; أنا وبناتي والدانمارك | مجلة المجتمع

العنوان أنا وبناتي والدانمارك

الكاتب أكرم رضا

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 42

السبت 18-فبراير-2006

 أظلت سحابة من سحابات البيوت بيتنا مساء إحدى الليالي بعد خطأ من بناتي جعلني أنفعل عليهن انفعالًا شديدًا، بل أتركهن إلى حجرتي بعد فاصل من التوبيخ التزمن قبالته الصمت التام لإدراكهن أنني أعلنت رفضًا قاطعًا لتصرفهن.

 تقدمت أكبر البنات من باب حجرتي بذكاء تحاول أن تتجاوز الأزمة فقالت: هل سمعت يا أبي أن الحكومة الدانماركية قررت استجابة لمطلب شعبي من الدانماركيين حرق المصحف الشريف في احتفال عام في أكبر ميادين عاصمتهم؟

 نظرت إليها صامتًا فشجع الصمت ابنتي الثانية لتقول بانفعال: إن شاء الله سوف يدمرهم الله سبحانه وتعالى.

 هنا رأيت أنه يجب أن أستجيب للبنات في تجاوز حالة غضب لأن الأذكياء استطاعوا عرض قضية أكبر منه. 

فقلت بهدوء وماذا لو لم يدمرهم الله؟

 سكتت البنات بعد أن تجمعن كلهن ونظروا إلى وكأنهن ينتظرن إجابتي، ولكن طال صمتي فقالت إحداهن: لابد أن يدمرهم الله تعالي.. ألم يقل سبحانه ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (الحجر :9).

 قلت لها : وهل يعني حفظ الذكر في هذه الآية حفظه من استهانة أعدائه به أو حرقه أو عدم احترامه؟

 إن معنى حفظ الذكر هنا أن الله تكفل بحفظه من الضياع أو النسيان أو التحريف أو التشويه.. وهذه المهمة كان الله سبحانه وتعالى يوكلها إلى أهل كل دين، فأهل الإنجيل والتوراة كانوا هم المسؤولين عن حفظ كتبهم من الضياع، ونحن نعلم الحال التي انتهت إليه.

 أما أهل القرآن فقد كفاهم الله تعالى هذه المهمة مهمة الحفظ من الضياع. هذا هو معنى وإنَّا لَهُ لحافظون.

 تدخلت زوجتي في الحديث وقالت : ولكن الله تعالى حفظ بيته ودمر المعتدي بمعجزة من عنده، وحفظ نبيه والمسلمين في غزوة بدر بالملائكة، وحفظهم في غزوة الأحزاب بالريح العاتية.

 أذابت حرارة الموقف كل غضبي وأعادت زوجتي بأحداث السيرة الجميلة صفاء نفسي فقلت موجهًا الحديث للجميع: لمن تنزل الملائكة؟ ولمن يغير الله نواميس الكون؟ ومن أجل من يغضب؟ وعلى من؟ إن الله لا يغير نواميس الكون وسننه وينزل المعجزات من أجل مجرد ادعاء الإيمان. 

إن إبراهيم لم تحرقه النار إلا بعد أن ألقي فيها، وإسماعيل لم تذبحه السكين إلا من بعد أن أسلم وتله أبوه للجبين، والمسلمون في الأحزاب لم تتحرك لهم الرياح لتقلب معسكر الكافرين إلا من بعد أن زلزلوا زلزالًا شديدًا، أما يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم وتغيرت النفوس من رؤية الله إلى رؤية قوتهم فلم تغن عنهم القوة شيئًا ﴿وَضَاقَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّیۡتُم مُّدۡبِرِینَ (التوبة :25) ويوم أحد عندما أراد فريق منهم الدنيا.. عندما همت طائفتان أن تفشلا لم تنزل الملائكة إن الملائكة لا تنزل لمجرد أن نقول إننا مسلمون. 

قالت ابنتي: كأنك تريد أن تقول يا أبي إن ما يفعله هؤلاء الناس مع المسلمين هو بسبب ضعف المسلمين.

 قلت لها: يا بنيتي إن المسلمين ليسوا ضعفاء إذا نظرنا إلى الحدث الذي بين أيدينا فله دلالتان: أن الدانماركيين لا يعلمون قدر هذا الكتاب فمن الذي بث في روعهم قداسة القرآن؟ من الذي بين لهم حتى أهمية احترام الأديان؟ هذه الأمم لا تحترم الدين أي دين بدعوى الحرية والإنسانية وتقديس الفرد.

 والثانية: أن حملة المقاطعة الناجحة والبسيطة قد نجحت في أن تصل إلى رجل الشارع الدانماركي وأن تبلغه رسالة أن في الكرة الأرضية مسلمون مازالت دماء النخوة والكرامة تجري في عروقهم وكان من الأولى للدانمارك كأمم متحضرة أن تسارع بالاعتذار ومعالجة الموقف معالجة حضارية، ولكنها العنجهية الكاذبة من دول لا تكاد تظهر على الخريطة إني أرى في هذا الإعلان عن حرق المصحف كأنه لعب صغار. 

انفعلت ابنتي الصغيرة وقالت: ولكنه كتاب الله يا أبي كيف نتركهم يحرقونه؟ ابتسمت وأنا أتناولها بين ذراعي وقلت إن هذا التصرف لا علاقة له بالله من أي ناحية، لا يقوى أحد أن يستهزئ بالله، ولكن هذا استهزاء بنا يا بنيتي بنا نحن. نعم إنه استهزاء بكل من يعلن أنه مسلم سواء كان عاملًا في مصنع أو فلاحًا في حقل، أو ربة بيت، أو وزيرًا، أو سفيرًا، أو ملكًا، أو أميرًا. أو رئيسًا.

 الأمر الآن بين أيدينا والله ناظر ماذا تفعلون ابتسمت ابنتي الكبيرة وهي تقترب مني بهدوء وقالت: تعرف يا بابا يمكن أن يكون في هذا خير.

 نظرت إليها مستفسرًا للهجتها الباسمة! قالت وهي تعانقني: لقد أزال النقاش حول الموضوع غضبك وصالحتنا والحمد لله ولم يعد بيننا سوء تفاهم. 

انفجر الجميع ضاحكين وأنا أنظر إليهم شاردًا وفي نفسي يتردد قول ابنتي: لعله خير فإن كان قد أصلح ليلتنا وأزال سحابة الغضب من بيتنا فهل سيصلح بين أمتنا، وبينها وبين الله. لعله خير.

الرابط المختصر :