العنوان موريتانيا.. من الاستعمار حتى التطبيع
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 75
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 32
السبت 21-أبريل-2001
موريتانيا.. ذلك البلد القابع في الزاوية الشمالية الغربية من عالمنا الإسلامي يمثل نموذجًا لما خلفته الحقبة الاستعمارية من اوضاع تعاني منها الشعوب بعد عقود من رحيل الاحتلال بجنوده، وإن بقي بأشكال أخرى.
بلد صغير لكنه زاخر بتاريخ طويل ما بين فترة استعمارية حالكة ثم استقلال وصراع على السلطة، بين قوى سياسية واجتماعية متنافرة.. وهو زاخر أيضًا بتقسيمات اجتماعية وفكرية أسهمت في تشكيل خريطته السياسية.
وإذا كان هذا الخطر قد انجر مؤخرًا إلى مستنقع التطبيع مع العدو الصهيوني إلا أن الإسلام لايزال المحرك الأول فيه.
المجتمع تفتح الملف... من الاستعمار حتى التطبيع
(1من 2)
نزح أهلها من شمال إفريقيا ودخلها الإسلام عام ٧٠٨م وظلت مطمعًا للاستعمار لموقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة
لم ترحل فرنسا عنها إلا بعد تسليم سدة الحكم للنخبة الفرانكفونية وخلفت وراءها مجتمعًا متنازعًا بلا مقومات اقتصادية
الدكتاتورية المطلقة وحظر الأحزاب المعارضة خلفا سلسلة من المشكلات الداخلية والانفجارات السياسية والاجتماعية
تقع موريتانيا في الشمال الإفريقي أو المنطقة التي تعرف باسم المغرب العربي، وتحدها من الشمال الشرقي الجزائر ومن الشرق والجنوب الشرقي مالي ومن الجنوب السنغال التي يفصلها عنها نهر السنغال ومن الغرب المحيط الأطلسي ومن الشمال الغربي الصحراء الغربية والمغرب.
مناخ موريتانيا صحراوي جاف بدءًا من شهر نوفمبر حتى شهر يونيو، أما مساحتها فتبلغ ١،٠٣٠،٧٠٠كلم مربع، وعدد سكانها حوالي المليونين حسب آخر الإحصاءات في التسعينيات.
وقد نزح سكان موريتانيا من شمال إفريقيا أثناء ازدهار الحضارة القفصية في العصر الحجري الجديد واستقروا في شمال البلاد في مناطق بئر بوغرين وزويرات ونواذيبو.
وفي الفترة نفسها نزحت قبائل من إفريقيا السمراء إلى موريتانيا واستقرت في الجنوب الموريتاني وهم المعروفون اليوم باسم الزنوج الموريتانيين وحسب الباحثين فإن ۸۰٪ من السكان الموريتانيين هم من البربر والعرب الحسانيين أو البيضان - أي البيض. وهؤلاء يقطنون الشمال الموريتاني والوسط أما الزنوج الموريتانيون فيقطنون الجنوب وهم ينحدرون من النيجر والسنغال ومالي وينتمون إلى قبائل عدة مثل: بسبرة وسركولي والولوف وتوكولير والبيد.
والعاصمة الموريتانية هي نواكشوط، أما المدن الرئيسة فهي نواذيبو وقايدي، وزويرات، وروسو وأطار وكيفة.
واللغة العربية هي اللغة الأصلية والغالبة مع وجود مكثف للغة الفرنسية المنتشرة خصوصًا في وسط الزنوج الموريتانيين، وقد نص البند الثالث من أول دستور موريتاني لعام ١٩٦١م بعد التعديل على أن اللغتين العربية والفرنسية هما لغتان رسميتان في البلاد.
أما الديانة السائدة فهي الإسلام، وحسب الدستور الموريتاني فإن الإسلام هو دين الدولة وتفيد بعض الدراسات المتخصصة أن موريتانيا كانت مأهولة بالسكان منذ عصور ما قبل التاريخ، كما أن العديد من الحضارات قد توالت على موريتانيا منها الحضارة العثيرية أثناء العصر الحجري والعصور الوسطى والعليا والحضارة الحفصية التي انطلقت من تونس والتي تأثرت بحضارة وادي النيل. وفي هذه الحقبة التاريخية انتقل الموريتاني من مرحلة الرعي وتربية المواشي إلى مرحلة الزراعة ومنها إلى عصر التجارة.
وكبقية الأقطار المغاربية فقد تعرضت موريتانيا للاحتلال والغزو الفينيقي، والروماني، وقد أقام الفينيقيون على سواحل موريتانيا مراكز تجارية متعددة أشهرها ليكس، والتي سماها الرومان فيما بعد ليكسوس وهي العراش حاليًا، واستمر الفينيقيون يشرفون على المناطق الساحلية الموريتانية إلى أن انهزموا أمام الرومان في الحروب البونيقية في عام ١٤٦ قبل الميلاد.
أما الإسلام فقد دخل إلى موريتانيا مع موسى بن نصير عام ۷۰۸ بعد الميلاد، فعندما وطد المسلمون وجودهم في بلاد المغرب انطلقوا جنوبًا نحو موريتانيا لمواصلة نشر الدعوة الإسلامية.
وقد أدرك المسلمون أهمية موريتانيا من حيث موقعها الجيوسياسي الحساس باعتبارها واقعة على طريق استيراد الذهب من غربي إفريقيا.
وقد لعبت موريتانيا دورًا بارزًا في إثراء الحضارة الإسلامية وأصبحت مركز إشعاع علمي وثقافي، فالدولة الموحدية التي وحدت المغرب العربي تأسست في منطقة السوس المتداخلة بين المغرب وموريتانيا بقيادة المهدي بن تومرت، وحتى في العهد الفاطمي لعبت موريتانيا دورًا كبيرًا في توطيد أركان الدولة، ومعروف أن العرب الحسانيين الذين يشكلون النسبة العالية من سكان موريتانيا هم من قبائل معقل التي زحفت مع الهلاليين وبني سليم بأمر من الخليفة الفاطمي في مصر.
ولأن موريتانيا تحتل موقعًا إستراتيجيًا فقد تحولت إلى محل أطماع الغربيين وتحديدًا دول جنوب حوض المتوسط كالبرتغال، وقد بدأ اهتمام البرتغاليين بموريتانيا منذ النصف الأول من القرن الخامس عشر، ففي عام ١٤٣٤م نزل القائد البحري جيل أيانيش لأول مرة في رأس بوغديد الصحراوية التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من موريتانيا.
وقد ألف العديد من الرحالة البرتغاليين الكتب عن موريتانيا وشعبها في ذلك الوقت، كما أنشأ البرتغاليون مراكز للعبيد وكانوا يبيعونهم في أسواق الرقيق في أوروبا.
وكثيرًا ما استغل البرتغاليون الصراعات المستفحلة بين البراكنة والطرارزة - قبيلتان تنتميان إلى العرب الحسانيين - لبسط سيطرتهم على موريتانيا وقد خدمت هذه الصراعات الهولنديين ومن بعدهم البريطانيين والفرنسيين الذين استولوا على أقطار المغرب العربي.
كانت فرنسا وبريطانيا تتقاسمان النفوذ في موريتانيا وفي سنة ١٨٥٠م خطت فرنسا خطوة كبيرة نحو موريتانيا عندما أشرف الوالي الفرنسي فيديريب على تجهيز حملة عسكرية على قبيلة الطرارزة والتي كانت تقاوم الوجود الغربي على أرض موريتانيا، وتمكنت فرنسا من فرض شروطها على أمير الطرارزة محمد الحبيب الذي خضع للفرنسيين حفاظًا على موقعه وهذا ما دفع بعض الموريتانيين المناوئين للاستعمار الفرنسي إلى اغتياله سنة ١٨٦٠م.
وفي ٢٧ ديسمبر من عام ۱۸۹۹ م صدر قرار حكومي فرنسي بتأسيس دولة موريتانيا الفرنسية، ولاسكات إسبانيا التي كان لها وجود في موريتانيا اتفقت فرنسا معها عام ١٩٠٠م على أن يمتد النفوذ الإسباني إلى الصحراء الغربية شمالي الرأس الأبيض.
وفي مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد عام ١٩٠٦م بمشاركة الدول الأوروبية المتنافسة وهي: فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وإسبانيا، تقرر أن تكون منطقة شمال وغربي إفريقيا تحت السيطرة الفرنسية.
ومن أجل إدماج موريتانيا بشكل كامل في فرنسا أصدرت الحكومة الفرنسية قرارًا يقضي بأحقية موريتانيا في ترشيح نائب واحد يمثلها في الجمعية الوطنية الفرنسية - البرلمان.
وسمح هذا القرار - في ذلك الوقت - بتأسيس تيارات سياسية موريتانية منها:
- الاتحاد التقدمي الديمقراطي.
- حزب الوفاق الموريتاني، وكان يتزعمه خورما ولد بابانه وكان عميلًا للسلطات الفرنسية وقد أسس حزبه للتصدي للزعماء الدينيين التقليديين الذين كان لهم دور كبير في تاريخ موريتانيا.
وفي سنة ١٩٥٦م أخذت فرنسا تفكر في إدارة مستعمراتها في الشمال الإفريقي بطريقة مغايرة حتى تتمكن من التصدي للثورة الجزائرية التي باتت تهدد الوجود الفرنسي برمته في الشمال الإفريقي، فأنشأت في موريتانيا مجلسًا حكوميًا رئيسه فرنسي ونائب رئيسه موريتاني وكان هذا الموريتاني هو زعيم الاتحاد التقدمي الموريتاني مختار ولد داده.
وبعد استقلال المغرب اصطدم ولد داده معها لأنها كانت تطالب بضم موريتانيا إليها، ورفع شعار استقلال موريتانيا، أما خصمه السياسي خورما ولد بابانه فقد كان مؤيدًا لفكرة انضمام موريتانيا إلى المغرب
وقد دعم الفرنسيون ولد داده في استقلال موريتانيا وأيدوه رئيسًا وقرروا أن تكون نواكشوط عاصمة الدولة.
وفي ٢٨ نوفمبر عام ١٩٦٠ م منحت فرنسا الاستقلال الموريتانيا، وانتقلت حكومة موريتانيا الإسلامية برئاسة مختار ولد داده والذي كان عمره في ذلك الوقت ٣٦ سنة من سانت لويس بالسنغال إلى نواكشوط، وفي ١٩٦١م أصبحت موريتانيا عضوًا كاملًا في الأمم المتحدة رغم معارضة المغرب التي لم تعترف بها كدولة مستقلة إلا في سنة ١٩٦٩م.
آثار فرنسا في موريتانيا
في نواكشوط التي تعتبر من أصغر العواصم العربية عمرًا آثار كثيرة خلفها الاستعمار الفرنسي، فنواكشوط لم تكن سوى ثكنة عسكرية فرنسية على الطريق الاستعماري الذي يربط شمال إفريقيا بغربها، وكانت منطقة متوسطة نسبيًا بين المناطق التعدينية في الشمال والمناطق الزراعية في الجنوب وبين المناطق السكانية ذات الكثافة جنوبًا وتلك الموغلة شمالًا.
وفي العاصمة الموريتانية يبصر الزائر الرجال في الطرقات يرتدون زيهم المميز« الدراعة» وهي عباءة خاصة مفتوحة من الجانبين بلا أكمام وغالبًا ما يكون لونها أزرق وفي الأغلب يضعون المسواك في أفواههم.
ومن يتجول في شوارع نواكشوط وفي المدن الموريتانية المختلفة يلحظ المفارقة الكبيرة المتمثلة في الحيرة بين الماضي والحاضر، بين المجتمع التقليدي الضارب بجذوره في الصحراء والذي مازال يقوم على أسس عشائرية وبين المستقبل الذي يتساوى فيه المواطنون في إطار الوطن الواحد.
فموريتانيا تمر بمرحلة دقيقة بين مجتمع العشائر ومجتمع الانتماء الواحد ولعل صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي يلغي ملكية القبيلة هو أول محاولة لاقتحام أوضاع الصحراء والتأثير عليها، فالمجتمع الموريتاني ينقسم بحدة إلى فئات اجتماعية تقوم على الأنساب بشكل صارم ومن المألوف أن تحتفظ كل قبيلة في مكان أمين بشجرة العائلة التي تحدد القبيلة الأصلية التي تنحدر منها ويتمثل مقياس الشرف عند البدوي في نقاء نسبه ويرفض الاعتراف بأبناء القبيلة إذا كانوا ثمرة اتصال غير متكافئ.
يقوم المجتمع الموريتاني على البيضان و السودان ولفظ البيضان يطلق على الذين يتكلمون اللغة العربية، والسودان يطلق على الزنوج الذين يتكلمون اللهجات الإفريقية واللغة الفرنسية، ومثلما ركزت فرنسا على برير الجزائر والمغرب فقد ركزت على السودان في موريتانيا في محاولة لخلق مشكلة إثنية.
وقد خرجت فرنسا من موريتانيا بعد أن امتصت خيراتها، ولم تترك بها شارعًا واحدًا مرصوفًا وبقيت مدن القوافل القديمة في الصحراء على حالها، مما جعلها تستهلك دخلها المحدود في إقامة البنية الأساسية، ورغم أن موريتانيا قامت بوضع خطة استثمارية طموحة خلال السبعينيات فإن الجفاف والتصحر وما صاحب ذلك من انخفاض الناتج الرعوي أدى إلى عدم تنفيذها بالصورة المطلوبة.
وهذا لا يعني أن موريتانيا فقيرة، بل على العكس من ذلك فإنه يرقد في باطنها من الثروات والمياه ما لا يوجد في كثير من البلدان الأخرى ولكنها مازالت أرضًا بكرًا لم تمسسها يد وثروات موريتانيا دفينة تحت الرمال والجزء الضئيل المستثمر تحيط به مؤامرات دولية فرنسية وأمريكية وصهيونية تعرقل إنتاجه.
جبال من الحديد
وحول مدينة شنقيط الموريتانية تقع ثروة موريتانيا «الحديد» الذي ينتشر على هيئة سلاسل جبلية، ويقال إنه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية شكا الطيارون من حدوث تغييرات على مؤشر البوصلة في طائراتهم في كل مرة يطيرون فيها فوق الجبال المحيطة بشنقيط، وبعد أن توقفت الحرب جاء الخبراء إلى المنطقة لكشف سر الظاهرة وما كادوا يبدأون عملهم حتى اتضح لهم أن جبال سفاريات وكديت الجلد ما هي إلا كتلة هائلة من الحديد وثبت أن حجارة هذه الجبال تحتوي على ٩٤,٥٦٪ من أكسيد الحديد وهي نسبة تضارع أعلى نسبة حديد موجودة في العالم.
ومع كل هذه الثروات الطبيعية فإن موريتانيا مازالت تعاني من آثار الاستعمار الفرنسي.
فعلى الصعيد السياسي فإن فرنسا هي التي صاغت شكل النظام السياسي، وأشرفت على تعيين أول رئيس الموريتانيا هو مختار ولد داده، وكان لديها نفوذ واسع داخل المؤسسة العسكرية صاحبة الحل والعقد، وتمكنت من إيصال النخبة الفرانكفونية إلى دوائر القرار وهؤلاء هم الذين جعلوا اللغة الفرنسية لغة رسمية في موريتانيا شأنها شأن اللغة العربية.
وعلى الصعيد الاقتصادي نهبت فرنسا كل الثروات وخلفت وراءها مجتمعًا بلا مقومات اقتصادية، وكانت سياسة فرنسا الاستعمارية تقضي عند تركها لأي منطقة تحتلها أن تبقيها خالية الوفاض حتى إنها كانت تستولي على آخر النقود الموجودة في خزينة الدولة.
وعلى الصعيد الثقافي فرضت فرنسا ثقافتها ونمطها التغريبي على الشعب الموريتاني وخلفت النزعة العنصرية بين البيضان والسودان حيث نشب العديد من الصراعات بين أبناء البلد الواحد.
وظلت موريتانيا تتعرض للمد والجزر بين انصار اللغة العربية وأنصار اللغة الفرنسية، وكان الاستعمار الفرنسي قد استثمر تعدد اللهجات في شمال إفريقيا، وإفريقيا عمومًا لصالحه، إلى أن أصبحت اللغة الفرنسية وكذا الإنجليزية لغة رسمية في العديد من الدول الإفريقية.
وقد وقعت أول أزمة في هذا المجال سنة ١٩٦٦م بسبب تنامي الأقليات التي تتكلم اللهجات الإفريقية المختلفة والتي رأت في اللغة الفرنسية أداة لتأكيد ذاتها بتشجيع من بعض الحكام الأفارقة المتفرنسين ومن الدوائر الفرنسية نفسها.
وقد شهدت المدارس الموريتانية اضطرابات وصدامات بين كل من أنصار اللغة العربية والفرنسية، وتعقدت الأزمة أكثر عام ١٩٦٨م عندما أصدرت الحكومة قرارًا يجعل اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية، وأعلنت الحكومة عزمها على احترام اللغات المحلية المختلفة، وخصصت وقتًا في الإذاعة المسموعة لتلك اللغات.
وأخذت اللغة العربية تواجه صعوبات جمة في موريتانيا وصعب عليها أن تقف في وجه فرنسة الإدارة والتعليم، وقد بذلت فرنسا كل الجهود لتشويه الأصالة الموريتانية حتى لا تنتشر اللغة العربية وبالتالي الإسلام في إفريقيا. لأن موريتانيا كانت على الدوام جسرًا بين إفريقيا والحضارة العربية والإسلامية.
كانت أول مشكلة صادفت جمهورية موريتانيا هي عدم اعتراف المغرب بها، كما أن العديد من الدول المحسوبة على المحور الاشتراكي كانت تعتبر موريتانيا صنيعة فرنسية وكانت ترفض الاعتراف بها.
ورغم ذلك قرر ولد داده إقامة مؤسسات الإدارة شؤون بلاده، إذ تأسس البرلمان في عام ١٩٦٠م وفي أواخر فبراير سنة ١٩٦١م وضع أول دستور وفي العام نفسه جرت انتخابات رئاسية كان المرشح الوحيد فيها هو مختار ولد داده.
وفي ديسمبر ١٩٦١م انعقد - وبمبادرة من الحزب الحاكم وهو الحزب التقدمي - مؤتمر الوحدة الوطنية الموريتانية وحضرته الأحزاب التالية:
- الحزب التقدمي الموريتاني الحزب الحاكم...
- الاتحاد الوطني الموريتاني
- الاتحاد الاشتراكي المسلمي موريتانيا.
- حزب النهضة
وكانت نتيجة المؤتمر أن توحدت هذه الأحزاب في حزب واحد هو حزب الشعب الموريتاني برئاسة ولد داده أيضًا. وعندما بادرت مجموعة من السياسيين إلى تأسيس الجبهة الديمقراطية في أغسطس ١٩٦٤م بادرت الحكومة إلى حلها.
وفي سنة ١٩٦٥ تم تعديل الدستور لينص على أن حزب الشعب الحاكم هو الحزب الوحيد في البلاد، وبسبب هذه الدكتاتورية المطلقة بدأت تبرز سلسلة من المشكلات الداخلية والانفجارات السياسية والاجتماعية مثل الإضراب الذي قام به عمال مناجم الزويدات في عام ١٩٦٨م والذي لم ينته إلا بعد سقوط المضربين برصاص الجيش واستمرت حركة الإضرابات بقوة حتى سنة ۱۹۷۲م. وفي هذه المرحلة التاريخية بالذات نعت وترعرعت الحركات اليسارية التي كانت متأثرة بالمد اليساري العالمي والعربي، وقد تأسست حركات ثورية أهمها:
- الحركة الوطنية الديمقراطية.
- حزب الكادحين الذي تأسس في سنة ۱۹۷۳ م وهو حزب ماركسي.
كما تأسست حركات أخرى ترفض فكرة الحزب الواحد.
والتخلص من أعباء هذه الحركات التي استطاعت أن تستقطب شرائح من الناس، قامت الحكومة بتنفيذ سلسلة من المشاريع السياسية والإصلاحية للتنفيس عن الاحتقان مثل التخلص من التبعية للفرنك الفرنسي، وإنشاء النقد الوطني في أواخر ۱۹۷۲م وإلغاء الاتفاقيات المجحفة في حق موريتانيا والتي كانت تربطها بفرنسا في سنة ١٩٧٤م.
ومرة أخرى دعت الحكومة في عام ١٩٧٥م إلى مؤتمر «الوضوح، حيث جرى توحيد الأحزاب وتبني ما عرف بالاشتراكية الإسلامية لإزالة كل انواع استغلال الإنسان للإنسان، كما كان ينص الخطاب السياسي أنذاك.
وبدأ مسلسل الانقلابات العسكرية
غير أن خطوة توحيد الأحزاب لم تؤت ثمارها، واستمرت التصدعات الداخلية والصراعات السياسية والحزبية، الأمر الذي أدى إلى وقوع انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في موريتانيا، وتمكن العقيد مصطفى ولد سالك في ١٠ يوليو ۱۹۷۸م من الإطاحة بمختار ولد داده وكان للمخابرات الجزائرية في عهد الرئيس بومدين دور كبير فيه.
وأعلن العقيد ولد سالك بأنه ضد سياسة ولد داده المؤيدة للمغرب في قضية الصحراء، وأسس المجلس العسكري للإصلاح الوطني، لكن هذا الانقلاب لم يتمكن من إعادة الاستقرار والأمن وتفاقمت الصراعات الحادة بين الأجنحة المتنافرة ومراكز القوى داخل المجلس العسكري للإصلاح، وبلغت هذه الخلافات ذروتها في ٦ أبريل ۱۹۷۹م حين وقع انقلاب أبيض أدى إلى تغيير موازين القوى داخل المجلس العسكري الذي أصبح يحمل اسم المجلس العسكري للإنقاذ الوطني برئاسة العقيد أحمد ولد يوسف الذي كان رئيسًا للحكومة.
ولم يدم حكم ولد يوسف إلا ٥٠ يومًا، إذ قتل في حادث طائرة في ٢٧ مايو ۱۹۷۹م بالقرب من العاصمة السنغالية داكار، فتولت لجنة دائمة مكونة من ١٤ عضوًا منبثقة من المجلس العسكري تسيير الأمور، إلا أن السلطة الفعلية كانت بيد العقيد خونة ولد هيداله الذي ترأس الحكومة، وفي تلك المرحلة أحبط المجلس محاولة انقلاب قام بها العقيد ولد سالك للعودة إلى الحكم.
وفي هذه المرحلة سجل العديد من القضايا والتداعيات التي لا يمكن للموريتانيين نسيانها ومنها:
- استمرار الاضطرابات وتضعضع الاستقرار السياسي.
- صراعات حادة داخل دوائر صنع القرار.
- انهيار الاقتصاد بشكل شبه كامل.
- الصراع المتواصل بين البيض والسود، وما صاحبه من أزمة الهوية.
ومن جهة أخرى فقد تفاقمت الخلافات السياسية والدبلوماسية بين المغرب وموريتانيا بسبب موقف الأخيرة من قضية الصحراء وجبهة البوليساريو التي تطالب بإقامة دولة مستقلة في الصحراء والتي كانت تدعمها الجزائر.
ويسبب ذلك اتهمت المغرب موريتانيا بالخيانة العظمى وخصوصًا إثر التوقيع على اتفاقية السلام بين موريتانيا والبوليساريو في 5 أغسطس ۱۹۷۹م في الجزائر والتي تضمنت بندًا سريًا ينص على تسليم الصحراويين منطقة تريس الغربية خلال ستة أشهر.
وقبل انقضاء الشهور السنة احتلت القوات المغربية المنطقة عندما انسحبت منها القوات الموريتانية تمهيدًا لتسليمها للبوليساريو فتأزمت العلاقات الموريتانية - المغربية، الأمر الذي أدى إلى احتلال المغرب لمنطقة بئر بوغرين في شمال موريتانيا، وأصبحت موريتانيا بسبب أزمة الصحراء بين سندان الجزائر ومطرقة المغرب وقد أفضت هذه الضغوط، بالإضافة إلى هشاشة الوضع الداخلي إلى زعزعة الانسجام داخل المجلس العسكري وبدأت التصفيات الداخلية تظهر من جديد، ودعم العقيد خونه ولد هيداله مركزه وأصبح رئيسًا للدولة بعد أن قضى على العقيدين محمود ولد لولي رئيس الجمهورية وأحمد سالم ولد سيدي نائب رئيس المجلس العسكري في ٤ ديسمبر ۱۹۸۰م، وقد أخرجهما نهائيًا من دوائر القرار، كما أقال عشرات الضباط المحسوبين عليهما ومكن للموالين له.
وكانت دوائر القرار في ذلك الوقت يتجاذبها جناحان أولهما يزيد دولة الصحراء ومطالب البوليساريو، وعلى رأس هذا الجناح المقدم ولد بوخريص الذي كان وزيرًا للداخلية، والجناح الثاني كان يمثله بعض كبار الضباط ويرى أحقية المغرب في الصحراء.
وفي ۹ مارس ۱۹۸۰م وجه الرئيس ولد هيداله نداء إلى المغرب والبوليساريو يناشدهما فيه تفهم موقف بلاده الحرج والأزمة السياسية التي تمر بها، وبعد هذا النداء أجرى ولد هيداله سلسلة واسعة من التغييرات في أعلى المناصب والمستويات في صفوف الدرك الوطني والحرس الوطني والمخابرات العامة والأمن العام، وعين معاوية ولد طايع رئيسًا للأركان والمقدم شيخ سيد أحمد بابا وزيرًا للداخلية.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر تأسست في باريس وعدة عواصم إفريقية في ٢٢ مايو ۱۹۸۰م حركة معارضة تضم عسكريين ومدنيين كانت تعرف باسم التحالف من أجل موريتانيا الديمقراطية، وكان هدف التحالف حسبما صرح القائمون عليه هو الإطاحة بالنظام الانقلابي وإرجاع الحكم للمدنيين وإقامة نظام سیاسي برلماني في ظل التعددية السياسية والحزبية وتحرير الاقتصاد.
وعين محمد ولد جدو السفير السابق منسقا للحركة، كما التحقت شخصيات سياسية مهمة بهذا التحالف مثل العقيد محمد باه ولد عبد القادر قائد سلاح الطيران سابقًا، والعقيد أحمد سالم ولد سيدي النائب الأول لرئيس المجلس العسكري.
ويسبب هذه الظروف سارع ولد هيداله في محاولة لقطع الطريق على خصومه السياسيين إلى عقد اجتماع طارئ للمجلس العسكري في ۱۱ ديسمبر ۱۹۸۰م وأعلن عن إقامة حكومة مدنية برئاسة شاب متخصص في الاقتصاد وهو سيد أحمد ولد بنيرة أحد مخططي الانقلاب ضد ولد داده، ولم تضم الحكومة المدنية الجديدة سوى عسكري واحد هو وزير الدفاع الذي كان مرتبطًا بشكل مباشر برئيس الدولة.
وفي ١٩ ديسمبر ۱۹۸۰ م تم الإعلان عن مشروع دستور جديد يطرح للاستفتاء الشعبي ينص على انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام المباشر ولمدة ٦ سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وانتخاب جمعية وطنية لمدة 4 سنوات.
وفي تلك الأثناء كانت مجموعة من الضباط العسكريين الموالين لليبيا يخططون لانقلاب عسكري ضد ولد هيداله، ومن بينهم أحمد باب مسكي وهو مؤسس حزب النهضة في الستينيات، إلا أن المحاولة لم تنجح.
وقد تحول الضباط الذين عينهم الرئيس ولد هيداله عندما قام بالتغييرات الواسعة في الجيش والمخابرات والأمن إلى خصوم شرسين له.
وفي ٢٤ أبريل ۱۹۸۱م أقيل رئيس الحكومة ولد بنيرة وحل محله رئيس الأركان معاوية ولد طابع وأزيح العقيد مولاي ولد بوخريص وزير الداخلية الذي كان متعاطفًا مع الصحراويين و مختار ولد زامل وزير الخارجية الذي كان متعاطفًا مع ليبيا.
وفي ١٢ ديسمبر ١٩٨٤م كان الرئيس الموريتاني في بوروندي لحضور القمة الفرنسية الإفريقية، وأثناءها أطاح ولد طايع بنظام ولد هيداله واتهم نظامه بالفساد وسوء الإدارة.
ومنذ ذلك الوقت وولد طايع يحكم موريتانيا وقد حاول أن يعطي وضعه صفة قانونية بانتخابات رمزية.
وهكذا ومنذ استقلالها تدفع موريتانيا ضريبة صراعات العسكر وخلافاتهم!
منذ استقلال موريتانيا وتعيين فرنسا مختار ولد داده رئيسًا لموريتاينا، وكل الأمور الصغيرة والكبيرة بيد العسكر الذين تلقى العديد منهم تكوينه العسكري في المعاهد العسكرية الفرنسية ومنذ ١٩٦٠م وإلى سنة ٢٠٠٠م لم تخرج مقاليد الأمور من يد العسكر الذين كانوا يديرون لعبة الحكم بالتراضي أحيانًا وبالتصادم أحيانًا وفي أحايين أخرى.
ودائمًا كانت الرتب العليا في المؤسسة العسكرية حكرًا على حملة الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية، وكانت المعاهد الفرنسية يغلب عليها الطابع الفرانكفوني.
وكانت السلطات الفرنسية تدعم باستمرار هذه المعاهد الفرنسية، على عكس المعاهد العربية التي كانت تلقى الإهمال والإجحاف، وكان خريجو المعاهد العربية لا يجدون وظائف بعد تخرجهم من الجامعة، وللإشارة فإن المعاهد العربية لم تكن تتجاوز الثلاثة معاهد في مناطق بوتيليمين وإطار وكيفة، بينما أخذت المدارس الفرنسية تتكاثر وتتوالى عليها المساعدات من المراكز التعليمية الفرنسية التي كان مقرها في داكار في السنغال، بالإضافة إلى هذا فإن الدستور الذي حكم موريتانيا لأزيد من عقدين كان نسخة طبق الأصل عن الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة على أساس أن الشعب الموريتاني وفي عهد الاستعمار الفرنسي أيد الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة وكان ذلك في ٢٨ سبتمبر ١٩٥٨م.
ومن رحم هذه الأجواء الثقافية الفرانكفونية نشات النخبة العسكرية الموريتانية التي وجدت نفسها صاحبة الحل والعقد في دولة كل سكانها من المسلمين، وقد عملت هذه النخبة على:
- طمس الهوية العربية والإسلامية للشعب الموريتاني.
- ملاحقة كل التيارات الوطنية والإسلامية التي تنهل من العروبة والإسلام، والتي كانت تتحرك من منطلق إرجاع موريتانيا إلى دائرتها العربية والإسلامية.
لكن.. لم تتمكن هذه النخبة الفرانكفونية من فرض الثقافة الاستعمارية بالقوة، إذ إن الشعب الموريتاني الذي لعب أجداده دورًا كبيرًا في إيصال الإسلام واللغة العربية إلى إفريقيا، ظل محافظًا على أصالته.
ولأجل الدفاع عن الهوية المسلوبة تأسس العديد من الأحزاب والتيارات، وقد قرعت الأحزاب الوطنية والإسلامية جرس الإنذار باكرًا وبدأت تدفع الشعب الموريتاني باتجاه العودة إلى أصالته، وهذا ما جعل العسكر يصعدون حملاتهم ضد هذه التيارات التي كانت تحمل مشروعًا مغايرًا لمشروع السلطات المتعاقبة على موريتانيا.
الحلقة المقبلة :
-خريطة القوى السياسية.
-التطبيع مع الصهاينة.