ما فتئ يزداد سوءًا.

هز أبي رأسه ذاهلًا غير مصدق.. وأنا الذي اعتقدت أنني زوجتك من شاب صالح.. كم ظلمتك يا بنتي!!

تم الطلاق، وكانت سعادتي به شديدة، شعرت بأنني أولد من جديد، لقد انتهى ذلك الكابوس المرعب في حياتي.

عدت لبيت أهلي أتمتع برعاية أبي وحنان أمي وكأنهما أرادا تعويضي عن سنوات العذاب والمعاناة.

لم أفكر كثيرًا في لقب «مطلقة» الذي صرت أحمله، فقد كانت سعادتي بخلاص من أسري كبيرة، كنت كالغريق الذي كان يبحث عن خشبة النجاة لتنقذه من الغرق، وقد كان الطلاق هو طوق النجاة.

بعد طلاقي بفترة بسيطة تقدم رجال عديدون للزواج مني، فأنا لازلت صغيرة وجميلة ولم أرزق من زوجي الأول بأطفال.

هذه المرأة طمأنني أبي أنه لن يختار لي سوى الزوج الصالح الذي عرفه معرفة وثيقة وقد كان هذا شرطي أيضًا، إذ لم أكن أعبأ بالمركز أو الحسب بقدر ما كنت أرغب في الزوج الصالح المتدين الذي يلتزم بتعاليم دينه وينتهي بنواهيه، لذا فقد تكرر رفضي لكثير ممن تقدم خاطبًا؛ حيث إن شرط التدين لم يتوفر في أغلبهم وقد أثرت أن أمضي حياتي وحيدة على أن أعيد التجربة مع زوج جديد يكرر مأساتي الأولى.

ذا مساء زارنا شقيقي الأكبر عارضًا علي الزواج من صاحب له عُرف بتدينه وتقواه وقد كان ذا زوج وولد.

عرض والدي الأمر عليّ مبينًا أن شرط التدين الذي طالما تمنيته قد توفر في هذا الشاب، لكن الأمر لي في أن أرغب برجل متزوج.

قلبت الأمر من جوانبه العدّة وقد رأيت أن الاقتران برجل متدين ومتزوج أفضل على أية حال من الاقتران بشاب أعزب لكنه بعيد عن تعاليم دينه وهكذا تزوجت وأنا سعيدة بأن الله تعالى قد أنعم علي بالزوج الصالح أخيرًا.

كان زوجي يصغرني بخمس سنوات، لكنه لم يبال بهذا الأمر ولم أعبأ به أنا كذلك ومضت حياتي معه سعية هانئة وكان يقسم وقته بيني وبين زوجته الأولى بالتساوي.

مع مرور السنوات لاحظت أن زوجي كثيرًا ما يمزح معي حول موضوع السنوات التي أكبره بها.. في البداية كنت أتقبل مزاحة ببساطة وأشاركه فيه، ثم مع الوقت صار يتمادي في هذا الأمر كثيرًا حتى بت أتضايق منه تدريجيًا، ورحت أطلب منه أن يكف عن ذلك.

لم يستجب زوجي لمطلبي وراح مع الوقت يذكرني حول كل صغيرة وكبيرة أنني أكبر منه سنًا وأنني يجب ألا أنسى هذا الأمر!!

إذا ما رغبت في شراء فستان جديد راح يعايرني قائلًا: لست صغيرة لترغبي في هذا الأمر، دعي هذا للفتيات الصغيرات.

كان يغدق حنانه ورعايته على زوجته الأولى التي هي أصغر مني، أما أنا فقد كنت في نظره كبيرة على هذه الأمور، وحتى بالنسبة للعدل والقسمة بيننا نحن الزوجات كان يرى أنني بحكم أنني الكبرى أنني يجب أن أتنازل عن أشياء هي من حقي فمثلًا إذا ما أخذ زوجته وأطفاله في رحلة سياحية، وطلبت منه أن يكون دوري معه في الرحلة القادمة أعترض على ذلك قائلًا بسخط: أنت كبيرة على هذه الأمور.

إذا ما عاد إلى البيت مساءً ورآني أضع بعض مساحيق الزينة على وجهي صاح مستنكرًا: «ماذا دهاك؟ أنت لست شابة صغيرة أنت في الثلاثين».

أجل كنت في الثلاثين، لكنه كان يشعرني دائمًا كما لو أنين كنت عجوزًا في السبعين!!

في صباحه ومساءه كان يذكرني دومًا بمسألة السن وأنني كبيرة وبالتالي ليس من حقي أن أطالبه بكذا وكذا.

لقد حاولت جهدي أن أكون له نعم الزوجة الصالحة المطيعة القانعة باليسير، وقد حاولت أن أتغاضى عن أمر معايرته لي أمر السن إلا أنه كان يزداد إمعانًا لي وإذلالًا، كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أنني بحكم أني أكبر منه سنًا أن لا بُدَّ وأن أقدم تنازلات مقابل هذا الأمر، وبدأت معاناتي معه تزداد يومًا فيومًا، فإهانات لي راحت تكرر.. حتى المرض حين أمرض كان يستنكره عليّ فأنا في رأيه كبيرة السن وهذا تمارض مني ودلع!!

كم ذكرته بسيرة الحبيب المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام ومع أم المؤمنين خديجة، وكيف كان لها خير الأزواج وهي التي تكبره بخمسة عشرة عامًا، لكنه كان حين يسمع تلك المواعظ مني كان يهزأ مني ساخرًا: أتريدين أن تعلميني الدين، وأنا الشاب ربيب المسجد منذ صغري!

لم تفلح توسلاتي ولا بكائي ولا دعائي له، وراحت إهاناته لي تزداد مرارة وحدة حتى خشيت أن يمنعني يومًا من أن أتنفس بحجة أنني أكبر منه سنًا!!

لم أستطع الاحتمال أكثر مما احتملت في زواجي الأول كانت معاناتي جسدية وفي زواجي الثاني كانت معاناتي قلبية.. كان جرح قلبي كبيرًا!! عدت أحمل لقب مطلقة للمرة الثانية وتلاشي وهم السعادة الذي كنت أبحث عنه مع الزوج الصالح الذي كان تدينه سطحيًا لم يتغلغل إلى عظمة الإسلام وسماحته.

زوجة

«دش» في بيتي.. رغم أنفي

رن جرس الهاتف وكانت صديقتي ألقت السلام ولم تقل سوى جملة واحدة، احضري عصرًا، أريدك لأمر مهم، عند العصر أوصلني زوجي عندها، وما إن دخلت وسلمت عليها حتى قبضت على يدي وقادتني إلى غرفة نومها، ثم أدارت مفتاح جهاز التلفاز، وقالت لي بهدوء مريب: انظري ودققي، فنظرت، رباه!! ما هذا؟ قنوات عالمية وعربية كثيرة، ومناظر خادشة للحياء ومنافية للدين، كل هذا يأتي متتابعًا على قناة واحدة، كأن هناك من يغير القنوات باستمرار بواسطة «الريموت»، أعوذ بالله مما أرى، «دش» في بيتكم يا فلانة؟ لا أصدق عيني، أنتم أهل الصلاح والتقوى؟ ولم تدعني صديقتي أكمل كلامي، وضعت يدها على فمي وأجلستني، على رسلك يا أختي، وهل يعقل أن نفعل هذا، وندخل بيتنا بؤرة فساد؟! نعم.. كيف ظننت بصاحبتي ظن السوء، أستغفر الله العظيم، حقًا إن بعض الظن إثم، لقد عرف عن صديقتي حرصها الشديد على تربية أولادها تربية إسلامية صحيحة، فهي التي تشتري لهم الكتب والقصص والأشرطة السمعية والمرئية، فتسمعها وتراها قبل أن تقدمها لهم، وتجلس لتقرأ قصص الأطفال ومجلات وكتب الأطفال قبل أن تضعها بين أيديهم، فتستبعد كل ما يمس دينهم أو أخلاقهم، وهي تقتني جهاز التلفاز من أجل أن يرى أولادها أشرطة الفيديو الدينية والعلمية والثقافية والقصصية التي تحضرها لهم من هنا أو من دول مجاورة، ليكون هذا البديل الأمثل عن برامج التلفزيون التي لا تخلو من ضرر، لهذا عندما رأت برامج القنوات الفضائية، صُعقت ولم تصدق، وقامت بنقل الجهاز إلى غرفة نومها لتبعده عن الأولاد.

سألتني صاحبتي وقد بدا على محياها الخوف والحيرة: ماذا لو رأت بناتي المراهقات وأخوهن المراهق بعض هذه المناظر؟ لا، لن أسامح نفسي أبدا، سأغلق باب غرفتي المفتاح كلما خرجت منها حتى نرى لهذا الأمر حلًا، لك الله يا أختي، أنت تخافين أن يرى أولادك بعض المناظر وهناك من الأمهات من تلح على زوجها بل وتجبره أن يشتري لها «دشًا» تضع صحنه فوق سطح بيتها ليراه الغادي والرائح، تتباهى بالمنظر وتتفاخر بالمعصية وتترك أبناءها وبناتها يتابعون برامجه طوال الليل وينامون عند الفجر، ليس لهم من عمل إلا الجلوس أمامه، يمسخ عقيدتهم ويدمر أخلاقهم ويفسد تصوراتهم ويشوه فطرتهم، بماذا سيجيب هؤلاء الآباء عندما يسألهم رب العالمين يوم القيامة عن الأمانات التي خانوها؟ وحينها سيندمون ولكن حيث لا ينفع الندم، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ٥٦﴾ (الزمر: 56)، بعد يومين كلمتني صاحبتي بالهاتف، وأخبرتني أنها عرفت من أين يأتيهم البث، فسألتها بلهفة، من أين؟ أجابت من جيراني الجدد الذين يسكنون المبنى المقابل لنا، وهم عائلة كبيرة موزعين على طابقي المنزل، ولديهم جهازًا صغيرًا يوزع البث الفضائي على جميع أنحاء المنزل، وبهذا يصل البث إلى بيوت الجيران، رغم أنوفهم.

أم صهيب جعابو

الرابط المختصر :