; تحت ضوء الإسلام.. فشل محاولات التغريب | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام.. فشل محاولات التغريب

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987

مشاهدات 63

نشر في العدد 815

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 28-أبريل-1987

▪ ليس في الإسلام حكومة إلهية معصومة من الخطأ كما هو الشأن في مفهوم الغرب

يمكن القول اليوم إنه بعد هذه الجولة من الصراع الذي أنشبه الغرب في الإسلام خلال أكثر من قرنين من الزمان، وهو يملك كل قوى السيطرة والتمويه والتشكيك، تستطيع أن تقول إن نتيجة ذلك لم تحقق للغرب ما كان يتطلع إليه من هدف هو في الأساس «تغريب» الإسلام والمسلمين واحتوائهم في دائرة فكره وحضارته، وصهرهم في بوتقته على نحو يقضي على ذاتيتهم الخاصة وتميزهم الذي تشكلوا عليه منذ أربعة عشر قرنًا، في محاولة لخداعهم بأن يصبحوا عصريين وتقدميين، وأن يمتلكوا القوة والنفوذ في دائرة حضارة عالمية وثقافة بشرية عامة تتنكر لكل قيم التراث والأخلاق والدين.

ذلك أن الجذور الإسلامية المغروسة في أعماق التربة كانت من القوة بحيث إنها أعجزت كل محاولة لاجتثاثها، وإذا كانت الحضارة الغربية قد استطاعت أن تصهر أممًا أو دولًا في دائرة نفوذها أو فكرها فإنه لم يكن من اليسير أن يتحقق هذا مع الإسلام: ذلك أن الإسلام هو أساس ذلك المنهج الرباني الخالد الذي جاء ليظهره الله على الدين كله، وليقدم للبشرية المنهج الأسمى بعد أن أصبحت قادرة على امتلاك منهج عالمي إنساني في رسالة للناس كافة.

ولقد أعان المسلمين على مقاومة الاحتواء ما رسخه الإسلام في نفوسهم وعقولهم ووجدانهم من أنهم يملكون أرقى المناهج ومن أنهم مطالبون بإبلاغ هذا المنهج إلى العالمين جميعًا.

وقد كانت حركة اليقظة الإسلامية في مواجهة التغريب والغزو الفكري قادرة على أمرين أساسيين:

أولًا: كشف فساد منهج الغرب وبشريته وعجزه عن العطاء الحقيقي.

ثانيًا: كشف عظمة المنهج الإسلامي وقدرته الوافرة على تقديم الزاد الروحي والمادي الجامع للنفس الإنسانية المتطلعة إلى أشواقها.

ولقد تنامت هذه الحركة حتى وصلت إلى مرحلة حاسمة: هي أن مثقفي الغرب أنفسهم وفلاسفته هم الذين أصبحوا الآن يحملون لواء هذا المفهوم، وهم الذين يكشفون لقومهم عجز الأيديولوجيات البشرية عن العطاء وفشلها خلال أكثر من قرنين في تحقيق المطامع التي تتطلع إليها أشواق الوجدان الغربي المنسحق تحت ضربات المادية والإباحية، ذلك أن مثقفي الغرب عندما أحسوا بعجز الدين الغربي عن العطاء، تخلوا عنه وذهبوا يبحثون في أديان الغرب والشرق، فلم يجدوا في البوذية والكنفوشوسية وغيرها ما يمكن أن يملأ قلوبهم إيمانًا، ولذلك فقد اتجهوا نحو الإسلام فوجدوا فيه ما كانوا يتطلعون إليه.

وجدوا في الإسلام ما عجزت عنه الأيديولوجيات الغربية: وأهم ذلك كله وأخطره: البعد الرباني للمجتمعات والحضارة، حيث يحاول الفكر الغربي أن يتحرك في دائرة أسماها «الطبيعة» منكرًا وجود الله تبارك وتعالى، ومندفعًا وراء التفسير المادي الذي يتنكر لحقيقة الوجود الإنساني الجامع بين المادة والروح، وبين العقل والقلب، وبين الدنيا والآخرة، ثم ذلك الموقف الخطير من إنكار المسؤولية الفردية والجزاء اللا فردي، وقد كان لكل هذا أثره البعيد في اضطرابات سير المجتمعات الغربية وانحرافها.

ولا ريب أن قصور التصور عن دور الخالق «تبارك وتعالى»، وتجاهل البعد الرباني للمجتمعات والحضارة هو مصدر الأزمة والفساد في كل المناهج الحديثة، فلا بد من معرفة السببية والغائية، فإذا نظرنا في جميع معطيات النظريات الحديثة في النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة والأدب والفن وجدنا هذا القصور الواضح العميق البعيد المدى في مغايرة التصور البشري أساسًا وإليه يرجع الأمر كله، وإن الحياة الإنسانية يجب أن تتوجه إلى إسلام الوجه لله وإقامة منهجه في الأرض، وهذا هو المفتاح الحقيقي للأزمة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الغرب.

أما في بلاد الإسلام فإن الخطر يمثل في مناهج ثقافية وتعليمية خالية من مفاهيم تكامل الإسلام عقيدة وشريعة، والإصرار على تشكيل عقليات مادية مفرغة من الولاء لله تبارك وتعالى خالقها وهذه هي علة العلل ومصدر الأزمة كلها.

إن أخطر قضية تواجه المسلمين اليوم هي محاولة فرض مفاهيم وافدة عن طريق السيطرة على الإعلام وأدوات التوجيه والتسلية والصحافة والمسرح والسينما، هذه المفاهيم التي توهن من القيم الإسلامية وتسخر منها وتحتقرها في محاولة جادة متكررة منوعة «ماركسية وليبرالية وعلمانية» وفي مختلف المجالات: الأدب، العلوم، القانون، الاقتصاد، حتى يسقط الحائط الحاجز، حائط المناعة عند المسلمين فيستلمون للفكر الوافد تمامًا، إن هذه القوى تسيطر على كل ما يصل إلى سمع المسلم وبصره من أدوات وعن طريق أسماء لامعة ووسائط متغيرة متعددة كلها تعزف معزوفة واحدة، الكل يعرفها، لأن الكل مشترك في مؤامرة حجب الإسلام عن أهله وعن المتطلعين إليه من أهل الغرب، ومن ثم فإن الأسماء المتصدرة ليست لديها قدرة حقيقية على العطاء وليست عارفة بأبعاد الخطر، وليست ذات كفاية قادرة أو فهم واسع عميق لأبعاد مخطط التغريب.

ومن شأن هذا أن يهيئ الجو لمفهوم الإسلام الناقص المبتور الذي تحاول قوى الغرب غرسه في محيط المسلمين مقصوص الجناحين: جناحي التوحيد والجهاد، ومن هنا تسري دعوات الاستسلام والعجز عن حماية النفس أو الردع أو استرداد الحق أو استعادة الأرض أو إقامة المجتمع الرباني.

إن انهيار الفكر الغربي وعجزه عن العطاء يجب أن يكون سلاحنا لمواجهة خطره، فنحن المسلمون لسنا في حاجة إلى اقتباس حضارة في مرحلة الانهيار، ولدينا أسلوب عيشنا ونهج حياتنا، وهو منهج رباني، وما حاجتنا فيما عند الأمم المتقدمة ماديًا إلا إلى شيء واحد هو عناصر التقدم المادي لتكون مادةً خامًا بشكلها في دائرة فكرنا ووجودنا لا أن ننصهر نحن في حضارة الأمم.

إن التعريب يحاول أن يدمر القواعد التي أقامها الإسلام:

إن أول قواعد الإسلام هي: الوحدة الجامعة، وليست دعوة الغرب إلى القوميات والأقليات إلا أخطر محاولاته لرد البشرية إلى الاستعلاء بالعنصر والدم.

أما المحاولة الثانية فهي الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة على نهج النظام الغربي، بينما تقوم قاعدة الإسلام السياسية على تكامل الدين والسياسة، وذلك هو ما يسمى بالعلمانية.

أما المحاولة الثانية فهي فرض النظام الربوي الذي يتعارض مع مفهوم الإسلام الذي يحرم الربا ويعلن عليه الحرب ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (البقرة: 279)، إن مفتاح الموقف الراهن كل شيء واحد:

هو انصراف المسلمين عن منهج الله تبارك وتعالى وقبولهم المنهج البشري، وبذلك حل بالمسلمين من غضب الله ونقمته وبأسه الذي لن يرفع إلا إذا عاد المسلمون إلى منهج الله.

وليعرف المسلمون أنه ليس هناك مكان للعلمانية في المجتمعات الإسلامية، لأنه ليس هناك ازدواج للسلطة يترتب على نظرة الإسلام إلى الدنيا أو الحياة المادية على نحو ما للكنسية من نظرة معينة خاصة إلى المادة.

ليس في الإسلام حكومة إلهية معصومة من الخطأ كما هو الشأن في مفهوم الغرب، وإنما هناك حكومة مدنية أو سياسية عامة.

إن كشف هذه الحقائق هو الخطوة الأولى في بناء المنهج الإسلامي وتحريره من شبهات الغرب ومؤامراته.

الرابط المختصر :