; هل يستخلصها الإسلاميون من براثن الشيوعية.. طاجيكستان تفتتح موسم الثورة | مجلة المجتمع

العنوان هل يستخلصها الإسلاميون من براثن الشيوعية.. طاجيكستان تفتتح موسم الثورة

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 08-ديسمبر-1991

مشاهدات 59

نشر في العدد 979

نشر في الصفحة 30

الأحد 08-ديسمبر-1991

  • ·       غورباتشوف أيَّد القيادة الشيوعية في طاجيكستان مع أنها أيَّدت الانقلابيين عليه!!

    ·       حاول الشيوعيون في طاجيكستان إثارة النعرات الطائفية.

    ·       في طاجيكستان ثورة على الطريقة الإسلامية.

    آه لينين.. لو بُعِثت حيًا لمتَّ كمدًا.. الآلاف الآلاف من المسلمين البسطاء الذين قهرتهم شيوعيتك وإلحادك تجمعوا حول ما تبقى من تمثالك الذي أزالوه.. قاعدة لُفت بالقماش كما الكفن. وساحة لينين التي بات اسمها ساحة الحرية في العاصمة الطاجيكية دوشنبه أصبحت ميدان المعركة.. والسلاح.. عشرات الميكروفونات التي تناثرت هنا وهناك تعتلي خيامًا تأوي إليها الجماهير الغاضبة حين يحل المساء بعد يوم طويل من السماع للخطباء الذين يقاطعهم المتظاهرون من حين لآخر مرددين نشيد محمد إقبال «انهض من سباتك» ثم يُؤذن للصلاة فيهرع المسلمون إلى صهاريج المياه التي وُضعت بانتظام حول الساحة فيتوضؤون ثم يمدون البسط ويفترشون الأرض للصلاة. كحبات اللؤلؤ كانت مجموعات من النساء تتناثر هنا وهناك مكتسيات بلباس العفيفات، حجابًا طاهرًا يتحدين به أكثر من 70 عامًا في ظل الشيوعية. وعلى مقربة من الساحة كانت مجموعة من الشباب تجمع ما يأتي به الفلاحون من قراهم فاكهة ولحومًا حيث تُرسل إلى المساجد فتُطهى ثم توزع على المتظاهرين.. إنها الثورة على الطريقة الإسلامية!

     بدأت الأحداث بإعلان الرئيس الطاجيكي «قهار محكاموف» تأييده للانقلابيين في موسكو خلال أغسطس الماضي، وما نتج عن ذلك من ثورة للجماهير الخائفة من معاودة التسلط الشيوعي فطالبت باستقالته فقام «قدر الدين أصلانوف» بمهام الرئاسة من بعده، وأعقب ذلك الإعلان عن حل الحزب الشيوعي وتسارعت الأحداث فقام محافظ المدينة «إكراموف» بالتوقيع على قرار بإزالة تمثال لينين من مكانه في قلب العاصمة، كما تم استبدال أسماء الميادين والشوارع التي كان يطلق عليها أسماء مشاهير الشيوعيين إلى أسماء أخرى، مما دفع بأعضاء البرلمان الشيوعيين والذين يشكلون 95% من عدد أعضائه إلى عقد دورة طارئة للبرلمان حيث أُرغم «أصلانوف» على الاستقالة من منصبه، وارتفعت المطالبة بإحالته هو ومحافظ المدينة إلى المحاكمة، كما أُلغي الحظر على النشاط الشيوعي، وأصدر البرلمان قرارًا بإعلان حالة الطوارئ في الجمهورية حتى أول يناير 1992 لمواجهة مظاهرات الجماهير الغاضبة كما تقرر وقف نشاط النهضة الإسلامي، وتم تعيين «رحمن بنييف» رئيس البرلمان رئيسًا للجمهورية بالوكالة حتى تتم الانتخابات الرئاسية. وهذا الرجل من الحرس الشيوعي القديم، شغل منصب الأمين الأول للحزب الشيوعي في طاجيكستان في الفترة من 1981 - 1985، وله نفوذ قوي في الجهاز البيروقراطي والمؤسسات الاقتصادية، كما اتخذ البرلمان الشيوعي قرارًا بإعادة تنصيب تمثال لينين مجددًا على نفقة هادميه، ورغم حالة الطوارئ المفروضة فقد تحدت الجماهير الصاخبة كل قرارات البرلمان الشيوعي، وطالبت بتنحية الرئيس الجديد وإجراء انتخابات رئاسية، وانتخابات برلمانية على أساس التعددية وهتف المتظاهرون «الحزب الشيوعي خائن للشعب الطاجيكي» حيث اعتبر المتظاهرون قرارات الدورة الطارئة للبرلمان «نسخة طاجيكية عن انقلاب موسكو» وحاصرت الجماهير مقر اللجان المحلية للحزب الشيوعي في عدة قرى، وقال قاضي القضاة «حاجي أكبر زاده» إن تماثيل لينين أطيح بها في كل مكان حتى في وطنه روسيا، ونُسفت في أرمينيا ومناطق أخرى لكن ذلك لم يستدع إعلان حالة الطوارئ» وحاجي أكبر زاده هو مندوب الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى في طاجيكستان ومرشح حزب النهضة الإسلامي، ويقال إن كل التوقعات كانت تشير إلى أنه أصبح على بعد خطوات قليلة من منصب الرئاسة، كما قال «قدر الدين أصلانوف» الذي أُجبر على الاستقالة والتي وصفها بأنها كانت «تكرارًا لعملية الانقلاب الفاشلة في موسكو»، قال إنه على البرلمان أن يتخذ قرارًا بالاستقالة الجماعية لتشكيل حكومة ائتلافية تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية في ظروف طبيعية وقال إن أيام الانقلابيين معدودة.

     

    قوى المعارضة الرئيسية

    وقد برزت على الساحة قوى 3 رئيسية هي التي استقطبت الجماهير ودفعت بها إلى الثورة وهي أولًا الحزب الوطني الديمقراطي الطاجيكي الذي شكله «يوسفوف» الذي التف حوله عدد كبير من الأساتذة الجامعيين والمثقفين وطرح برنامجًا علمانيًا محاولًا استرضاء سائر القوميات التي تسكن الجمهورية، وقد هدد بالدعوة إلى العصيان المدني والإضراب السياسي المفتوح حال عدم الاستجابة لمطالب الجماهير.

     وهناك أيضًا حزب «راستاخيز» أي الانبعاث ورئيسه هو ظاهر عبد الجبار، وهو يدعو إلى إحياء التراث القومي الطاجيكي المرتبط بالثقافة الفارسية، وهاتان القوتان تتمتعان ببعض المواقع الهامة في المدن.

     ثم حزب النهضة الإسلامي صاحب الغالبية الواسعة خاصة في الأرياف حيث يشكل سكانها 70% من سكان الجمهورية، وقد قالت عنه صحيفة «ازفستيتا» إنه هو صاحب أفضل مستقبل بين القوى السياسية في طاجيكستان.

     وقد انضم إلى القوى المعارضة 6 من زعماء الطريقة الصوفية التي لها نفوذ كبير بين الناس، كما انضم بطبيعة الحال «أصلانوف» رئيس الجمهورية المقال، ومحافظ المدينة، وقد اتخذت المعارضة مبنى المحافظة مقرًا لها وأعلنت عن تشكيل «هيئة أركان الاجتماع الدائم» وترأسها «شودمان يوسفوف»، وتركزت مطالبها في دعوة البرلمان لدورة طارئة لإلغاء قراراته السابقة، وإقالة «رحمن بنييف» رئيس الجمهورية الشيوعية بالوكالة وتنظيم اجتماع طاولة مستديرة يُبث عبر التلفزيون لإطلاع الشعب على حقيقة ما يجري، كما طالبوا بإعادة «قدر الدين أصلانوف» إلى منصبه وتطبيق المرسوم القاضي بمنع الحزب الشيوعي من ممارسة أعماله وتأميم ممتلكاته. ولما كان ذلك يعني القضاء نهائيًا على جذور الشيوعية فلم يكن بد من المواجهة، واستخدم الشيوعيون كالعادة كل الوسائل المتاحة، وتركزت مواجهتهم بالطبع ضد الإسلاميين وأعلنوا معارضتهم لما أسموه «الإجراءات الإسلامية الشوفينية» قاصدين بذلك مطالب الإسلاميين بالعودة إلى استخدام الأبجدية العربية وبقاء المساجد والمدارس القرآنية وإلغاء تدريس الشيوعية في مختلف مراحل التعليم، وفي محاولة لبث الخوف في نفوس القوميات غير المسلمة اتهموا حزب النهضة بأنه يسعى إلى تشكيل دولة إسلامية أصولية، وقد نفى قياديو النهضة في خطوة تكتيكية - فيما يبدو - هذه الدعاوى وقالوا إن مهمتنا في هذه الأيام ألا تقع السلطة في يد الشيوعيين، كما قال أحد الزعماء الصوفيين إن دولة الإسلام يجب أن تقام في القلب أولًا ثم في الأسرة ثم في المجتمع، لكنه أضاف أن من حق المسلمين الاهتداء بالأدلة الأربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. كما أشاع الشيوعيون في مفارقة طريفة أن المسلمين سيغلقون محلات الديسكو وسيرغمون النساء على ارتداء الحجاب، كما اتهموهم بأنهم صرفوا التبرعات التي يتلقونها من الجماهير في شراء 40,000 نقاب من إحدى البلدان العربية! وقد وصل الأمر إلى حد اتهام المجاهدين الأفغان بقيادة أحمد شاه مسعود بالتسلل إلى البلاد - بمعاونة الإسلاميين - واحتلال عدد من القرى الحدودية، وهو الأمر الذي نفاه المعارضون، كما حاول الشيوعيون إثارة النعرات الطائفية بين المسلمين أنفسهم من قوميات مختلفة ووعدوهم بمدهم بالسلاح، ورغم ذلك فعندما دعوا إلى مؤتمر لدعم موقف الحكومة الشيوعية لم يستجب لهم إلا بضع مئات في مواجهة الآلاف من الجماهير الثائرة. وكان من سوء حظ الشيوعيين أن الجيش أعلن حياده، هو ومنظمة العسكريين الذين شاركوا في الحرب الأفغانية، كما ألغت قيادة حامية دوشنبه تدريبات كان مقررًا لها أن تجرى في منطقة لياور الواقعة على مسافة 30 كم من العاصمة الطاجيكية وذلك بعد طلب من قيادة المعارضة، وقد أكد قائد الحامية «نيكولاي سينشوف» أن القوات السوفيتية المرابطة في طاجيكستان لن تتدخل في الصراع السياسي الجاري في الجمهورية، وقال إنه تلقى تعليمات في هذا الشأن من قيادة وزارة الدفاع في موسكو، أما الشرطة فحاولت أن تبدو محايدة رغم أنها محسوبة على الشيوعيين، فقد قال وزير الداخلية «نامجو فافوف»: لا توجد لدى الشرطة اعتراضات أو التباسات حول المتظاهرين وذلك لعدم خرقهم للنظام، إلا أنه عاد وقال إن الشرطة ملتزمة في الوقت نفسه بتنفيذ قرار البرلمان القاضي بإعلان حالة الطوارئ.

     

    نهاية سعيدة ولكن...

    إلا أنه وتحت ضغط الجماهير الثائرة وبعد مفاوضات بين الحكومة والمعارضة بواسطة «أناتولي سوبتشاك» و «يفغيني فيليخوف» عضوي المجلس الاستشاري لدى غورباتشوف أُعلن عن الاستجابة لبعض مطالب المعارضة فأعلن «رحمن بنييف» استقالته «استجابة لمطالب الجماهير»، كما قرر البرلمان في جلسة سرية وقف نشاط الحزب الشيوعي «لحين الانتهاء من التحقيق في علاقته بانقلاب موسكو» ووضع الحراسة على ممتلكاته، كما أرجئت الانتخابات الرئاسية من 27 أكتوبر إلى 24 نوفمبر على أن يجري معها استفتاء عام على حجب الثقة في البرلمان كما تم إلغاء حالة الطوارئ. ورغم هذه النهاية شبه السعيدة لأنها لم تحقق كل مطالب المعارضة، فإن القضية تبدو للإسلاميين هناك أخطر من ذلك، فالشيوعية التي تلملم حقائبها لترحل عن باقي الجمهوريات السوفيتية وحتى عن موسكو يبدو أنه قُدر لها أن تبقى أطول فترة ممكنة في الجمهوريات الإسلامية وقد كان من الملفت للنظر أن حظيت القيادة الشيوعية في طاجيكستان بتأييد غير متوقع من غورباتشوف الذي فاجأ الناطق باسمه الناس بإعلانه «أن قرارات عدة اتخذت في طاجيكستان في صورة غير دستورية منها حظر نشاط الحزب الشيوعي وإزالة تماثيل لينين»، والأدهى من ذلك أن هذه القيادة نفسها أيَّدت الانقلابيين الشيوعيين في موسكو في أغسطس الماضي ضد غورباتشوف حتى أن الصحافة الديمقراطية في موسكو وصفت بنييف بأنه «مؤيد للانقلاب ولم يتم اصطياده بعد» ومن ذلك يتضح أن استبقاء الشيوعية في الجمهوريات الإسلامية هدف تُبذل من أجله الجهود، وقد قال رئيس الحزب الديمقراطي إن الهدف الأساسي للانقلابيين هو جعل طاجيكستان «واحة شيوعية» في الاتحاد السوفيتي بعد انتهاء الحكم الشيوعي في سائر الجمهوريات ومنع التحولات الديمقراطية والحفاظ على السلطة العشائرية كما قال «قدر الدين أصلانوف» إن القوى المعادية للديمقراطية تحاول الآن أن تجعل من طاجيكستان آخر ديكتاتورية شيوعية في المنطقة ويعبر البعض عن مخاوفه من أن انتصار الشيوعيين في طاجيكستان قد يؤدي إلى تشكيل كتلة جمهوريات في آسيا الوسطى تحكمها الأنظمة الشيوعية. ومن ثم فإن الصراع لم يُحسم ولكن تأجل إلى نهاية نوفمبر... فهل تتمكن القوى الإسلامية من استرداد طاجيكستان إلى الوطن الإسلامي الأم... أم تبقى وحدها - ضمن الجمهوريات الإسلامية الأخرى - آخر معاقل الشيوعية في الاتحاد السوفيتي؟

     

الرابط المختصر :