العنوان المساواة في الإسلام
الكاتب عبدالمحسن حمادة
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979
مشاهدات 93
نشر في العدد 444
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 08-مايو-1979
«إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»
تحت هذا العنوان أريد أن أناقش قضية خطيرة قد تعتبر من أهم التحديات البارزة التي تواجه المجتمعات المتخلفة سياسيًا واجتماعيًا وأعني بها اهتزاز ميزان العدالة في المجتمع حتى يشعر- الجميع بالتفاوت الواضح بين أبناء. المجتمع الواحد بينما يعاقب الفقير أو الضعيف لأتفه الأسباب أو بلا أسباب بغض النظر عن بعض الشخصيات حتى ولو ارتكبت أبشع- الجرائم.
ولذلك حذر الرسول عليه السلام أصحابه من الوقوع في هذا الخطأ الفاحش المؤدي إلى هلاك الأمم وضياعها وحثهم على ضرورة مساواة الناس في قضاء الحقوق وإقامة الحدود فلم يتردد عليه السلام في قطع يد المخزومية بالرغم أنها كانت تنتمي إلى أكبر القبائل العربية. وهكذا أصبحت العدالة الإسلامية في عهده عليه السلام وعهد خلفائه الراشدين عدالة مطلقة يتمتع بها جميع أفراد الأمة دون تمييز وتستند إلى قواعد ثابتة لا تتأثر ببغض أو مودة.
وفي خلافة عمر بن الخطاب يتناول ابنه عبد الرحمن شرابًا مسكرًا، ولكنه بعد أن أفاق ندم ودخل على والي مصر عمرو بن العاص وهو منكسر الفؤاد وطلب منه أن يقيم عليه الحد لأنه شرب مسكرًا وزجره عمرو بن العاص وطرده، ولكنه يصر على أن يقام عليه حد الله وإلا أخبر أباه ويقام عليه الحد في صحن الدار ثم يحلق رأسه في داخل البيت.
ويسمع عمر بن الخطاب في ذلك ويغضب ويبعث إلى عمرو بن العاص يهدده ويتوعده اعتقادًا منه أنه عامل ابنه معاملة خاصة تختلف عن معاملة سائر المسلمين فكان المفروض أن يقام عليه الحد ويحلق أمام ملأ من الناس وطلب منه أن يبعثه إليه ليقيم عليه الحد بنفسه.
من العبث ومن الظلم أن نقارن مجتمعنا بذلك المجتمع الطاهر، ولكن في نطاق مناقشة هذه القضية علينا أن نتواضع ونقارن حياتنا بحياة بعض المجتمعات المعاصرة التي لا تبعد عنا سوى أميال والتي نالت إعجابنا وتقديرنا وادعينا أنها مجتمعات متقدمة متطورة ثم ذهبنا إليها لنستقي منها بعض قوانينها الوضعية لنطبقه علينا إلا أننا أخذنا من تلك الرئيسية أما ما يتعارض مع ذلك فقد ابتعدنا عنه وادعينا أنه لا يتناسب مع تقاليدنا وديننا ومن ثم ذهبنا إلى الشريعة الإسلامية لنستمد منها أيضًا ما يتفق مع رغباتنا وميولنا.
أما ما يتعارض مع المصالح الشخصية والاطماع فقد ابتعدنا عنه وقلنا عن الإسلام أنه رجعي ونحن التقدميون وهكذا أصبحنا تركيبة مشوهة لمجتمع مرقع مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وعندما تلقي نظرة على تلك المجتمعات المعاصرة لنتعرف من خلالها على كيفية معالجة هذه الظاهرة. إلا أنه لا بد من الاعتراف منذ البداية بأن التعرف على طبيعة تلك المجتمعات وما فيها من مساوي وعيوب أو عدل وفضيلة أمر في غاية الصعوبة وهو ما لا ندعيه.
ولعل كل ما نعرفه عن بعض تلك المجتمعات بعض الأمثلة التي يجب اعتبارها مؤشرات توضح طبيعة تلك المجتمعات ومن هذه الأمثلة ما يؤكد أن تلك المجتمعات لا تتهاون ولا تتوانى في معاقبة كبار المسئولين إذا انحرفوا أو استغلوا مناصبهم استغلالًا غير مشروع، ولذلك نجد منذ البداية اهتمام تلك الدول وحرصها على أن يتم اختيار كبار المسئولين فيها وفق معايير موضوعية مدروسة وفي مقدمتها نزاهة ذلك الشخص وأمانته وأخلاقه وإخلاصه لموطنه وثقافته، ولعل هذا يفسر لنا ما نسمع عن شخصيات دخلت العمل الحكومي في تلك المجتمعات وهي غنية وخرجت منها وهي أقل غنى بل هي للفقر أقرب منها للغنى وذلك لأن عملها بإخلاص لشئون الدولة والجماعة شغلها عن متابعة الأعمال الخاصة.
أما إذا انحرف أحد المسئولين وهو في موقع المسئولية فسرعان ما تطبق عليه القوانين الرادعة فقد حوكم وزير لاشتراكه في فضيحة جنسية مع أن الجنس أمر عادي في تلك الدولة. كما استقال وزير للدفاع لسقوط طائرة واعتبر نفسه مسئولًا عن الحادث واستقال رئيس الدولة لأن أحد مساعديه أتهم بالجاسوسية وعزل رئيس آخر لاتهامه ببعض القضايا إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تؤكد أن تلك المجتمعات لا تعتبر المركز الوظيفي الكبير حصنًا أو وكرًا لحماية اللصوص والمجرمين.
وعلى العكس من ذلك ما يحدث في بعض المجتمعات المتخلفة حيث نجد أن بعض كبار المسئولين وخاصة الذين لم يحسن اختيارهم لمناصبهم فعجزوا عن فهم طبيعة عملهم سرعان ما يدرك بعض هؤلاء المسئولين أن وجوده في هذا المركز فرصة ليزيد ثراءه فإما أن تمتد يده الآثمة ليغترف ما يشاء من أموال هذا الشعب البائس أو يستغل نفوذه ليزيد من احتكاراته ويوسع تجارته، وسرعان ما يظهر الثراء على تلك الشخصيات لأن الدراهم تأبى إلا أن تخرج أعناقها، وبالرغم أن هذا يشغلها عن متابعة شئون الدولة علاوة على أنه اكتسب بطرق غير مشروعة ولكن تلك الشخصيات لا تجد من يناقشها ويحاسبها وكأن هذا السكوت الرهيب تشجيعًا لها ولغيرها للتمادي في الخيانة.
وإذا ما حدث صدفة أن أحد المرؤوسين لتلك الشخصيات كان شجاعًا وشريفًا ونبيلًا وهذا نادر الحدوث ومن ثم تقدم هذا المرؤوس بتقرير دافع يدين تلك الشخصيات هنا تشكل اللجان الخاصة للنظر في صدق ذلك التقرير فإذا كانت الأدلة والبراهين داحضة أمام اللجنة الخاصة ولا تستطيع تبرئة تلك الشخصيات هنا نجد بكل بساطة أن أيد أخرى تمتد إلى تلك التقارير لتحفظ ويطبق عليها الصمت.
وهنا يثار العديد من التساؤلات، أليس من الحيف والظلم أن يعاقب من ارتكب جريمة لحاجة ماسة أو لخطأ بينما يترك المختلسون الذين دفعهم الجشع والطمع وسوء الأخلاق إلى خيانة الأمانة والاغتراف من أموال الدولة هادفين من وراء ذلك توسيع ثراءهم الذي لا يشبعه سوى التراب. إن العدالة تقتضي أن يعاقب هؤلاء قبل غيرهم لتكون عقوبتهم رادعًا ونكالًا لهم ولغيرهم وخاصة إذا كان هؤلاء مسئولون عن تربية الأجيال إلا إذا أردنا أن تربى أجيالنا على أيد اللصوص أو المجرمين، كما يتساءل العديد إلى متى يمتد هذا الفساد الأخلاقي الإداري وماذا وراءه؟ والحقيقة إذا لم يتوقف هذا الفساد فليس وراءه إلا ما وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الهلاك والضياع والانهيار فقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يقول إلا حقًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل