; فرنسا.. ماذا يمكن أن تقدم للقضية الفلسطينية ؟ | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا.. ماذا يمكن أن تقدم للقضية الفلسطينية ؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1984

مشاهدات 116

نشر في العدد 654

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-يناير-1984

  • هل تقوم فرنسا بدور أمريكا أثناء انشغالها بالانتخابات؟
  • هل تحول «ميتران» من صديق لليهود إلى صديق للفلسطينيين؟
  • اجتماع عرفات وميتران المرتقب والخلاف حول البيان المشترك!
  • ستظل فلسطين تنادي حتى تأتيها كتائب الرحمن، ولن يحررها «ريغان» ولا «میتران»!

فرنسا، ذات العلاقات التاريخية بمنطقتنا بالتنافس مع انجلترا لاستعمارنا في عهد نابليون وبالتعاون مع بريطانيا لاقتسام أوطاننا بعد الحرب العالمية الأولى، وذات الباع الطويل في صناعة دولة المارون في لبنان، وذات المساعدات العسكرية الهائلة لإسرائيل في الخمسينات .. ماذا تريد اليوم من تحركها النشط؟ وماذا نريد نحن منها؟

فرنسا التي رافقت بوارجها الحربية «قوات عرفات» أثناء الخروج من طرابلس، وكان لها الدور البارز في تبادل الأسرى بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير، وهي التي قامت بمبادرتها المشهورة مع مصر لحل القضية الفلسطينية.. ما هو الدور الذي تقوم به هذه الأيام؟ وماذا يمكن أن نتوقع منها؟

يقول «هاني الحسن» مستشار «عرفات» وعضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» مؤخرًا: «إن اجتماع الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران مع «أبو عمار» سيتم قريبًا جدًا بعد الاتفاق على البيان المشترك الفلسطيني.. الفرنسي وإن «أبو عمار» يستطيع أن يزور باريس في أي وقت يريد للالتقاء مع الزعماء الفرنسيين، ولكننا بانتظار الاتفاق على البيان المشترك الفلسطيني- الفرنسي ومعنى ذلك أن هناك اتفاقًا على زيارة يقوم بها «عرفات» لباريس في وقت قريب وإن هنالك مباحثات تجري الآن بين فرنسا ومنظمة التحرير حول صيغة البيان المشترك الذي سيصدر بعد اجتماع «عرفات» بالرئيس «ميتران» وهذا يعني أيضًا أن هناك خلافا حول صيغة هذا البيان.

وقبل أن نحاول الوقوف على طبيعة الموقف الفرنسي الحالي إزاء القضية الفلسطينية نود أن نستعرض طبيعة العلاقات الفرنسية الفلسطينية إن جاز التعبير منذ أن بدأت فرنسا تولي اهتمامًا ما بالقضية الفلسطينية وتبتعد إلى حد ما عن الانسياق وراء السياسة الصهيونية.

  • ديغول يغضب على اليهود

لقد كان الجنرال ديغول أول من «استيقظ ضميره» بعد حرب حزيران ١٩٦٧ م على هول الكارثة التي أدت إليها مساعدات فرنسا العسكرية الضخمة وخاصة في مجال الطائرات والتي أدت إلى الانتصار الساحق لإسرائيل وتوسعها «غير المبرر» في البلاد العربية، فقال عبارته المشهورة إنني اكتشفت أنني أعيش في عش صهيوني، ولعل مشاعر التذمر إزاء الهيمنة الإسرائيلية على فرنسا كانت موجودة في نفس ديغول قبل حرب حزيران. 

يقول في مذكراته إنه التقى في ٦ حزيران ١٩٦٠ م في باريس برئيس وزراء اليهود السابق «دافيد بن غوريون» فقال له: «إنه في الوقت الذي يبدو فيه وجود إسرائيل أمرًا لا مجال للشك فيه  فإني أعتقد في الوقت ذاته أن على إسرائيل أن تأخذ بعين الاعتبار الوجود العربي والمصالح العربية في المنطقة» ثم يستطرد ديغول قائلًا: «وعندما تحدث لي بن غوريون عن مشروعه لتوطين أربعة أو خمسة ملايين يهودي في إسرائيل فإني دعوته لأن يعدل عن تحقيق هذا المشروع، وقلت له: بأن فرنسا ستساعد إسرائيل كما ساعدتها دومًا ولكنها غير مستعدة لتزويدها بالوسائل للسيطرة على أراض عربية جديدة».

ولقد تأزمت العلاقات بين فرنسا والكيان اليهودي بعد حرب ١٩٦٧ م وخاصة بعد أن أعلن ديغول في مؤتمر صحفي: «يبقى اليهود كما كانوا عبر الزمن شعبًا يعتبر نفسه مختارًا ومتسلطًا ومغرورًا بنفسه»، وما أن قامت اليهود بالهجوم على مطار بيروت عام (١٩٦٨) حتى أمر ديغول بحظر شحن الأسلحة الفرنسية بكافة أنواعها إلى «إسرائيل».

  • بومبيدو الديغولي

وفي عهد «بومبيدو» قام اليهود بسرقة خمسة من الزوارق العسكرية الفرنسية التي شملها الحظر العسكري الذي فرضه ديغول على «إسرائيل» وعندما أعلن «بومبيدو» عن تمسكه بسياسة سلفه ديغول بدأ اليهود يشنون حملة واسعة ضد فرنسا  متهمينها بتبني وجهة النظر العربية.

ثم جاءت حرب رمضان ۱۹۷۳ م فازدادت العلاقات بين فرنسا و «إسرائيل» سواء حين صرح وزير الخارجية الفرنسي آنذاك «ميشيل جو بير» بقوله: «هل محاولة العودة إلى الأرض والوطن يمكن اعتبارها عدوانًا مباغتًا؟» وكان بهذه العبارة يعلق على اقتحام القوات المصرية لخط «بارليف» وحين استقبل المتظاهرون اليهود في شيكاغو «بومبيدو» سنة ۱۹۷۰ م بالهتاف «العار لك يا بومبيدو» رد عليهم بتصريح للصحفيين قال فيه «على إسرائيل أن تتوقف عن أن تكون دولة عنصرية طائفية وعليها أن تندمج في منطقة الشرق الأوسط».

  • دیستان يزور البلاد العربية

وعندما جاء ديستان قام بزيارة لعدد من الدول العربية في مارس (۱۹۸۰) هي أبو ظبي والكويت والبحرين والأردن، وقد أكد البيان الفرنسي الكويتي المشترك على «حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره» كما عارض «ديستان» في زيارته للبلاد العربية اتفاقيات «كامب ديفيد» ومشروع الحكم الذاتي للفلسطينيين في الأرض المحتلة، ولم يقم بزيارة «إسرائيل».

  • ميتران الاشتراكي يغضب لصالح اليهود!

أما «ميتران» الرئيس الحالي لفرنسا، والذي كان زعيمًا للحزب الاشتراكي الفرنسي فقد شن حملة على ديستان «لأنه شدد خلال جولته العربية على حق الفلسطينيين في تقرير المصير لكنه لم يشدد على حق إسرائيل في العيش بسلام! »

وكان واضحًا أن ميتران الاشتراكي يقوم بحملة انتخابية إذا أخذنا في الاعتبار أن اليهود يملكون (300,000) صوت في فرنسا ثم جاء تفجير الكنيس اليهودي في شارع «كوبرنيك» بباريس سببًا آخر لازدياد التوتر بين اليهود والحكومة الفرنسية مما عجل بسقوط «ديستان» ونجاح میتران في الانتخابات الرئاسية، وعندئذ أعلن بيغن: «لقد تم انتخاب صديق حقيقي لإسرائيل رئيسًا للجمهورية في فرنسا».

وبينما كان ميتران يتهيأ للقيام بأول زيارة لرئيس فرنسي إلى «إسرائيل» قام اليهود بالعدوان على المفاعل الذري العراقي في ٨١/٦/٧ أي بعد أسبوعين من انتخاب ميتران رئيسًا للجمهورية مما أحرج ميتران صديق «إسرائيل» فقال لصحيفة واشنطن بوست في ٨٣/٦/١٩ م: «أننا ننتقد عمل قادة إسرائيل ولكننا لا نطالب بفرض عقوبات على الشعب الإسرائيلي!». 

وبدلًا من أن تكون فلسطين المحتلة هي الدولة الأولى التي يزورها الرئيس ميتران كما كان بعد، قام بزيارته الأولى للملكة العربية السعودية وقبل ذلك بأيام اجتمع وزير الخارجية الفرنسي «كلود شيسون بعرفات الأمر الذي أغضب «إسرائيل».

ثم خرجت تصریحات میتران «المتوازنة» حيث قال: «كل ما يهدد أمن إسرائيل في حقيقتها التي يعترف بها القانون الدولي ترفضه فرنسا، كما وأنني أؤكد أنه من حق الشعب الفلسطيني أن يحصل على وطن وأرض له».

ولعل هذه التصريحات ليست جديدة على میتران فقد صرح بما يشبهها قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية في تصريح لمجلة «النهار العربي والدولي» بتاريخ ٨١/٤/٢٥م قال ميتران: «إن أكثر ما أساء إلى خطة السلام في الشرق الأوسط هو اعتماد الازدواجية في الكلام أينما ذهبت حرصت على أن أقول الكلام نفسه: حق إسرائيل في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وحق الفلسطينيين في وطن قومي أنني لا أزال أدعو إلى اعتراف متبادل بين إسرائيل والفلسطينيين».

  • المبادرة الفرنسية المصرية

ولعل هذا الكلام لا يختلف في معناه عن مضمون المبادرة الفرنسية المصرية التي قدمت المجلس الأمن ثم جرى تجميدها حتى لا تلغيها أمريكا بحق «الفيتو». 

لقد نصت هذه المبادرة المشتركة على تأكيد حق دول المنطقة في الوجود والأمن وفق قرار مجلس الأمن (٢٤٢) وكذلك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير مصيره.

وقبيل زيارته «لإسرائيل» التي تمت في شهر مارس ۱۹۸۲م قال الرئيس ميتران: «إنني لا أعرف مفاوضًا آخر للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير الفلسطينية باستطاعته أن يقود المفاوضات ويقر أي اتفاق باسم الفلسطينيين» وهذا ما أثار غضب بيغن الذي كان يصاب بالتشنج حين يسمع اسم فلسطين أو منظمة التحرير، وازداد التوتر بينه وبين ميتران حين رفض الأخير زيارة القدس باعتبارها «عاصمة لإسرائيل».

وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام (۱۹۸۲) عارض ميتران الغزو واستقبل فاروق قدومي كما أسهمت القوات الفرنسية في خروج قوات عرفات من بيروت وشبه «ميتران» حصار القوات الإسرائيلية لبيروت بحصار القوات الألمانية النازية

فرنسا.. ماذا يمكن أن تقدم لقرية «أورادور» الفرنسية ثم قال: «كما أنني لم أقبل عملية «أورادور» الفرنسية التي تمت على أيدي الألمان النازيين كذلك فأنا لا أقبل عملية «أورادور» أخرى كما حدث في بيروت».

وقد استشاط اليهود غضبًا لهذه التصريحات وزادت حملتهم على فرنسا بعد الهجوم على المطعم اليهودي في باريس في شهر أغسطس ۱۹۸۲م. 

وخرج بيغن بمنطقه العجيب في هجومه على فرنسا يقول: «لقد قاومت فرنسا لعدة سنوات الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر واضطرت في النهاية لأن تخضع أمام مقاتليها ومنذ ذلك الحين فإنه لا يمكن لأية حكومة فرنسية أن تقبل بأن تتمكن دولة صغيرة مثل إسرائيل! بالانتصار على منظمة التحرير الفلسطينية في حين منيت هي كقوة عظمى بهزيمة أمام الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر».

بعد هذا العرض ماذا يمكن أن نتوقع من النشاط الفرنسي إزاء القضية الفلسطينية ومن اللقاء المرتقب بين عرفات وميتران؟

ذكرنا في مقال سابق بعد حدوث الانشقاق الفلسطيني في «فتح» أن فرنسا كانت تعلم عن مؤامرة تدبر لتصفية المقاومة الفلسطينية وأن الرئيس الفرنسي ميتران رفض الالتقاء بعرفات في تونس خلال عام ۱۹۸۳ م وأنه أجل اللقاء إلى نهاية العام المذكور أو بداية العام الحالي ١٩٨٤ «إن ظل أبو عمار على قيد الحياة!» حسبما همس أحد المسؤولين الفرنسيين لأحد المسؤولين الفلسطينيين. 

وماجرى من مذابح للمقاولين الفلسطينيين في البقاع اللبناني وبعد ذلك في طرابلس وحولها غني عن البيان، وهذا هو أبو عمار بقي حيًا فهل يتم اللقاء؟ وماذا وراءه؟

غالب الظن أن اللقاء سيتم والموقف الفرنسي لم يتغير ولم يتبدل فهو يستند على مبدأين: 

الأول: الحفاظ على «إسرائيل» ضمن حدود آمنة ومعترف بها. 

الثاني: حق الفلسطينيين في أن يكون لهم وطن. 

لقد أعلن مؤخرًا أن فرنسا بصدد تقديم مبادرة أوروبية مشتركة لحل القضية الفلسطينية التي يسمونها مشكلة الشرق الأوسط وأعلن حسني مبارك أن عرفات طلب منه التحرك مع فرنسا لتقديم مشروع في مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية، وفي اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح مؤخرًا تقرر تشكيل لجنة لدراسة العلاقات مع مصر وبطرس غالي وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية توجه مؤخرًا إلى باريس، وفي الأردن حل المجلس الاستشاري الذي تشكل في الأردن بعد حل البرلمان الأردني على إثر قرار مؤتمر القمة في تونس بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وصدرت مجموعة قرارات بإعادة تشكيل البرلمان الذي يحتوي على مجلسين  أحدهما للنواب والآخر للأعيان ومن المعروف أن النواب يتشكلون مناصفة من الضفة الشرقية والغربية وسيجري الآن تعيين بديل عن الذين توفوا من نواب الضفة الغربية، ولقد أعلن عرفات منذ كان في طرابلس أنه بصدد زيارة الأردن والتعاون معها لإحياء مشروع الاتحاد الكونفدرالي وإذا كان بطرس غالي يعتبر أن عام ١٩٨٤م هو عام الحل فإن أحد قادة المنظمة يعتبر أن هذا العام هو عام التحرك من أجل الحل بينما يرى عرفات أنه آن الأوان للحصاد بعد المعاناة الطويلة وأن مآذن القدس تلوح في نهاية النفق المظلم!

  • رهان على المجهول

وفي هذا الصدد تتوجه الدبلوماسية الفلسطينية نحو أوروبا بعامة وفرنسا بخاصة باعتبار أن موقفها أكثر ليونة تجاه منظمة التحرير والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.. وقد تأكد هذا الاتجاه منذ بداية النصف الثاني من العام الماضي وبرزت الحاجة إليه أكثر بعد أحداث طرابلس المؤلمة. 

إذ على الرغم من أن فرنسا ومعظم دول أوروبا لم تشارك في المؤتمر الدولي حول فلسطين الذي انعقد في جنيف في الفترة ٨/٢٩-٨٣/٩/٧ م إلا أن مسؤولين فلسطينيين مثل فاروق قدومي وهاني الحسن أوضحوا أن فرنسا يجب أن يكون لها دور في حل أزمة الشرق الأوسط بل إن هاني الحسن أوضح في مقابلة صحفية في باريس أن الدور الفرنسي ليس مطلوبًا منه أن يكون مستقلًا عن السياسة الأمريكية. من هنا يمكن فهم الدور المصري- الفرنسي الأمر الذي دعا بعض المراقبين إلى القول أنه رهان على المجهول، لأن الدور الأمريكي إذا كان لأوروبا أن تؤثر فيه يبقى رهنًا للقرار الإسرائيلي، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يمكن أن نحصده من موسم التحرك الأوروبي بقيادة فرنسا؟

لا شك أن القاسم المشترك الأعظم بين هذه القوى هو الاعتراف المتبادل والمتزامن بين إسرائيل و «الفلسطينيين» ولكن ما هي الحدود الآمنة والمعترف بها «لإسرائيل»؟ثم ما هي طبيعة الوطن الذي من حق الفلسطينيين أن يكون لهم؟ ربما تكون المباحثات التي جرت وتجري وستجري بين مختلف الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية تدور حول هاتين النقطتين، ولأن أمريكا مشغولة في الفترة القادمة بالانتخابات فقد أوكلت عنها فرنسا مؤقتًا، ولأن البلاد العربية غير متفقة في الظاهر فإن مصر صاحبة السبق في الصلح مع «إسرائيل» ستقوم بالنيابة باستئناف المسيرة وربما تلحق بها بعض الأطراف العربية أما المنظمة فليس أمامها إلا خياران:

- الاستمرار في نهجها الحالي. 

- سرية العمل وإسلاميته.

وسواء حقق الخيار الأول تحرير جزء من فلسطين أو لم يحقق فإن الخيار الثاني هو خيار الله ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ (الأحزاب - 36)

 وستظل فلسطين كلها أو بعضها تنادي ما دام فيها يهود حتى تأتيها كتائب الرحمن ولن ينقذها ريغان ولا ميتران.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل