العنوان تحت وابل النيران في البوسنة (٧) سراييفو ألف يوم من الحصار
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1137
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-فبراير-1995
• • سكان سراييفو يتحملون الحصار منذ ألف يوم دون كهرباء أو ماء أو غاز.
• كانت سراييفو قبل الحرب تسمي ياقوتة البلقان.. أما الآن فقد أصبح اسمها جحيم البلقان
أحمد منصور يكتب من سراييفو
بدأت أشعر بوطاة الحصار المضروب من قبل الصرب على العاصمة البوسنية سراييفو منذ دخولى إلى حدود البوسنة، وبدات معالم الحصار تتضح لي شيئًا فشيئًا وأنا أقترب منها مخترقًا له تحت جنح الليل جالسًا في السيارة إلى جوار ميرزا، وبعد ما نزلنا من جبل إيجمان أوقف ميرزا السيارة في مكان لم تتضح لي معالمه، ثم مشى بي قليلًا في طريق موحل حيث رأيت تجمعًا من الناس يتحركون ما بين ذهاب وجيئة، وبعد ما غاب ميرزا عنى قليلًا جاء مكتئبًا وقال لي: إن الشخص الذي من المفترض أن أسلمك إليه لم يأت بعد ولابد أن مانعًا قد منعه في الناحية الأخرى من النفق لكني متأكد أنه في انتظارك هناك ومن السهل عليه أن يعرفك، ولذلك فليس أمامنا حل الآن سوى أن تعبر النفق وحدك وسوف يتعرف عليك حال وصولك بدلًا من أن تقف هنا فتتجمد من البرودة، قلت له: لا بأس من الأخذ باقتراحك يا ميرزا فالبرد قد اخترق كافة ملابسي السميكة وبدأ يتسرب إلى عظامي ولاشك أن النفق سيكون أدفأ من هنا.
أخذني ميرزا إلى مبنی به ضوء خافت كان مكتظًّا بالناس، ثم دلف بي إلى غرفة مليئة بالضباط والجنود البوسنيين، وقال لأحدهم هذا هو ضيفنا أمانة نسلمها إليكم حتى تتكفلوا بإيصاله إلى داخل سراييفو وسوف يجد هناك من ينتظره.
رحب بي الضابط البوسنى وقام بتسجيل بياناتي في سجل خاص، ثم طلب من أحد الجنود أن يصحبني إلى مدخل النفق لأخذ دوری مع العابرين مشى معى ميرزا إلى صالة صغيرة مكتظة بالناس، ثم أخذني في جانب وأعاد شد أربطة الأكياس التي كان قد وضعها حول قدماي، ثم قال لي وهو يودعني سوف أنتظر اتصالك بي في زينتسا حينما تنتهى من مهمتك وسوف أوافيك هنا عند منتصف الليل أيضًا لأعود بك إلى كرواتيا ثم ودعنى ومضى.
العبور من النفق
صفنى الجندى البوسنوي في الطابور الذي كان في طريقه إلى النفق، ثم فتح بابًا صغيرًا فوجدتني أنزل منه تحت الأرض لأبدأ أولى خطواتي للدخول إلى سراييفو عبر هذا النفق العجيب الذي يعتبر وحده من أكبر البطولات التي صنعها أهل سراييفو مع بطولات الصمود الأخرى التي لا نهاية لها. فمنذ حصار الصرب لسراييفو في إبريل ۱۹۹۲ لم يتحرك العالم لنصرتهم سوى بالبكاء والعويل والشجب والإدانة، لكن أهل سراييفو قرروا أن يكسروا شوكة الحصار الصربي على طريقتهم الخاصة، حينما استمروا سبعة أشهر في حفر نفق سرى يخرقون به الحصار وينفذون به إلى الدنيا ويصل هذا النفق بين أقرب نقطتين يسيطر عليهما المسلمون داخل سراييفو وخارجها.
وقد أصبح هذا النفق طريقهم الرئيسي إلى العالم، فطوله يزيد عن كيلو متر واحد بقليل، أما عرضه فلا يتسع سوى المرور شخص واحد، أما ارتفاعه فإنه لا يسمح للشخص بالمرور إلا منحنيًا، ولهذا فإن ارتطام لرأس بالسقف مهما حاول الإنسان حمايتها تظل من طبيعة المرور في النفق.
شعرت وأنا أنزل السلم المؤدي إلى النفق أنني أصبحت خارج نطاق الزمن وخارج نطاق العالم الخارجي، وكنت أحمل حقيبتي الصغيرة فوق ظهرى فشعرت بها كأنها جبل أنوء بحمله، وكلما حرصت على حماية رأسي من السقف ارتطمت به وبينما كانت بعض الأضواء الخافتة تكشف بعض الطريق كان الوحل والمياه المتسربة من أعلى أو من منسوب المياه الجوفية تغمر أرض النفق لذلك لم تغن أكياس ميرزا عنى شيئًا، فبدأت المياه والأوحال تتسرب إليها ومنها إلى حذائي، وتم حصارى بالسقف المنخفض ذي البروز الحديدية عند رأسي وبالأوحال عند أقدامي وبالجبل الذي أحمله على ظهري وبالطابور الطويل الذي لم أكن أستطيع أن أخالف خطواته فيدفعنى من خلفي بينما أتابع خطوات من أمامي، ورغم أن الجميع يلهثون فليس هناك فرصة للاستراحة إلا حينما يتوقف من في المقدمة التي لم أكن أعرف أولها كما لم أكن أعرف آخرها، وبعد وقت طويل لا أستطيع تقديره وجدتني أصعد سلمًا فأدركت أني وصلت وكانت صورة مدخل النفق هنا مثل صورته هناك أعداد من الناس تنتظر دورها في العبور إلى الجهة الأخرى، أخذت أتفرس وجوهها لعلي أتعرف على من ينتظرني أو يتعرف هو علي كما أخبرني ميرزا.
كان يبدو على أني غريب، وقد أحسست بذلك من نظرات الناس لي خاصة إذا وصلت نظراتهم إلى أكياس ميرزا التي كانت ملفوفة حول قدماي، وقد وصل الوحل الذي غطى ملابسي إلى ركبتاي توجهت نحو أحد الجنود الذين يملؤون المكان لأستفسر منه عن مكان للهاتف أو وسيلة أتعرف بها على من ينتظرني، إلا أني أثناء حديثي معه وجدت من يسلم على ويعانقني ويعتذر إلي عن عدم قدرته عن انتظاري في الطرف الآخر من النفق، حيث إنه قد مضى عليه ثلاث ساعات وهو ينتظر دوره للمرور دون جدوى.
معالم الحصار
بعد جهود مضنية أزلت أكياس ميرزا بمساعدة مرافقي، وحينما توجهنا إلى السيارة قصدتنا سيدتان بوسنيتان واستأذنتا من مرافقى أن يصحبهما معنا إلى وسط المدينة حيث يقع مسكنهما فأذن لهما فذهبتا لإحضار أمتعتهما التي لم تكن سوى مجموعة من الأجولة واللفافات الصغيرة التي ملأت حقيبة السيارة.
كانت الساعة تقترب من الثالثة بعد منتصف الليل، ولا أدرى كم كانت درجة البرودة لكن ما أذكره هو أني كنت أشعر أن البرد قد وصل إلى عظامي، وحينما تحرك مرافقى بالسيارة دفعني الفضول الصحفي لمعرفة ما تحويه تلك اللفافات والأجولة التي ملأت بها السيدتان حقيبة السيارة، فبدأت حديثي عامًا إلى السيدتين اللتين كانتا تجلسان على المقعد الخلفي فقلت لهما: ما اسمك يا سيدتي؟ قالت إحداهما: اسمى ياسمينة قلت لها وأنا أمهد لاستدراكها هذا اسم ابنتي الصغيرة أيضًا، ثم قالت الأخرى: وأنا اسمي ليلى، فقلت لهما أراكما تحملان كثيرًا من الأمتعة، قالت ياسمين: إنها طعام جلبناه لأولادنا الصغار من خارج سراييفو حيث الأسعار أقل من أسعار سراييفو بخمسة أمثال أو أكثر، فأنا لدى أربعة أولاد وصديقتي وهي جارتي أيضًا لديها خمسة أطفال وقد استشهد زوجها في الحرب ولا عائل لها ولا مورد والحصار جعل أسعار كل شيء هنا جنونية حتى أن راتب الموظف الشهري لا يكفى لشراء نصف كيلو من اللحم، ولذلك فإننا من آن لآخر نكابد هذه المشاق لشراء بعض
الخضار والأشياء الرخيصة من خارج سراييفو ثم نأتي بها، فقلت: وكيف تخرجون وتعودون؟ وكيف حملتم هذه الأشياء قالت: إن زوجي ضابط في الجيش ولهذا فإنه يسهل لنا عملية الخروج والعودة، أما هذه الأشياء فإننا نحملها على ظهورنا مثل باقي الناس ولو لم تساعدونا في نقلنا معكم بالسيارة لحملناها أيضًا على ظهورنا ومشينا بها كل هذه المسافة على أقدامنا، لأن الشوارع كما تراها خالية ولا يوجد سيارات وإن وجدت فلا مال لدينا لدفعه إلى صاحب السيارة.
صمت برهة ثم قلت لها.. إذن ما هي رؤيتك للمستقبل؟ قالت: عن أى مستقبل تسألني؟ عن الساعة القادمة التي لا أضمن هل أعيشها أم لا ؟ أي مستقبل هذا الذي أفكر فيه وقد مضى علي يومان وأنا أكابد المشاق للحصول على طعام لأولادي؟ وآلاف الأمهات ربما لا يغمض لهن جفن لأنهن لا يملكن ترتيب أمور أولادهن.
أما ترى هذه الشوارع المظلمة والعمارات المدمرة والصمت الذي لا يقطعه سوى رصاص الصرب وقذائفهم فيخيل إليك كأنك تمشي في مقبرة أو في بلدة هجرها أهلها.. لا مستقبل هنا يا سيدى سوى للدمار والخراب وأكاذيب المجتمع الدولي ودجله، لا مستقبل هنا يا سيدى سوى للموت فهو يحصد كل يوم هنا كثيرًا من الناس.
هزتني تلك المعاني القوية التي سمعتها وقلت في نفسي: والله إن للحق قوة حتى وإن كان صاحب الحق ضعيفًا.. وفي شارع مظلم من شوارع سراييفو وأمام عمارة مظلمة طلبت ياسمينة من مرافقي أن يتوقف ثم ساعدناها وصاحبتها في إنزال حاجياتهم من السيارة وقبل أن نتحرك قلت لها: أما تحبين أن أنقل رسالة منك إلى العالم من خلال كتابتي قالت: إذا كتبت شيئًا فلا تنس أن تذكر أنك صادقت أمًّا في سراييفو تقطع أكثر من عشر كيلو مترات على قدميها تخترق حصار الصرب تحت جنح الليل وتخاطر بنفسها تحت درجة حرارة أقل من الصفر، وذلك حتى توفر لأولادها أبسط أنواع الطعام، ثم ألقت السلام وانصرفت.
كانت هذه الصورة القاتمة هي أول ما صادفني داخل سراييفو التي دخلتها بعد منتصف الليل وهى تستقبل يومها الألف من الحصار.
ألف يوم من الحصار
في السادس من إبريل عام ١٩٩٢ ضرب الصرب حصارهم حول سراييفو، ومع مرور ألف يوم من الحصار على سكانها الذين تقلص عددهم من ٣٥٠ ألف نسمة قبل الحرب إلى ۲۲۰ ألف نسمة الآن فإنها لم تدخل موسوعة جينز للأرقام القياسية فحسب، وإنما دخلت التاريخ باعتبارها أكبر عواصم العالم تعرضًا للحصار في العصر الحديث، فقد تفوقت بحصارها على حصار ليننغراد الذي لم يدم سوى ستمائة يوم في الحرب العالمية الثانية.
وسراييفو كان يطلق عليها قبل الحرب اسم «ياقوتة البلقان»، وذلك للجمال الخلاب والسحر الخاص الذي كانت تتمتع به أما حصار الألف يوم فقد حولها إلى «جحيم البلقان»، فلم يعد فيها بيت لم يسلم من قذيفة. والذي سلم من القذائف لم يسلم من شظاياها حيث لم يعد لزجاج النوافذ مكان وإنما استبدل جميعه بعد دماره ببلاستيك مقوى ليحجب البرودة الشديدة.
لقد كان الدمار وأثر الحرائق بادية على كل المباني الرئيسية والرسمية في سراييفو
بداية بدار الكتب التي كانت تحوى عشرات الآلاف من المخطوطات العربية والإسلامية والتي كانت أول ما رأيت في سراييفو ومرورًا بمبنى البرلمان والبلدية والبرق والهاتف والبريد والمتاحف والعمارات السكنية والتجارية وكل ما له أهمية في المدينة، لقد كان حجم الدمار يفوق الخيال ولم يكن الدمار عشوائيًّا بقدر ما كان انتقائيًّا ومركزًا على كل ما يتعلق بمقومات الحكم والإدارة والتاريخ والهوية، فلم يكن مجرد إبادة شعب وإنما كان محو هوية وإزاله كيان، فالمكتبة التي كانت تحوي تاريخ البوسنة وجذورها طوال القرون الخمسة الماضية كانت أول أهداف الصرب، ثم كان الدمار للمساجد وتدمير المآذن بصفة خاصة حتى القبور لم تسلم من الدمار، ثم المصانع والشركات التجارية والمصالح الخدمية، وقد أدى ذلك إلى خسائر مادية وبشرية جسيمة وقد بلغ عدد المقابر التي حفرت في سراييفو وحدها خلال ألف يوم حوالي ثلاثة عشر ألف مقبرة منها أكثر من ألف وخمسمائة مقبرة للأطفال الذين قتلوا في سراييفو خلال الحصار.
لقد كنت أجوب سراييفو بطولها وعرضها كل يوم من الصباح وحتى الليل وكنت أحيانًا أتجاوز حد حظر التجول المقرر في العاشرة مساء تحت ستار عملی الصحفي وأعود منهكًا عند منتصف الليل أو بعده بقليل، وذلك بحثًا عن معالم الحياة وسط ظلال الموت والحصار هنا فكنت أجد قسوة الحياة مع صعود الناس وبطولاتهم في كل شيء.
لقد ذقت طعم الخوف والقصف والدمار وسقوط القنابل والصواريخ ورؤية أشلاء الناس وجثثهم وأنا أغطى الحرب الأفغانية طيلة ثلاث سنوات، لكنها كانت المرة الأولى التي أعرف فيها قسوة الحياة تحت وابل النيران مع الحصار هنا في سراييفو، إن قسوة الحصار هنا لا توصف، لقد أصبحت سراييفو سجنًا كبيرًا أقامته الأمم المتحدة وتركت الصرب يدمرونه على من فيه.
حينما ذهبت إلى مبنى تليفزيون البوسنة كانت أشرف جوجاليتش المسئولة في قسم العلاقات الدولية في التليفزيون ممن تحدثت معهم حول الوضع في سراييفو، وحينما قلت لها: كيف ترين الحياة هنا في سراييفو بعد مرور ألف يوم من الحصار ؟ قالت أشرف: تسألني عن الحياة ؟ قلت: نعم قالت: لا أدرى فأنا شبه مغيبة عنها ولكنى أسألك أنت عن الحياة والأحياء الذين يعيشون خارج معتقل الإبادة الكبيرة هنا فقد جئت لتوك من خارج سراييفو حيث توجد الحياة والأحياء هناك.. واستطردت أشرف قائلة: إن لى ثلاثة من الأولاد اثنان منهم لا يعرفان شيئًا يؤكل اسمه اللحم، أما الثالث فمن المؤكد أنه نسيها لأننا منذ ثلاث سنوات لا نأكل إلا من المساعدات التي تأتينا وهي محصورة في المكرونة والفاصوليا قلت لها: والفواكه؟ قالت الفواكه.. لقد نسيتها، إن راتبي يا سیدى لا يزيد عن ست ماركات ألمانية كل شهر، وهو ما يوازى راتب أستاذ الجامعة هنا أيضًا وهو لا يشترى أكثر من كيلو بطاطس من سوق الخضار، أما كيلو اللحم فإنه يوازي راتب خمسة شهور كاملة.
ولم يكن حديث أشرف يختلف عن حديث عشرات من البوسنيين الذين تحدثت معهم وأنا أجوب شوارع سراييفو، وكانت جولتي في الأسواق هي خير دليل على مدى قسوة الحياة هنا تحت الحصار.
أسواق المدينة
ففی سوق سيجلانه الذي أنشاه سكان سراييفو بعد الحصار يخرج الناس ليبيعوا أغراضهم الخاصة من بيوتهم حتى يستطيعوا أن يواجهوا أعباء الحصار القاسية، ومن السهل أن تجد موظفًا مرموقًا في الدولة سابقًا أو حاليًا، وقد خرج بجزء من أغراض بيته ليعرضها في السوق لمن يدفع ولو أقل المبالغ وقد وجدت كثيرًا من الناس يعرضون مقتنيات خاصة من تلك التي تكون عزيزة على صاحبها لارتباطها بمناسبة أو شخص عزيز، وحينما سألت أحدهم لما يفرط في هذه الأشياء قال لي: ما قيمة هذه الآن وأنا لا أجد ما أعيل به أولادي، حتى أني وجدت أحدهم وقد خلع طاقم حمام بيته ووقف يبيعه بماركات معدودة فقلت له: هل خلعته من بيتك؟ قال: نعم خلعته وأريد بيعه فما قيمته والماء منقطع طوال الوقت ولا يأتي، ومع أن الأشياء تباع بأسعار رمزية مقارنة بقيمتها الحقيقية إلا أنه ليس هناك إقبال على الشراء لأن الناس لا تملك المال.
وحينما ذهبت إلى سوق التحف القديمة الذي يشبه سوق خان الخليلي في القاهرة لمجرد المشاهدة دخلت أحد المحلات وأبديت إعجابي بإحدى دلات القهوة فسألت صاحبة المحل عن سعرها فأبلغتنی به فشكرتها ورددتها مكانها، إلا أني فوجئت بأن السيدة ترفعها من مكانها وتعيدها إلى مرة أخرى وهي تقول لي أرجو أن تأخذها يا سيدى وأن تحدد أنت السعر الذي تدفعه، لقد كنا نبيع يا سیدی قبل الحرب كميات كبيرة من هذه التحف حيث كان السياح يفدون إلى سراييفو بعشرات الآلاف والآن لم يعد يأتينا أحد منذ ثلاث سنوات وأريد أن أشعر أني بعث شيئًا فادفع ما يروق لك.
وحينما انتهت أفلام التصوير الخاصة بالكاميرا التي كانت معى، أخذت أبحث عن أفلام حتى وجدت في أحد المحلات ثلاث أفلام كان يبدو عليها أنها قديمة ومخزونة، فقلت للبائعة أليس لديكم غيرها؟ قالت: لا يوجد سوى هذه يا سيدي قلت لها: إنها قديمة وأخشى أن تكون صلاحيتها قد انتهت قالت: حقًّا إنها قديمة ولكن أعتقد أنها لا زالت صالحة للاستخدام، وكان الأمر طبيعيًّا إلى أن سألتها عن السعر فوجدته يفوق الأسعار خارج سراييفو بعشرة أضعاف لكني في النهاية اضطررت أن أدفع.
وحينما ذهبت إلى سوق الخضار الرئيسي في شارع المارشال تيتو كانت البطاطس أو البطاطا هي سيدة الموقف هناك مع قليل من الضروريات الأخرى وكل شيء في سراييفو بالمارك الألماني فهو العملة الرئيسية المتداولة ويليه الدولار، أما الدينار البوسني فقليلًا ما يستخدم ويساوى المارك الواحد ١٣٠ دينارًا بوسنيًّا.
لكن ما لفت نظرى في سوق الخضار الذي يحوى الضرورات الحياتية الرئيسية للناس هو الورد الذي يباع كسلعة أساسية من السلع التي لا يستغنى الناس عنها هنا في سراييفو مثلها مثل الضرورات الأخرى، وحينما وقفت أمام بائعة الورد التي كانت تقف في مكان متقدم من السوق قالت لي: هل تريد بوكيه ورد؟ قلت لها شكرًا لك فقط أطالع السوق، لكني تعجبت من أن الحرب التي قضيت على أشياء كثيرة هنا لم تستطع أن تقضى على المعاني الجميلة والمشاعر الرقيقة التي يمتاز بها شعب البوسنة المسلم.
أما السلع الأساسية الأخرى فأسعارها داخل سراييفو مرتفع للغاية مقارنة بخارج سراييفو فسعر المتر الواحد لخشب التدفئة يصل إلى ۳۰۰ مارك ألماني ويكفى لمدة شهر واحد، أما سعر لتر السولار فإنه عشر ماركات، أما سعر كيلو اللحم فإنه ٢٥ ماركًا ومعظم الضرورات الحياتية الأخرى على هذا النحو، ولا تخلو الشوارع من إعلانات تعرض بيع كل شيء بدءًا من الأثاث وحتى الكمبيوتر الشخصي ومجفف الشعر، وتعتبر هذه الأسعار رخيصة جدًّا مقارنة بأسعار ديسمبر ۱۹۹۲ حيث كانت الطرق مغلقة مع كرواتيا بسبب الحرب التي كانت قائمة بين المسلمين والكروات، وقد وصل سعر كيلو اللحم وقتها إلى مائة مارك ألماني، أما سعر لتر السولار فقد كان خمسين ماركًا.
الخدمات الأساسية
الماء والكهرباء والغاز تلك الخدمات الرئيسية والأساسية لسكان أية مدينة، لكن سكان سراييفو محرومون من هذه الخدمات طوال ألف يوم مضت وفى برد الشتاء القارس الذي تقل درجة برودته في كثير من الأحيان عن عشرة تحت الصفر لا يجد كثير من الناس ما يستدفئون به ولهذا يطلق الأوروبيون على سراييفو اسم «ثلاجة أوروبا».
فالحصار منع وصول المواد الأساسية لعملية تنقية المياه، كما أن محطات التحلية الرئيسية لم تسلم من قصف الصرب كذلك فإن محطات التحلية بحاجة إلى طاقة نفطية لتشغيلها وهي قليلة، ومن ثم فإن كمية المياه التي يتم ضخها قليلة ومن الممكن أن تمضى أيام لا تصل فيها المياه إلى البيوت أما الكهرباء فهي خاصة بالأماكن الحكومية والخدمية، لكن البيوت لاحظ لها تقريبًا في الكهرباء.
أما الغاز فإن إمداداته تأتي من روسيا وتقوم حكومة البوسنة بدفع ثمنه إلا أن الصرب يتحكمون في خطوط الإمداد هذه فيقطعونها بصفة مستمرة، وقد قاموا خلال هذا الشتاء بارتكاب جرائم خطيرة ومنظمة ضد سكان سراييفو حيث يعتمد معظم الناس على الغاز في التدفئة.
وعادة ما ينام الناس ومدافئ الغاز تكون مشتعلة ليلًا ثم يقوم الصرب بقطع الغاز في وقت متأخر من الليل مدة ساعة أو ساعتين ثم يقومون ببثه مرة أخرى فيتسرب عبر المدافي التي تكون مفتوحة والناس نيام فيعبئ الغرف والبيوت، وهذا النوع من الغاز الروسي الأرضي ليس له رائحة، فإذا استيقظ أحد سكان المنزل ليلًا وأراد أن يشعل عودًا من الثقاب ليتحرك هنا أو هناك دون أن يكون منتبهًا فإن ذلك يكون الصاعق الذي يفجر الغاز المتسرب فينهدم البيت ويحترق على من فيه.
وقد احترق خلال هذا الشتاء في سراييفو وحدها ما يزيد على أربعين منزلًا بهذه الطريقة من بينها الاستراحة التابعة لمكتب لجنة قطر الخيرية في سراييفو، حيث قتل في انفجارها شاب مصرى وأصيب جزائري كانت حروقه خطيرة، ولهذا فإن كثيرًا من الناس يؤثرون النوم في البرد على أن يستخدموا مدافئ الغاز، كما قام بعض الناس بإزالة إمدادات الغاز من بيوتهم لهول ما يرون من آثار الانفجارات، وقد نمت عدة أيام دون تدفئة فكنت أشعر أني أنام بالفعل داخل ثلاجة حيث لم تغن على كومة الأغطية التي كنت أضعها فوقى شيئًا.
أما المواصلات العامة فلا يعمل منها سوى الترام وهو يمشي مسافة بسيطة ولم يعد يقترب من ساحة القنص حيث كان هدفًا أساسيًّا للقناصة الصرب، ومعظم الخدمات التي تقدمها الحكومة لسكان سراييفو أو كلها تقريبًا خدمات مجانية لأن الناس لا يملكون شيئًا ليدفعوه، لكن هذه الخدمات غير متوفرة. للأسف- حتى يستمتع الناس بمجانيتها... معادلة صعبة، وحياة أصعب، ومع ذلك فكل سكان سراييفو مصممون على مواصلة التحدى للحصار المضروب عليهم من قبل المجتمع الدولي والذي تخطى حاجز الألف يوم، ويقول كثير منهم: إن الحصار الذي فرضه الصرب علينا بموافقة الغرب سوف يكون مدرسة لتربية هذا الشعب المسلم حتى يستعيد هويته ويعيد المجد والعزة لدينه من جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل