العنوان المجتمع التربوي (1738)
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 10-فبراير-2007
مشاهدات 60
نشر في العدد 1738
نشر في الصفحة 54
السبت 10-فبراير-2007
الهجرة النبوية- دروس وعبر
الصحابة وثقوا في وعد الله بالنصر والتمكين.. فضحوا بالوطن والأموال والأولاد
لا يمكن أن يسلط الله علينا عدوًا إلا عندما نبتعد عن العهد ونلقي الخطاب الذي شرفنا الله به وراءنا ظهريًّا
د. حمدي شلبي (*)
كلنا يعلم أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، إنما كانت ابتلاء وامتحانا بين يدي النصر العظيم الذي قيضه الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام ولأصحابه البررة الكرام.
وكلنا يعلم أيضًا أن هذا الابتلاء القاسي إنما تمثل في الابتعاد عن الوطن وتركه ترك الأرض والمال والعقار، ترك الزوجة في بعض الأحيان والأولاد والأسرة، قطع المسلمون أنفسهم عن حظوظهم كلها التي تعارضت مع اعتناقهم لدين الله سبحانه وتعالى وإخلاصهم له، ثم اتجهوا إلى تلك الأرض المعروفة بسوء مناخها، والمعروفة بوبائها اتجهوا إلى يثرب، وهم يعلمون أنهم إنما ينفذون في هذا أمر مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، ولم يكونوا يتصورون أي جزاء يمكن أن ينالوه في الدنيا أو في الآخرة، كل ما في الأمر أن الرسول ﷺ تلقى الأمر من ربه بأن يهاجر، فهاجروا معه ونفضوا أيديهم في سبيل ذلك من المال والعقار والأهل والولد.
ونظر الرسول ﷺ إلى أصحابه وقد قطعوا أنفسهم من حظوظهم كلها فأشفق عليهم، رآهم جياعًا،رآهم عراة، رآهم تاركين لدنياهم معرضين عنها، فرفع يديه قائلًا: «اللهم إنهم الغداة
جياع فأطعمهم اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم فقراء فأغنهم».
دروس وعبر
ولست بصدد ذكر القصص التي طرقت أسماعكم كثيرًا، ولكن سأذكر العبرة التي ينبغي أن نقطفها في عصرنا هذا من قصة الهجرة.
ما القوة التي بها نجحوا في ذلك الامتحان؟
ما الدافع الذي حملهم على أن ينفضوا أيديهم من كل ما كانوا يملكونه، وأن يتجهوا إلى المدينة المنورة وهم لا يملكون إلا ثقتهم بالله وإيمانهم بضرورة الانقياد لحكمه؟ ما هو رأس مالهم الذي يسر لهمالنجاح في ذلك الابتلاء؟
إنه الثقة بوعد الله: إنه الثقة بما ألزم الله سبحانه به ذاته العلية، سمعوا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الروم: 47)
وسمعوا قول تعالي: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160)
وسمعوا قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (آل عمران:150-151)
وسمعوا قوله تعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾(إبراهيم: 13-14)
وسمعوا قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(القصص: 5)
لقد صكت هذه الوعود والعهود الربانية أسماعهم، وهيمنت على قلوبهم، وعلموا أنه كلام الله وكلام الله عز وجل حق لا يلحقه خلف قط، هذا هو الذي شجعهم ويسر لهم أن ينفضوا أيديهم من القليل الذي كانوا يملكونه من الوطن والأرض والعقار والأهل وكل ما يقف عثرة في طريق سعيهم وسلوكهم إلى الله سبحانه وتعالى.
وموطن العبرة هنا: أن هذا الذي يقوله الله سبحانه مكررًا مؤكدًا. لم يكن خطابًا للرعيل الأول فقط، بل هو خطاب العباد الله جميعًا، هو خطاب للمؤمنين في سائر العصور وفي سائر الأجيال ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)لم يقل: نصر أصحاب رسول الله ﷺ، والخطاب إنما كان للمؤمنين كافة في كل العصور إذ قال: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).
وعندما قال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (القصص: 5) إنما كان يعني البيان الإلهي المستضعفين من عباد الله المؤمنين به الواثقين بنصره في كل عصر.
نتائج مختلفة
فما الفرق بين المؤمنين اليوم وبين أولئك المؤمنين من أصحاب رسول الله؟
أولئك الذين سمعوا هذه البيانات المكررة والمؤكدة وثقوا بكلام الله وصدقوه ورأوا ما وعدهم الله به كأنهم يتقرونه عيانًا، أما نحن فما أكثر ما نتلو هذه الآيات ونرددها؟ وما أكثر ما نسمعها في المناسبات المتنوعة المختلفة؟
لكن أين هم الذين هيمنت هذه العهود الربانية والمواثيق الإلهية على قلوبهم؟ أين هم الذين وثقوا بوعود الله وعهوده التي ألزم به ذاته العلية، كما وثق بها أصحاب رسول ﷺ؟
هذا هو فرق ما بيننا وبينهم، ومن ثم فهو فرق ما بين النتائج التي قطفها ذلك الرعيل الأول والنتائج التي تتقلب في حماتها اليوم، أولئك وثقوا بعهد الباري سبحانه وتعالى، فتركوا الوطن تركوا الدنيا تركوا العشيرة تركوا كل شيء، وعانقوا الوباء عانقوا الأرض ذات المناخ السيئ، لأن عزاءهم إنما هو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)
نصرهم الله أعادهم الله أعزة كرماء إلى الوطن الذي نفضوا أيديهم منه وأكرمهم بمزيد من الأوطان، وبأضعاف أضعاف الأموال التي تركوها في سبيل الله سبحانه وتعالى.
أما نحن، فتسمع هذه البيانات الربانية كما سمعوا. ونتأمل فيها بعقولنا كما تأملوا ولكن أین هم الذين يحفلون بهذه البيانات الإلهية؟ أین هم الذين جعلوا عقولهم أوعية لليقين بهذه العهود التي ألزم الله بها ذاته العلية؟
تأملوا وانظروا تجدوا أن جُل المسلمين اليوم محجوبون عن خطاب الله يتعاملون مع أهوائهم، يتأملون مع غرائزهم، مع رغباتهم يتعاملون مع دنياهم، ومن ثم فقد كانت النتائج في حياتنا على النقيض من نتائج أولئك الناس.
أولئك أدخل الله الرعب في قلوب أعدائهم. أما نحن اليوم فإنما يزيد الله
سبحانه وتعالى قلوب الكافرين وأعداء هذا الدين منعة وقوة وطغيانًا كلما أرادوا أن يتجهوا إلينا بعدوان
انظر إلى النقيض أيها القارئ
ضع نفسك في موضع اليقين بما وعدك الله به انظر كيف يدخل الله الرعب منك في قلوب أعدائك وأعدائه، ولكن إن أنت أعرضت عن بيان الله، وإن أنت نظرت إلى الدين نظرة تقليدية ولم تزد علاقتك به على علاقة الأمة بتراثها كما يقال اليوم تراث ليس أكثر من تراث آل الدين الذي خلقنا لأجله، آلت العبودية التي هي هويتنا فوق هذه الأرض، آلت إلى تراث للآباء والأجداد، ترتبط به ضمن حدود المصالح.
واقع أليم
هذا واقعنا، ومن ثم فقد وكلنا الله إلى أنفسنا، وكلنا الله إلى هذا الوضع الذي تعاني منه نفوسنا وإلا فمن أين جاءت هذه الغطرسة التي يتمتع بها العدو ضدنا؟
من أين جاء هذا الطغيان؟
قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء لا يمكن لأمة أن تذل وأن تهون إلا إذا قطعت ما بينها وبين الله من صلات، ولا يمكن أن يسلط الله عليها عدوًا له ولها إلا عندما تبتعد هذه الأمة عن العهد وتخون الأمانة وتلقي الخطاب الذي شرفها الله به وراءها ظهريًا.
وهذا هو حالنا.
ولا يقولن قائل ها نحن نردد بيان الله صباح مساء ها نحن نسمع القرآن من أفواه تطرب لها الآذان في مختلف الإذاعات والفضائيات هذه أطر انظروا إلى ما في داخل الأطر، ولا تنظروا إلى الإطار نفسه الإطار مزركش وداخله مخجل داخله مخجل نعم هذا العدو الأرعن يسمعنا أن علينا أن نبدل ديننا، أن نبدل مناهج التربية في مجتمعاتنا، علينا أن نودع هذا الدين إلى غير رجعة.
ويأتي من يوافقه في عالمنا العربي والإسلامي ويقول: إن بلسان الحال أو بلسان المقال: سمعًا وطاعة، سمعًا وطاعة سنغير ستبدل أجل سنفعل ما تشاءون.
وأين هو الإله الذي يملك النواصي الذي يملك القلوب الذي قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، ويحكم، إن بينكم وبين أن يطرد الله عدوكم من دياركم وبين أن يلحق به المهانة والذل شيئًا واحدًا، هو أن تصدقوا مع الله كما صدق أصحاب رسول الله مع الله هو أن تثقوا بهذه العهود المتكررة التي ألزم بها ذاته العلية ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)
خوارق النصر
عندما نثق بهذا الكلام ونعاهد الله مجددًا كما عاهدنا، فإن الله سيخلق في حياتنا خوارق النصر والتأييد. أما عندما نضع الخطط المتنوعة المختلفة التي تهدف إلى غاية واحدة، ألا وهو تمزيق هذا الدين وتحويله إلى أمور ضبابية تصبح بعد حين أثرًا بعد عين كالتجديد، كالحداثة كالعلمانية كتبديل الخطاب الديني كالتحويل كالتبديل.
فهذه الكلمات التي تسمونها خططًا هي نتائج لخطط أجنبية أنا على يقين بها المراد منها أن تخلع هذه الأمة رداء دينها، ومن ثم أن تخلع البقية الباقية من رداء حضارتها، ما الذي يبقى لها؟
يبقى لها أن تتحول إلى أجراء إلى عبيد يتسولون الحضارة الغربية الآسنة التي ظهر ريحها وظهر أنها بلاء أطم يهلك الحرث والنسل. هذه هي العبرة التي ينبغي أن نأخذها من هجرة المصطفى ﷺ.
(*) أستاذ الحديث وعلومه جامعة الأزهر
شيخ التربويين العرب الدكتور حامد عمار: التغيير المطلوب مسؤوليتنا جميعًا.
انتشار المؤسسات التعليمية الأجنبية ببلادنا كارثة كبرى.. ومن أخطارها تهيئة شبابنا لخدمة مصالحها والولاء لها
حوار: محسن عبد الفتاح
وصف شيخ التربويين العرب. خبير التعليم الدكتور حامد عمار الواقع التعليمي العربي بالمتردي مؤكدًا أن المجتمع العربي باتت تهدده أخطار ليس فقط في الجانب التعليمي، بل في جوانب المجتمع الأخرى، وكشف في معرض حديثه مع المجتمع أن النهج التعليمي السائد حاليا وسيلة لإعادة اجترار الأفكار السائدة بتناقضاتها، وأن اختراق المؤسسات التعليمية الغربية لمجتمعاتنا العربية مؤخرا تم تحت سمع وبصر وموافقة الأنظمة الحاكمة...ونبه في الوقت نفسه إلى أخطار وجود المؤسسات التعليمية الأجنبية ببلادنا وأضرارها على أبنائنا وانتمائهم الوطني.
وطالب د. حامد عمار بنشر الوعي عن هذه الأخطار بين جميع أبناء الوطن وبكافة السبل من أجل تفعيل المقاومة الثقافية من قبل المخلصين والغيورين على مصالح البلاد حتى نغير الواقع للأفضل.
كما انتقد تخلي بعض الأنظمة العربية عن أداء دورها تجاه المجتمع من خلال مؤسساتها الرسمية وترك مقدرات الأمور في أيدي تجار القطاع الخاص دون حسيب أو رقيب وفي شتى المجالات وليس فقط في الجانب التعليمي.
وإلى تفاصيل الحوار
● كيف ترى سبل الارتقاء بالتعليم العربي وتفعيل دوره التنموي؟
-مسألة تطوير التعليم وضرورة تماشيه مع التطور العالمي الذي يسبقنا بمسافات اعتقد أن هذه قضية جدية، بمعنى ليس من الضروري أن يكون تطوير تعليمنا متماشيًا مع الفكر العالمي، إنما علينا أن نطور تعليمنا من نقطة البداية التي نعيشها مستعينين. وليس ناقلين أو مقلدين. بما يناسبنا في الفكر التعليمي العالمي، لأن أي فكر لابد أن يكون نابعًا من واقع البيئة.. فالفكر العالمي ينبع من قضايا العولمة، والعلمنة، والإنسان الصناعي، والقيم المادية.. إلى غير ذلك.. لكن إذا أردنا الاستعانة بما هو في المناهج التعليمية لدول أخرى متقدمة علينا، فإن علينا أن نحرص على الأخذ بما يناسبنا ويتماشى مع قيمنا وبيئتنا.
علينا كذلك أن نقيم واقعنا التعليمي من قبل علمائنا بعين وطنية فاحصة لا أن نلجأ إلى الغير من خبراء ومؤسسات أجنبية... وبالتالي يأتوننا بأفكار لا تناسب واقعنا ولا تعالج السلبيات.. ويخيل لنا أن ما تقدمه هذه المؤسسات الأجنبية هي الحداثة والتقدم والرقي!!
إن النهج التعليمي السائد حاليًا في دولنا العربية وسيلة لإعادة اجترار الفكر السائد بتناقضاته، ويجب أن يتغير هذا الواقع وتصبح العملية التعليمية أداة من أدوات المقاومة.. بمعنى أن يستمر التطور مهما كان التعليم متقدمًا.. هذا هو التوجه الجديد والحقيقي لتطوير التعليم ومن ثم المجتمع ككل.
هذا الواقع التعليمي المتردي يرتبط أيضًا بالفكر الديني التقليدي الذي ترسب معظمه لدينا من الكتب الصفراء التي جمدت الفكر بعد أن أغلقت باب الاجتهاد، وظلت هذه الكتب الفقهية بجمودها المصدر الأساسي الثقافة الإنسان العربي المسلم!
● انتشر بالدول العربية التعليم الأجنبي ومشاركة مؤسسات أجنبية في تعليم أولادنا بتوجهات غربية.. هل هذا تطور أم تدهور؟!
-هذه هي في اعتقادي كارثة كبرى حلت علينا من وراء العولمة ومن التبعية لكل ما هو أجنبي: وما يسمى بثقافة السوق. السوق العالمي. فالسوق العالمي الذي غزا بلادنا بفكره ومؤسساته وشركاته يشجع، بل يحرص على توفير احتياجاته من أبناء الوطن المتعلمين في مدارس وجامعات أجنبية بلسان غير عربي والعمل على إعدادهم لكي يخدموا مصالح الأجنبي على حساب المصالح الوطنية.. وبالتالي لابد أن نلتفت إلى هذا الخطر الداهم الذي تسلل تحت سمع وبصر وموافقة الأنظمة بحجة تحديث التعليم، وإن الزعم بأن هذه المؤسسات التعليمية الأجنبية جاءت بكل ما هو جديد كلام عار عن الصحة وبعيد عن الحقيقة.. بل هي تهيئ شبابنا وتوجههم بلغتها لكي يخدموا مصالحها واستثماراتها الموجودة في منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي.
● إذا كيف نتغلب على هذه المشكلة؟
أن نوضح خطورة هذا الوضع التعليمي الأجنبي الموجود في بلادنا وأضراره على أبنائنا وانتمائهم الوطني.. وأن نعمل على نشر الوعي بذلك بين أبناء المجتمع بشتى الوسائل وألا تأخذ قضية التعليم بأسلوب عصري ولغات أجنبية مسألة التقديس لدينا.. لأن العلم أيضًا في مفهومه البسيط عبارة عن معرفة جديدة تعمل على تغيير الواقع الحال أفضل... إنما إذا كانت المعرفة الجديدة تجمل الواقع وتترك الفكر والبشر في الصورة التعليمية الراكدة وتسلبهم انتماءهم فهذا غير مقبول!! بل هو الكارثة بعينها.
إن التوعية المطلوبة لمواجهة هذا الوضع الخطير لا تتم إلا بجهود ذاتية لأبناء الوطن المخلصين، وإدراك حقيقي لما نريد من سبل إصلاحية لواقعنا المهدد بتلك الأخطار الجسام. وليس من سبيل للوصول إلى هذا إلا بنهج الديمقراطية الحقيقية، وإطلاق الحريات في المجتمعات العربية والإسلامية.
● وماذا عن مسؤولية المؤسسات التعليمية الوطنية الرسمية تجاه هذا الوضع الذي وصفته بالمتدهور هل نبرنها من مسؤولية تراجع العملية التربوية والتعليمية؟
-لقد تخلت معظم الأنظمة العربية عن دورها القومي والوطني في النهوض ليس فقط بمجال
التعليم، بل في مجالات حيوية كثيرة.. تخلت عن هذه المسؤولية وتركتها للمؤسسات الخاصة دون رقابة أو محاسبة أو توجيه أو إشراف.. وهو ما جعل الأمر يخضع لمعادلة الربح والخسارة.. أي أن المنطق التجاري ساد على المهام التعليمية والرسالة التربوية.. فليس بالضرورة كل خاص أفضل من الحكومي.. فهذا الفهم الخاطئ ترسخ في أذهان الكثير من أبناء المجتمع، وقلب الهرم التعليمي رأسًا على عقب.
ولتصحيح هذا الخلل لابد من اقتحام الواقع والتعامل معه والضغط لتصحيحه... من كافة أبناء الوطن.. فلا يكفي الأقوال الإصلاحية من طرف البعض أو طرح أفكار دون أفعال.. لابد أن تكون المطالبة بالإصلاح مطلبًا جماعيًّا أو ما يسمى بالكتلة الحرجة. وليس لأفراد قلة دون الأغلبية، فالأخطار تهدد الجميع ولن تفرق بين أحد دون آخر.
● هل تقصد بالمشاركة الجماعية مشاركة فعالة من جانب المجتمع المدني وجمعيات النفع العام إلى جانب بقية أطياف المجتمع؟
-نعم، فالمجتمع المدني وجمعيات النفع العام أصبح لهما صوت مسموع، لكن لابد من تفعيل هذه المشاركة وأن تكون حقيقية وليست شكلية هادفة للإصلاح ليس فقط في مجال التعليم، بل في إصلاح كافة مجالات المجتمع وأن تتمسك بدورها الحيوي ورسالتها السامية في خدمة الوطن.. دون خضوع الضغوط المعونات المادية التي تقدم لها سواء من الداخل أو الخارج بهدف إسكات صوتها أو إضعاف دورها أو شل حركتها.
● معنى ذلك أن الواقع الذي نعيشه والقيود التي تكبل المؤسسات المطالبة بالإصلاح الحقيقي، يعطي صورة سلبية عن المستقبل؟
-على العكس تمامًا.. لقد حددت في إجاباتي الأسس المطلوب توافرها لكي تقع عملية التغيير إلى الأفضل ولو جزئيًّا وليس كل ما نصبو إليه من إصلاح مرة واحدة ... الأمل موجود وهو رحمة من الله عز وجل للإنسان.. وإذا فقدنا ذلك الأمل تملكتنا حالة من الموات، ومن ثم لا يمكن للبشر أن يفقدوا الأمل.. علينا أن نكافح وتناضل. نفشل حينًا وننجح أحيانًا.. ومن الإخفاق يمكن أن نتعلم دروس النصر.. ومن تضحياتنا ومقاومتنا وإيماننا ننسج ثوب النجاح المنشود.. تلك مسؤوليتنا جميعًا ومسؤولية الأجيال من بعدنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل