العنوان المواجهة المرتقبة بين السودان وأمريكا
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 80
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 30
السبت 07-أكتوبر-2006
عندما يرفض السودانيون بإصرار وعلى رأسهم الرئيس عمر حسن أحمد البشير دخول قوات الأمم المتحدة لدارفور، فإنهم محقون في هذا الرفض القاطع؛ فهم يتذكرون معركة كرري الشهيرة التي وقعت في شمال أم درمان في سبتمبر ۱۸۹۸م، وحصدت فيها أسلحة الإنجليز المتطورة المجاهدين في وحشية ضارية.
لقد كان السودان يومئذ مسلمًا خالصًا لم يكن فيه مسيحي واحد من أهل السودان الأصليين، وكان هناك عدد قليل من الأقباط المصريين الذين جاءوا إلى السودان للتجارة أو من المماليك.
وكانت الشريعة الإسلامية هي الحاكمة في عهد المهدية، ولكن خديوي مصر استنجد بالإنجليز لغزو السودان واستعادة سلطانه المتهالك.
لقد ألف تشرشل- الذي كان مشاركًا في الحملة عندما كان عمره خمسة وعشرون عامًا كتابًا سماه حرب النهر قال فيه: «وهكذا انتهت معركة أم درمان أكبر إشارة لانتصار العلم على البربرية في زمن قدره خمس ساعات- من الساعة السادسة إلى الساعة الحادية عشرة صباحًا تم القضاء على أكبر قوة وحشية تواجه قوة أوروبية، وتم تشتيتها بدون صعوبة مع مخاطر صغيرة نسبيًا وخسائر لا تذكر للمنتصرين». وهكذا العقلية الاستعمارية لم تتغير في أي عصر فالمدافعون عن أوطانهم في مواجهة الاستعمار ووحشيته هم من يتصفون بالوحشية والبربرية!
الرفض السوداني
واليوم، يرفض السودانيون القوات الأممية حتى لا تتكرر المأساة التي لا تنسى، فدخول القوات الإنجليزية السودان قديمًا بالحجج نفسها والذرائع أدى إلى استعمار السودان ومصر، مما أفسح المجال لجحافل المنصرين الذين أغلقوا الجنوب عام ۱۹۲۲م أمام الشماليين ونصروا بعضاً من المسلمين الجنوبيين والوثنيين، وبذروا بذور الفتنة التي اكتوى السودان بنارها أكثر من نصف قرن.
المنصرون سلاح تمزيق السودان
المشهد نفسه يتكرر اليوم، المنصرون يصولون ويجولون بين معسكرات النازحين ليؤدوا المهمة نفسها التي أداها أسلافهم في الجنوب، إنهم يبدون تعاطفًا مستغربًا مع أهل دار فور المسلمين من أصل إفريقي؛ الإيقاظ النعرات العنصرية الجاهلية هناك والمناداة بإنقاذ الزنوج من العرب لإثارة فتن شتى لتحقيق هدفهم المنشود وهو تمزيق الأمة الإسلامية وتوسيع الفجوات بين شعوبها، مستغلين امتلاكهم ناصية المال والإعلام في العالم.
حجة المستعمرين الجدد أن قوات الاتحاد الإفريقي تفتقر إلى التمويل المالي، وجملة تكلفة التمويل لهذه القوات قرابة نصف مليار دولار للعام الواحد على أساس أن الجندي الواحد يكلف ۱۲۰ دولارًا في اليوم.
إفشال مهمة الاتحاد الإفريقي
وقد أحجم المجتمع الدولي عن الوفاء بالعهد الذي قطعه لبرنامج الغذاء العالمي وقلت المساعدات الغذائية التي كان يقدمها للنازحين، وما يصل لهؤلاء المساكين لا يتعدى ۲۰٪ من جملة المساعدات والـ٨٠٪ الباقية تدخل في جيوب الإداريين من موظفي الأمم المتحدة.
واستنجدت القوات الإفريقية بالحكومة السودانية فلبت طلبها من المخزون الاستراتيجي وأنقذت الموقف.
الأمم المتحدة تأتي بعد أن قللت المساعدات لا لتحقيق تسوية سياسية تحقق الأمن والاستقرار، ولتبشر أهل السودان بقدوم جيش جرار لا يعرف إلا الله مهمته ودوافعه.
وإن كان الرئيس البشير قال بصرامة: إن الأمم المتحدة تخفي أجندة وراء قرار مجلس الأمن رقم (١٧٠٦) الداعي لنشر قوات دولية بدارفور، ولا تريد الاستقرار بدارفور بإخفائها للحقائق في الإقليم وتسويق المعلومات الكاذبة.
وتساءل الرئيس البشير: إن كانت حجة إنهاء دور الاتحاد الإفريقي هي التمويل فلماذا تنقل قواته إلى الصومال، في الوقت الذي تعهدت فيه الجامعة العربية بالتمويل لمدة ستة أشهر حتى نهاية العام؟!
أطماع اقتصادية غربية
أما الرئيس الجامبي فقد دحض حجة الاتحاد الإفريقي في عدم قدرته على القيام بمهمته في دار فور، وقال: إن قوات المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا «إيكوموكو» وحدها استطاعت فض النزاع بين سيراليون وليبيريا، نافيًا أن يكون التمويل هو المشكلة، وتساءل الرئيس الجامبي عن الجهة التي فجرت مشكلة دارفور، وقال: إن هذه المشكلة لم تتخذ أبعادها الحالية إلا بعد الحديث عن وجود النفط واليورانيوم في المنطقة.
وإذا كان التمويل هو العقبة أمام المجتمع الدولي، فمن أين يأتي بتمويل قوات الأمم المتحدة التي تقدر تكلفتها بملياري دولار؟!
والسودانيون عمومًا يتوجسون خيفة من القوات الدولية، لكن للأسف فإن زعماء الأحزاب المعارضة كالصادق المهدي وحسن الترابي وزعيم الحزب الشيوعي ونائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي يؤيدون استقدام القوات الأجنبية، ولقد أحدث هذا الموقف انشقاقًا خطيرًا في تلك الأحزاب لا سيما المؤتمر الشعبي الذي انسلخت منه بعض القيادات المؤثرة بسبب هذا الموقف.
وهؤلاء الزعماء لم يقدموا شيئًا لدارفور لا ماديًا ولا معنويًا لحل الأزمة الوطنية على مدى ثلاث سنوات سوى توظيف المعاناة سياسيًا.
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلًا أمام إصرار أمريكا وبريطانيا على نشر القوات المآرب خاصة ورفض الحكومة القاطع مع الاستعداد للمواجهة.
الرئيس الجامبي: مشكلة دارفور لم تظهر إلا بعد الحديث عن وجود النفط واليورانيوم في المنطقة
انشقاق في حزب الترابي بعد تأييده للغزو الأمريكي
مساعد الأمين العام للأمم المتحدة: الغرب يضخم قضية دارفور
انتقد «مارك مالوخ» براون مساعد الأمين العام للأمم المتحدة الدبلوماسية المضخمة التي تنتهجها الولايات المتحدة وبريطانيا في إقليم دارفور بالسودان في إطار جهودهما الرامية لإقناع الخرطوم بقبول قوات تابعة للمنظمة الدولية بالإقليم.
وقال «براون» لصحيفة الإندبندنت البريطانية يوم الجمعة ٢٩/ ٩/ ٢٠٠٠م إن المقاربة الأمريكية البريطانية بخصوص دارفور هي تقريبًا غير منتجة، وتحمل السودان على تشبيه وضعه بوضع العراق وأفغانستان اللذين تم اجتياحهما باسم «الحرب على الإرهاب».
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس حذرت يوم الأربعاء ٢٧/ ٩/ ٢٠٠٦م الرئيس السوداني عمر البشير من أنه يعرض نفسه لـ«عواقب وخيمة»، إذا اختار المواجهة مع الأمم المتحدة بشأن انتشار القوات الدولية في دارفور.
من جهة أخرى أرسل الكونجرس الأمريكي إلى الرئيس جورج بوش مشروع قانون يفرض عقوبات على المسؤولين عن مزاعم بـ «الإبادة الجارية» في دارفور لتوقيعه، ويجيز مشروع القانون من جهة أخرى لإدارة بوش أن تقدم دعمًا لقوات الاتحاد الإفريقي المنتشرة في دارفور في انتظار وصول قوات الأمم المتحدة، ويطالب بطرد الخرطوم من الأمم المتحدة.
من جهتها، أكدت الحكومة السودانية- على لسان مدير الإدارة السياسية برئاسة الجمهورية عثمان نافع أن هذه التهديدات «لن تخيفنا ولن ترهبنا» ولن تغير من موقف السودان الثابت والمعلن في هذا الأمر. واعتبر نافع أن تصريحات الوزيرة الأمريكية تأتي تنفيذًا لأجندة تتعلق بالسياسة الداخلية الأمريكية، خاصة وأن الولايات المتحد، مقبلة على انتخابات التجديد النصفي.
تأتي هذه التطورات فيما أصدر الرئيس السوداني يوم الأربعاء ٢٧/ ٩/ ٢٠٠٦م مرسومًا جمهوريًا يقضي بإنشاء السلطة الإقليمية الانتقالية بإقليم دارفور بموجب اتفاق السلام الموقع بين الحكومة السودانية وكبرى حركات التمرد بالإقليم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل