العنوان المستشار الأستاذ سالم البهنساوي يحاضر في جمعية الإصلاح الاجتماعي حول خصائص التشريع الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987
مشاهدات 106
نشر في العدد 811
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 31-مارس-1987
ألقى المستشار الأستاذ سالم البهنساوي محاضرة قيّمة يوم الثلاثاء 10/3/1987في مقر جمعية الإصلاح الاجتماعي حول خصائص التشريع الإسلامي، وقد حضر جمع من الشباب للاستماع إلى هذه المحاضرة القيّمة، وقد تحدث فيها المحاضر الكريم عن خمس خصائص هامة للتشريع الإسلامي تميزه عن سائر التشريعات الأخرى سواء كانت سماوية أم وضعية، فإليكم مُلخص ما وَرَدَ في هذه المحاضرة القيّمة:
نحن اليوم أمام نبأ عظيم هو امتداد للنبأ العظيم الذي قال الله تعالى عنه: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ﴾ (النبأ: 1-3)، ذلكم النبأ هو أقوال ومزاعم بعض العلمانيين من العرب- أتباع اليمين واليسار- من أن شريعة الله لا تصلح لإنسان هذا العصر، وكأن إنسان هذا العصر قد خلقوه هُم، أو إنه إنسان آخر غير الإنسان الذي خلقه الله، والذي من أجله نزل التشريع، صدق الله- سبحانه وتعالى- إذ يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (فاطر: 40)، بعون الله تعالى سوف نتناول في هذه المحاضرة خصائص التشريع الإسلامي.
خصائص التشريع الإسلامي:
أول خاصية من هذه الخصائص أنه تشريع معصوم من الخطأ؛ لأنه من عند الله- تبارك وتعالى- الذي خلق الإنسان والكون والحياة، وهو العليم بما يصلح هذا الخلق، قال عن نفسه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ١٤)، فكما أنه لا خالق مع الله، ولا شريك له في الخلق، فلا شريك مع الله في الأمر، وهو التشريع، ولهذا قال الله تعالى عن نفسه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54).
إن أولئك الذين يقولون: إنا نوافق على جانب العبادات، أما التشريع والمعاملات فيختارون ما ظنوا أنه يناسب عصرهم، فكأنما يقولون: إنا شركاء مع الله في هذا الجانب، قال أحد علماء النصاري في هذا- وهو الدكتور نظمي لوقا- في كتابه محمد الرسول والرسالة: «تزعم العلمانية الأوروبية ويزعم النصاري معها أن المسيح قال دع ما لقيصر ودع ما لله لله»، وكأنهم قسموا هذا العالم إلى شطرين، شطر لله، وشطر لقيصر، ثم يقول نظمي لوقا: إن القرآن الكريم يرد على هؤلاء جميعًا في عبارة واحدة هي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154)، ومن هنا فهذا التشريع- ولأنه من عند الله- ما زال يتحدى البشرية جمعاء؛ لأن يثبت أحد منهم، أو يثبتوا جميعًا، أن حُكمًا وَرَدَ في القرآن والسُنة النبوية قد اعتراه النقص أو الخطأ...
نزلت آيات كثيرة من الأحكام على العرب، وكانوا أُميين، لا يعلمون شيئًا، بل كانت الإنسانية كلها في جهالة لا تعلم شيئًا عن العلم والطب والأبحاث، نزل القرآن يحرم الخمر، ويحرم لحم الخنزير، وأمورًا كثيرة لا تعلم الإنسانية عنها شيئًا عن أضرارها، بل كانوا يظنون أن فيها منافع، نزل القرآن الكريم وقطع بتحريمها، هل أثبت هؤلاء مجتمعين أن شيئًا من أحكام الله تعالى في القرآن والسُنة قد اعتراه الخطأ؟ إن أبحاث غير المسلمين تثبت صحة كل ما وَرَدَ في القرآن والحديث في هذا الشأن أو في غيره، ومع هذا نرى هؤلاء الذين يأكلون على موائد اليمين واليسار، يزعمون أن تشريع الله لا يصلح لهذا العصر، لا يستطيع أي منهم أن يذكُر مثلًا واحدًا لم يصلح فيه تشريع الله لهذا الأمر.
ولو جلسنا لنحصر ما كتبه الأوروبيون عما وَرَدَ في القرآن والسُنة من أمور حرام، وكيف إنها تفتك بالإنسان، وخاصة الفواحش التي ظنوا أنهم يستطيعون حماية الإنسان من أضرارها ببعض الملذات، ثم أتاهم ما يعرف اليوم بمرض فقدان المناعة المكتسبة «الإيدز»، ولن يقف الأمر عند حد هذا المرض؛ فإن الله- سبحانه وتعالى- ما قطع بحرمة شيء إلا ثبت أنه ضار للإنسان، ومع هذا يجرؤ أقوام، و يا ليتهم كانوا من غير العرب، أو من الذين يجهلون لغة القرآن الكريم، ولكنهم يحملون أوجهًا عربية ولسانًا عربيًا، ولكنهم يتكلمون بفكر غير عربي، وغير إسلامي، وكأنهم قد وكلوا من هؤلاء الذين توارت اليوم اعتراضاتهم على الإسلام أمام هذه الأبحاث الكثيرة التي لا ينكرها إلا كل جاهل وقاح.
الخاصية الثانية من خصائص التشريع هي انعدام الصراع بين الفرد والمجتمع، جميع الأنظمة البشرية نرى فيها الصراع بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، منها ما يغلب مصلحة الفرد بصورة تهدر حقوق المجتمع، ومنها ما يغلب مصلحة المجتمع، تجعل الفرد كالحيوان، بل إن الحيوان تكون له حقوق أكثر من الإنسان في الأنظمة التي تدّعى أنها جماعية وشعبية، بينما الأمر فيها بيد حفنة من الناس يزعمون أنهم يحددون مصلحة الشعب، والشعب لا ينطق ولا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة للمطالبة بحقوقه.
أما الإسلام فلأنه من الله- تعالى- يوفق بين المصلحتين: مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فقبل أن توجد الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية، ومنذ أن نزل التشريع على آدم، وإلى أن انتهى بخاتم النبيين، وهذا التشريع يوفق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، تشريع قال الله فيه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: ٢٥).
فبسبب توفيق التشريع الإسلامي بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، لا يستطيع الفرد أن ينسلخ من مصلحة المجتمع، ولا يستطيع المجتمع أن يتخلى عن هذا الفرد؛ لأنهم جميعًا كاليد الواحدة، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، ولهذا فإن التشريعات الإسلامية قد قامت على نوعين: نوع يحفظ حقوق الفرد من حقوق الملكية والأسرة وغيرها، ونوع يحفظ حقوق المجتمع حفظًا تتدخل فيه الدولة بقوة التشريع والقانون لعلة قال الله- تبارك وتعالى- عنها في توزيع المال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر:7)، ولذلك وجد في الإسلام نظام الحمى قبل ظهور كل الأنظمة الوضعية التي نسمع عنها الآن. قال عليه الصلاة والسلام: «لا حمى إلا لله ورسوله»، ووجد الإقطاع الذي حرفته الأقلام المأجورة، وهو أن يقطع الوالي- أو أمير المؤمنين، أو خليفة المسلمين- أراض للمستضعفين الذين لا يستطيعون التكسب، وأن يحفظ لهم هذه الأراضي، وذلك يختلف تمامًا عن الإقطاع المعروف في أوروبا، الذي كان نوعًا من الرِق يتملك فيه السيد الأرض بمن عليها من البشر وما عليها من الحيوانات، وذلك لا وجود له في الإسلام البتة، ولكن المرجفين في الأرض حرفوا ما وَرَدَ في كُتب السيرة أن النبي أقطع لفلان كذا وكذا، فراحوا يصيحون بأن الإسلام فيه إقطاع، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).
والخاصية الثالثة من خصائص التشريع الإسلامي هي أن الإسلام ينفرد عن سائر التشريعات أن دولته وتشريعه دولة وتشريع ذات رسالة إنسانية، بينما أن جميع النظم الحديثة تجعل مقومات الدولة من الأرض والشعب والقانون- وكل هذه المقومات- عناصر مادية بحتة، أما الإسلام فيضيف إلى ذلك أن تكون لهذه الدولة ولهذا التشريع رسالة إنسانية، وتدل على ذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم، نذكر منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41)، هذه الرسالة الإنسانية التي يطلب الإسلام من الدولة والتشريع القيام بها لا تقف عند المسلمين وحدهم، إنما تتسع لجميع البشر الذين خلقهم الله، فإن تشريع الله نزل لحماية الإنسان كإنسان، ونرى من أمثلة ذلك أن الفتوحات الإسلامية ما كانت لأمر من أمور الدنيا؛ وإنما كانت لإخراج الإنسان من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، وقد فسر النبي- صلى الله عليه وسلم- عبادة الإنسان للعباد في ذلك الحوار الذي دار بينه و بين عدي بن حاتم- أحد كبار رجال الدين النصراني- عندما فر إلى بلاد الشام بعد انتصار الإسلام في مكة، وعفو النبي- صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة، فأرسلت إليه أخته بنبأ عفو الرسول عنه وعن أمثاله ممن آذوا المسلمين؛ فعاد عدي متأثرًا ليُعلن إسلامه بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان يلبس صليبًا من ذهب؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألق عنك هذا الوثن»، وقرأ عليه قول الله تبارك وتعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ (التوبة: ٣١)، فقال عدي: يا رسول الله، ما عبدناهم، ظنًا منه أن العبادة هي السجود والركوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عدي، ألم يحلوا لكم الحرام، ويحللوا عليكم الحرام فتتبعونهم؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «فتلك إذن عبادتكم إياهم من دون الله»، ويفهم من ذلك أن إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد هو إخراج الناس من احتكامهم لتشريعات العباد ليحتكموا إلى تشريع الله الذي لا ينصف الإنسان فقط من أخيه الإنسان، ولا ينصف الزوجة فقط من زوجها، ولا الابن من أبيه، إنما ينصف الإنسان من نفسه التي بين جنبيه.
إن الحديث يطول بنا إذا أردنا أن نشرح جميع خصائص هذا التشريع، والأسباب التي جعلت البلاد التي شهدت الفتوحات الإسلامية تتلقى هذا التشريع الإسلامي بصدر رحب دون إكراه، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وهذا يتعلق بجانب العقيدة، أما التشريع الإسلامي فهو يُفرض على كل من يقيم بأرض الإسلام.
والخاصية الرابعة للتشريع الإسلامي هي أنه يجمع بين العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية، غير جميع التشريعات السماوية الأخرى والأنظمة الوضعية المستوردة، فهذه التشريعات أو الأنظمة لا تستطيع أن تراقب مخالفات الناس في السر، ولا يوجد وازع لدى أحد من الناس يمنعه من مخالفة قانون وضعي إذا سنحت له الفرصة بذلك، ومن هنا كان الوباء الخطير الذي يلحق البشرية من أثر هذا التشريع، وكانت التعديلات المتلاحقة لتلافي هذه الثغرات، وكانت الجواسيس والأنظمة البوليسية وغيرها لمعرفة هذه المخالفات.
أما تشريع الله فهو الذي زنا في سر أن يجيء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليعلن أنه زنا، و يطلب منه أن يقيم عليه الحد؛ لأنه يعلم جزمًا أنه لن يفلت من حُكم الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهل يوجد تشريع من تشريعات البشر يملك هذه الخاصية؟ إنه لا يوجد البتة.
والخاصية الخامسة من خصائص التشريع الاسلامي هي انعدام الصراع بين الرجال والنساء، والتشريعات البشرية أكثرها يقوم على إشعال نار الصراع بين الرجال والنساء، كما تقوم تشريعات أخرى على إشغال الصراع بين رأس المال والعمل، أما الإسلام فلأنه من عند الله يوائم بين هؤلاء جميعًا مواءمة يقبلها الجميع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32)؛ فالأنظمة الوضعية التي تدعي بأنها تخلق المساواة بين الرجل والمرأة لا تستطيع أن تحقق شيئًا من ذلك، فتشريع الله عندما يغير الحُكم بين الرجل والمرأة لا يغيره انحيازًا إلى المرأة أو الرجل، إنما لظروف وأسباب لا دخل لها بالرجولة والأنوثة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل