; تأملات نقدية في المسألة التاريخية | مجلة المجتمع

العنوان تأملات نقدية في المسألة التاريخية

الكاتب إبراهيم مكي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 70

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

الرشيد كان يقاتل عامًا ويحج عامًا.

الإساءة إلى التاريخ الإسلامي أحيانًا تكون بعمد وقصد، وأحيانًا تكون بسذاجة ودون قصد. وللغربيين أساليب وفنون مختلفة في الإساءة لتاريخنا ممزوجة في آدابهم وأبحاثهم ونتاجهم الفكري. ولقد كشف ذلك كتاب «الاستشراق»، و«أساطير أوروبا عن الشرق».

ولعله من المؤلم أن تلك الأساليب المختلفة انتقلت إلى أبناء العروبة والإسلام بطرق عديدة، وأخذ أبناء وذراري المسلمين يمارسون الإساءة إلى تاريخهم كما يفعل الغربيون بتاريخنا. فصاروا يتندرون على أعلام التاريخ الإسلامي ويرددون نفس الافتراءات والأساطير، ويصفون أجواء ألف ليلة وليلة على كل نبيل أو فارس أو مفكر في التاريخ الإسلامي.

ويجدون لهم مادة تاريخية شاذة في كتب التراث، يجعلونها الأصل والحقيقة. ولعل ما ذكره الدكتور محمد الشرنوبي من جامعة الكويت نموذج لذلك. ولا نود أن نتهم الدكتور الشرنوبي بتعمد الإساءة، فنحن لا نظن ذلك. ولكن نظن أن عملية التضليل والتزييف التي مارسها الغربيون علينا انطلت على أساتذة ومفكرين وعلماء.

ولقد تناول الدكتور إبراهيم مكي في زاويته اليومية «خواطر على الدرب» التي ينشرها يوميًا في جريدة الأنباء تلك الأغاليط التي تسيء إلى تاريخنا، وبأدب رفيع ومنطق هادئ أوضح كثيرًا من النقاط التي قد تكون غابت عن الدكتور الشرنوبي.

والمجتمع تنشر رد الدكتور مكي معتبرة رده وافيًا، لتبرئة التاريخ وكافيًا كما كانت تقول.

يعرّفون «التاريخ» بأنه سرد حوادث وبيان وقائع، ولكن من وجهة نظر معينة تحتمل الصدق والكذب، وهذا يعني أن «التاريخ» يدخل ضمن المعرفة الثقافية لا المعرفة العلمية، فالعلم قوانين تم الوصول إليها عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنتاج، فكون الماء النقي يغلي في درجة حرارة مئة مئوي حقيقة علمية تم الوصول إليها بعد تجارب عدة، وعلى ذلك فهذه الحقيقة واحدة عند جميع الخلق لا يختلفون عليها ولو اختلفت مذاهبهم الفكرية والسياسية، وكذلك الحال في كون جزيئية الماء هي H2O وحامض الكبريتيك H2SO4.

ولكن الأمر ليس كذلك في أمور الثقافة، فالثورة في الاتحاد السوفياتي (1917) يُعطيها الشيوعيون تفسيرًا معينًا لماهيتها وبواعثها، في حين يفسرها الكتاب الغربيون على نحو آخر.

والرسالة الإسلامية إذ نفهمها، نحن المسلمون، بأنها رسالة أُنزلت من عند الله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لهداية البشر، فإن الفكر الماركسي يعطيها تفسيرًا آخر، وللمؤرخين الغربيين تفسير غير ذلك. ومن هنا فلا يوجد «تاريخ» علمي يمكن أن يجمع عليه المفكرون، وإنما هو مذاهب شتى يتحكم فيها المبدأ الذي يؤمن به الكاتب المؤرخ إذا كان ذا مبدأ، أو يذهب بها الهوى يمينًا أو شمالًا إذا كان المؤرخ ذا هوى وميول شخصية خاصة.

كيف كتب الأقدمون تاريخنا؟

وتاريخنا نحن أمة العرب، فيما أثبتته السير، مشحون بالحقائق والأهواء، وتتجاذبه الوقائع والمبالغات، ومن هنا كان المحققون في أحداث التاريخ حملة رسالة كبيرة، يقتضيهم عملهم أن يكونوا فقهاء مبدأ وعدولًا في الرأي، وذوي شجاعة في رفض الباطل وإعلان الحق مهما كانت العامة منساقة وراء الرأي الغالب متحمسة له. وأكثر من ذلك فقد روى بعضهم أن كثيرًا من المؤرخين العرب وقعوا في أحبولة تصديق «الشائع» كما ثبت أن عامة العرب إذا أُعجبت بقائد نسبت إليه بطولات لم تحدث أو ضخّمت بطولات له حدثت، وإذا أُغرمت بشاعر ألّف غيره القصائد ونسبها إليه، وقِسْ على ذلك في الملحة والنكتة وحتى في الورع والدين، ومن هنا كان الحذر واجبًا في كتابة التاريخ وفي قبول الروايات التاريخية.

وقد كان الرواد العظام في تمحيص «الروايات» هم رواد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذين محصوا الأحاديث الصحيحة، ونقحوا الروايات، وأثبتوا ما هو مقنع في ثبوت صحته ورفضوا ما بعد ذلك. وقد كان مذهب جامعي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيق الحديث المنسوب إلى الرسول من ناحيتين: السند والمتن، فإن تحقيقهم في السند بأن يكون رواة الحديث ثقاة، لم يُتهموا في دينهم ولم يُعرف عنهم الكذب في نقلهم للأخبار، ولا سُمع عنهم أنهم ذوو غفلة أو سريعو نسيان. وأما تحقيقهم في المتن بأن لا يكون مخالفًا لصريح القرآن وأحكام الإسلام القاطعة الثابتة، وهكذا كان فضل رواد جمع الحديث عظيمًا على هذه الأمة، إذ وفقهم الله إلى جمع الأحاديث الصحيحة التي هي ثاني مصدر من مصادر أحكام الشريعة الإسلامية بعد كتاب الله الخالد.

ثم يأتي بعد حفظة الحديث المؤرخون العظام الذين يحاكمون الروايات بفكر مستنير، فيقبلون سليمها ويرفضون طالحها، وميزة الإنسان بين سائر مخلوقات الله الحية هي ملكة الإدراك والتفكير. فالحيوانات الحية غير الإنسان، تُحِسّ بالأشياء من حولها، وقد تتصرف تجاه تلك الأشياء بدافع من غريزتها بأفعال انعكاسية، ولكن يبقى الإنسان وحده هو الذي يحس بما حوله ثم يدركه بعملية فكرية، ويحكم على الأحداث ويتصرف تجاهها وفق فكره بما وضعه لعملية التفكير من مقاييس ومعايير. وقد يتفاوت أبناء البشر في قوة الإدراك واستنارة الفكر، ولكن حدًا أدنى يجمع بينهم لا يمكن النزول عنه ولذلك قيل: حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له، وما أُوتي العرب في مقتل بأشد مما أُوتوا في تصديقهم لما لا يمكن تصديقه إذا حُوكم وفق قواعد المنطق العقلي السليم.

وقد عاش العرب في جاهلية مستنكرة عندما عبدوا حجارة لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ينحتها الإنسان بمطرقة وإزميل ليشكلها صنمًا يُعبد، لذلك كانت الهجمة الأولى للإسلام على الشرك دعوة لإيقاظ العملية الفكرية لدى الناس، فطرح عليهم القرآن الكريم السؤال الخالد: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ (الأنبياء:66)!

وإذا كانت تلك الوقائع تحتمل الصدق والكذب اعتمادًا على راويها، كما تحتمل فوق ذلك التزييف المتعمد بناءً على أهواء وميول المؤثرين على كاتبيها، فإن محاكمة الأحداث التاريخية التي يسردها الرواة ضرورية جدًا على المستويين: مستوى الراوي ومستوى المروي، هل هو صاحب هوى وميول قبلية أو عنصرية أو سياسية؟ وقد ذكروا أن ثلاثة رجال قدموا من بلاد بعيدة واحدة والتقاهم أحد الولاة، واحدًا تلو الآخر، أمام جلسائه.

فلما جلس إليه الأول سأله الوالي: كيف وجدت البلاد التي جئت منها؟ فأجاب وجدت فيها العلم والعلماء والذكر والذاكرين، فعلمت من أمر ديني ما كنت أجهله، فقال له الوالي: صدقت، وبعد أن انصرف دخل الثاني فسأله الوالي: كيف وجدت البلاد التي جئت منها؟ فقال وجدتها تزخر بالبساتين النضرة والفاكهة اللذيذة والهواء الطيب... أهلها أهل كرم ومعروف والخير فيها كثير والتجارة على أفضل حال... فقال له الوالي: صدقت. ولما انصرف ودخل الثالث سأله الوالي عن حال تلك البلاد.. البلاد ذاتها التي جاء منها من سبقاه.. فقال وجدت فيها الشعر والشعراء والفحول والمغنيين المبدعين ومجالس السمر والأنس طوال الليل.. وجدت فيها مباهج الدنيا وأفراحها.. فقال له الوالي: صدقت.. فلما انصرف سأل شهود المجلس الوالي كيف يكونون جميعًا صادقين، وقد صور كل منهم البلد التي وفدوا على حال مختلفة؟ فقال: لقد كان كل منهم يبحث عما يريد ويهوى، فسعى إلى مبتغاه.. فلما وجده، وكان في نطاقه المحدود، حجب عن فكره وناظريه ما عداه فتوهم أن حال البلد كلها هي الحال التي حصر همه في متابعتها.

الصورة السابقة تعطينا فكرة عن كيف تُروى أحداث التاريخ أحيانًا؟.. فقد حاول بعض متتبعي أخبار أهل الفسق والمجون أن يصوروا عهد خلفاء بني العباس على أنه جميعه عهد خمر وطبل وجوار وغلمان، مع أن الدولة الإسلامية في زمن بني العباس بسطت نفوذها وسطوتها على معظم المعروف من المعمورة في ذلك الزمان، وكانت دولة مرهوبة الجانب، ولا نُغالي إذا قلنا إنها كانت الدولة الكبرى الأولى على سطح الكرة الأرضية، هذا بالنسبة لدراسة وفحص حال الراوي في محاولة فرز وقائع التاريخ لتمييز غثها من سمينها.

تمحيص الخبر التاريخي

نعود في تأملاتنا التاريخية إلى أهمية تمحيص الخبر التاريخي بغض النظر عمن رواه، وقد سبق أن رددنا المثل القائل: «حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له»... فالدولة العربية الإسلامية في زمن الأمويين والعباسيين فتحت الأمصار جهادًا في سبيل الله، وأعلت راية المسلمين في طول الأرض وعرضها، ودولة بهذه القوة البدنية والعسكرية لا بد وأنها كانت محكومة برئاسات تملك الحد الأدنى -على أقل تقدير- من نفاذ البصيرة وقوة العريكة وبعد النظرة والشجاعة والإقدام، فإذا جاء مؤرخ يصور عهود خلفاء بني أمية وبني العباس بأنها بكاملها عهود خمر ودف وقيان وجوار، فإنه إنما يحكم على مجتمع بأكمله قياسًا على سلوك فئات بعينها أو أوساط لا تمثل المجتمع ولا الدولة. لذلك كان التصديق الأرعن والأعمى لما يقال سببًا في إصابة العرب في مقتل في مطلع القرن العشرين، يوم أن تعاونوا مع الإنجليز والفرنسيين قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، فعاونوهم على الأتراك دون أن يعملوا على بناء كيان فكري وبشري صلب لأمة العرب، معتمدين على أن الغربيين سيعطون، بعد النصر على الأتراك للعرب حريتهم ووحدتهم واستقلالهم... ويقدمون لهم دولتهم العربية الحديثة على طبق من سلم وأمان وثقة. لو أن الزعامات العربية في حينه كانت تدرك حقيقة المبدأ الذي كان الغرب يؤمن به، وأن الإنجليز والفرنسيين دولتان استعماريتان تحكم سلوكهما الخارجي الرغبة في امتصاص دماء الشعوب وسلبها حرياتها وخيراتها، وتشتيت شعوبها في ممالك ودول جريًا على مذهبهم المعروف: «فرق تسد...» نقول لو أن الزعامات العربية كانت تدرك ذلك لما صدقوا الوعود، ولما دهمتهم مفرزات معاهدة سايكس-بيكو، ولكنهم صدقوا ما ومن كان ينبغي ألا يصدق، وكانت الكارثة التي ما زلنا نعاني منها حتى يومنا هذا... هل يمكن لعاقل أن يصدق أن الدول الاستعمارية النفعية تقدم أبناءها ضحايا قتال دموي في حرب ضروس، ثم بعد أن تطرد المحتلين تعطي أهل البلاد حريتهم واستقلالهم وترحل؟!

في يوم الجمعة الموافق الحادي عشر من أغسطس المنصرم، نشرت جريدة «القبس» الغراء تحت عنوان «الرأي الآخر» مجموعة من المقالات للأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي، وهو أحد أساتذة جامعة الكويت المعروفين، لفت انتباهنا من بينها مقالان نعتقد جازمين بأن الأستاذ الشرنوبي نشرهما كنوع من الكتابة الخفيفة، لرفع المعاناة الفكرية والنفسية عند القارئ دون أن يحاكم أحداثهما وفق قواعد المنطق وأصول فهم أحداث التاريخ، فجاء نشرهما ظالمًا لمن تناولهما الحديث فيهما.

الشرنوبي وهارون الرشيد

ففي واحد من المقالين الذي جاء تحت عنوان «فزورة!» ورد أن أعرابيًا جلس إلى هارون الرشيد «ويبدو من سياق الكتابة أنها كانت جلسة انبساط ورفع كلفة!» فسأل الأعرابي هارون الرشيد: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة وقت صلاة الفجر فحرمت عليه، فلما كان الظهر حَلَّتْ له، ولما كان العصر حَرُمَتْ عليه، فلما كان المغرب حَلَّتْ له، فلما جاء وقت العشاء حَرُمَتْ عليه، فلما كان الصبح حَلَّتْ له، فلما كان الظهر حَرُمَتْ عليه، فلما كان العصر حَلَّتْ له، فلما كان المغرب حَرُمَتْ عليه، فلما كان العشاء حَلَّتْ له؟ فاحتار هارون الرشيد في تحليل طلاسم تلك «الفزورة»، فحلها الأعرابي بأن المرأة كانت أمة لغير من نظر إليها ثم اشتراها ثم أعتقها ثم تزوجها ثم طلقها، ثم راجعها ثم ظاهر منها ثم كفر عن ظهاره ثم... ثم... إلى آخر سلسلة من الأحداث الملفقة المتتالية غير المنطقية وغير القابلة للحدوث في واقع الحياة، ثم ختم الأستاذ الدكتور الشرنوبي مقاله بأن هارون الرشيد بعد أن سمع من الأعرابي ما سمع، قام وقبل الأعرابي ما بين عينيه وقال له: «الله أعلم حيث يجعل رسالته»! هارون الرشيد كان في زمانه رئيس أكبر دولة في العالم كله، وكانت دولته الدولة الأولى في العالم وفق مصطلحات علوم السياسة الخارجية العصرية، لا من حيث المهابة العسكرية فحسب وإنما بالهيبة الفكرية -المبدئية قبل ذلك وفوق ذلك.. هارون الرشيد كما في الروايات الصادقة كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وقد رفع بصره يومًا إلى سحابة عابرة في السماء، ثم قال لها بوثوق المؤمن ما معناه: أمطري فأينما أمطرت فخراجك آت إليَّ... كيف يمكن لرئيس دولة مثل هذا أن يضيع وقته في «فزورة» سمجة و«سخيفة» من مثل تلك التي قبل الأستاذ الدكتور نسبتها إلى الخليفة الرشيد؟

ولعل أوضح ما يُفسد صحة هذه الرواية، ختامها المُغرق في الكذب، إذ يُنسب للرشيد، أمير المؤمنين أنه قام وقبَّل إعرابيًا بين عينيه لمجرد أنه قال «فزورة» سخيفة ثم قال له: -نستغفر الله مئة مرة- ﴿اللَّهُ أَعۡلَمُ حَیۡثُ یَجۡعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:124) وهذا قول لا يُوجّه إلا إلى نبي مرسل، فكيف يقوله أمير المؤمنين إلى أعرابي نكرة؟!

ولعله من محاسن الصدف أن مجلة الوعي الإسلامي عدد أغسطس 1989، أي في ذات الشهر الذي نشر فيه الأستاذ الشرنوبي مقاله، نشرت خبرًا متصلًا به «هارون الرشيد» جاء فيه: أن الرشيد سأل يومًا في مجلسه، أبا يوسف قاضي قضاة الدولة الإسلامية يومئذ عن أخلاق الإمام أبي حنيفة النعمان فقال: كان والله شديد الدفاع عن حرمات الله، مجانبًا لأهل الدنيا، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذارًا ولا ثرثارًا، إن سُئل عن مسألة كان له فيها علم أجاب، وما علمته يا أمير المؤمنين إلا صائنًا لنفسه ودينه مشتغلًا بنفسه عن الناس لا يذكر أحدًا إلا بخير.

فقال الرشيد: هذه أخلاق الصالحين.

تلك صورة مشرقة عن مجالس الخليفة العظيم هارون الرشيد، فلمصلحة من تُلتقط من الأخبار التاريخية المدسوسة ما يُشوّه تاريخ ماضينا العظيم ثم نسوقه للناس مُغلفًا بالنكتة حتى يقع منهم موقع التسليم؟.

الاستدلال بصحافة الاستعمار!

ننتقل إلى مناقشة المقال الثاني من مجموعة مقالات الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي الأستاذ بجامعة الكويت، التي نشرها في يوم الجمعة 11/8/1989 تحت عنوان «الرأي الآخر» في جريدة القبس الغراء التي تضمنت وقائع تاريخية مغرقة في الغرابة وعدم الواقعية، فتحت عنوان «قانون للزواج» يذكر الكاتب أن مجلة الإسعاد المصرية التي كانت تصدر في بداية العشرينيات في القاهرة، نشرت فيما تُنسب إلى أنه سبق وأن نشرته جريدة «طوغرواز»(1). التركية مشروع قانون للزواج قدمه أحد أعضاء مجلس الأمة الأعلى بأنقرة لهيئة المجلس للتصديق عليه، ثم يسترسل الخبر إلى الحديث عن «القانون» مما يُفهم - وقد لا يكون ذلك دقيقًا - على أن المشروع قد صدر على شكل قانون. وقد حوى القانون على نصوص غاية في الغرابة، ومن أشدها شططًا في الغرابة النص الآتي:

مادة 6: كل من يتجاوز سنه خمسين سنة، وكان متزوجًا بامرأة واحدة، وفي استطاعته ماليًا وصحيًا أن يتزوج بأخرى يكلف بذلك ليشترك في سد حاجة من حاجات البلد الاجتماعية. فإذا اعتذر بأسباب غير معقولة، يُكلف بمساعدة أولاد الفقراء والأيتام في معيشتهم وتربيتهم من واحد إلى ثلاثة حسب استطاعته المالية.

ومع أن المقال لم يوضح فيما إذا كان القانون قد قُدم في العهد العثماني، أم في العهد التركي القومي إلا أن ما ورد من كونه قُدم إلى مجلس الأمة في أنقرة يُعد قرينة على أن القانون قُدم في العهد التركي القومي الجديد الذي أنشأه كمال أتاتورك... على أن العقل يأبى تصديق الخبر في كلا الاحتمالين، فلا يُتصور أن يجبر الخليفة العثماني الناس على الزواج من ثانية والحكم العثماني بإجماع كل المؤرخين الثقاة كان يسير في تنظيم العلاقات الاجتماعية على هدى «مجلة الأحكام العدلية»، وهي مُشرّعة وفق أحكام المذهب الحنفي، وما زالت موجودة ومحفوظة في أغلب مكتبات العالم، ويُرجع إليها في كليات الحقوق في كثير من الدول العربية، وليس فيها هذه الخرافة التي نشرتها مجلة الإسعاد المصرية في أوائل العشرينيات في ظل الاستعمار الإنجليزي.

ولا يُعقل أن يصدر قانون كهذا، أو يجرؤ أحد على تقديمه للبرلمان، في ظل حكم كمال أتاتورك القومي -العنصري المتعصب، وهو الحاكم الذي فرض السفور على النساء، ولبس القبعة الإفرنجية على الرجال وتبنى استعمال الأحرف الإنجليزية في كتابة اللغة التركية، ونسف كل تشريع إسلامي، وقتل أو عذب كل من يدعو إلى ربط حياة الأتراك بالإسلام أو حتى بالعهد العثماني، على الرغم من عدم فهم ذلك العهد للإسلام على وجهه الصحيح أو تطبيقه التطبيق السليم، فكيف يجرؤ أحد في ظل حكم من كانوا يُلقبونه بـ «الذئب الأغبر» الذي أراد أن يمحو من التاريخ التركي كل صلة له بالإسلام... نقول كيف يجرؤ أحد على تقديم قانون أو مشروع قانون يُراد منه إجبار من تجاوزت سنه الخمسين عامًا على الزواج مرة ثانية؟

إن «مجلة الإسعاد» وهي التي كانت تصدر في العشرينيات في مصر في ظل الاستعمار الإنجليزي الحاقد على الإسلام والمسلمين... لا بد وأن يفكر المرء ألف مرة قبل أن ينقل عنها خبرًا له صلة بالتشريع الإسلامي... فكيف إذا كان ناقل الخبر أستاذًا في جامعة عُرف عنه فيما يكتب الرجوع إلى المصادر الموثوقة والإحصائيات المعتمدة؟

لقد استغفرت لنفسي ولك، الله يا أستاذي الكريم... وكما يقولون في الأمثال «غلطة الشاطر بألف غلطة» ولنا في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة... فقد رُوي في الأخبار عنه أنه «كان يمزح مع صحابته ولكن لا يقول إلا حقًا».

«معنى طوغرواز: القلب السليم» (1)

 

الرابط المختصر :