; بشائر الهجرة | مجلة المجتمع

العنوان بشائر الهجرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1988

مشاهدات 98

نشر في العدد 878

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 16-أغسطس-1988

- لا يمكن للأمم -أيًا كانت هذه الأمم- أن تنسلخ كليةً عن تاريخها وأمجادها الغابرة، لأن في تاريخ الأمم أحداثًا بارزة ونقاطًا مضيئة تحدد سيرها في كل وقت وحين وتؤثر في تطورات حياتها، وبقدر ما تتمسك الأمم بتلك الأحداث الهامة في تاريخها، بقدر ما تندفع قدمًا نحو الأمام لتحقيق غاياتها وطموحاتها وأمانيها في التقدم والرفاهية والعيش الكريم.

- وإن من الأحداث الهامة التي أثرت في مسار الدعوة الإسلامية بل وغيرت من وجه التاريخ كله، هجرة الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد صراع دام ثلاثة عشر عامًا، ثبت فيه المسلمون ثباتًا مشرفًا استعلوا فيه على كل الرغبات والمطامع، وقدموا من خلاله مدلولات حسية نابضة بأن يكون المسلمون جسدًا واحدًا، ويدًا ذات ضربة واحدة تتحطم بها معاول الشرك والفساد، وهكذا أكرمهم الله بالنصر وهيأ لهم إخوة في الله وأرضًا يحكّمون فيها شريعته، وجاء التمكين والنصر والثبات وانطلقت الدعوة الإسلامية من المدينة المنورة إلى كل مكان في أرجاء المعمورة ودخل الناس في دين الله أفواجًا:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)﴾ ‏(النصر: ١ - ٢).

- وإذا كانت نتائج الهجرة الأولى التي قام بها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام النصر والتمكين وقيام الدولة الإسلامية، فإن كل هجرة مماثلة أينما كانت وفي أي عصر حدثت ستؤول بإذن الله إلى نفس النتيجة إن هدفت إرضاء الله ورسوله وإعلان شأن عقيدته «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» حديث شريف.

- إن واقعنا المعاصر اليوم يموج بملايين المهاجرين من أوطانهم فرارًا من اضطهاد وأذى القوى المعادية للإسلام، فهناك هجرة في فلسطين وهجرة في أفغانستان وهجرة في لبنان، وهجرة في الفلبين وهجرة في إرتيريا، وهجرة في أجزاء عديدة أخرى من عالمنا الإسلامي، وعلى هؤلاء المهاجرين أن يقتدوا بهجرة نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم- في الثبات على المبدأ والغاية حتى يكتب الله لهم النصر على عدوهم، ويتمكنوا من العودة الى ديارهم وبيوتهم منتصرين تحت راية الإسلام والجهاد في سبيل الله ورسوله.

- لقد شهد العام الهجري المنصرم بروز بشائر طيبة ظهرت بكل وضوح وجلاء على مسرح الأحداث في العالم الإسلامي، فالصحوة الإسلامية المباركة كرست وجودها بشكل أكبر وأوضح في عديد من بلدان المسلمين في تونس ومصر والسودان وباكستان وغيرها، كما استطاع مهاجرو أفغانستان الذين زاد عددهم عن خمسة ملايين مهاجر أن يجبروا أعتى الدول الكبرى على الانسحاب من أرضهم، وجر أذيال الخيبة والهزيمة بعد حرب ضروس استعلى فيها جند الحق على جند الباطل رغم الفارق الكبير بين الطرفين في العدد والعدة.

 وجاءت اتفاقات جنيف التي أبعد عنها المهاجرون ظلمًا وعدوانًا والموقعة في الرابع عشر من شهر أبريل الماضي بوساطة الأمم المتحدة، مؤكدة هذه الحقيقة التي حاول الروس أن يطمسوها بتجاهلهم للمجاهدين في جنيف..

 وها هم أيضًا أبطال الحجارة ومهاجرو فلسطين يشلون حركة أضخم آلية عسكرية، وبأساليب بدائية لا تتعدى الحجارة والخناجر، بعد أن عجزت كل الجيوش العربية النظامية ومنذ عام ١٩٤٨ م عن إيقاف المد الصهيوني التوسعي في المنطقة العربية.. نعم إنه النصر المبين الذي جاء تحقيقًا لوعد الله -سبحانه وتعالى- لعباده المهاجرين الصادقين: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (*) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (*) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣).‏

 وهناك صورة مشرقة أخرى تمثلت في موافقة الجارتين المسلمتين العراق وإيران على إيقاف القتال بينهما، والدخول في مفاوضات مباشرة بعد حرب طاحنة أجج أوراها أعداء الإسلام، كي يزيدوا في فرقة المسلمين وتفككهم مما أدخل الفرحة والبسمة إلى قلوب المسلمين جميعًا في ختام عامهم الهجري.. وكلنا أمل أن يخيم السلام على ربوع المنطقة في هذا العام الهجري الجديد وتأتلف القلوب وتتوحد الصفوف، ويكون المسلمون كما وصفهم الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ﴾ ‏(الفتح: ٢٩).

- ولكن هذه الصورة المشرقة لا ينبغي أن تجعلنا ننام ونركن إلى الدعة والسكون، وذلك لأن أعداء الإسلام يتربصون بنا الدوائر ويحاربوننا على كل الجبهات وفي كل زمان ومكان، الأمر الذي يجب أن يدفعنا إلى مزيد من شحذ الهمم للوقوف ضدهم بكل ما وهبنا الله تعالى من إيمان وقوة، ولا شكَّ أن في هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- كل المعطيات المطلوبة لهذه الوقفة التي في مقدمتها أن يهجر المسلم بقلبه وروحه وفكره وعمله كل أمر يخالف الإسلام، وأن يعايش الحياة الإسلامية بما فيها من شمول واتساع وكمال، وهو ما يجب اليوم اعتماده سواء أفرادًا أو شعوبًا.

 فلنجدد العهد على ذلك في ذكرى الهجرة ولنعد إلى الله بقلوبنا، وعندئذ يتغير واقعنا ويبارك الله للغرباء الذين يصلحون إن فسد الناس.

 وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ ‏(الرعد: ١١).

الرابط المختصر :