العنوان غياب الأمسيات والندوات والمسابقات.. لماذا؟ معرض الكتاب السنوي والدور المطلوب لمواجهة تحديات العصر
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 63
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
- عندما يتغلب منطق السوق وتفقد الثقافة خصائصها يتحول معرض الكتاب إلى سوق تجارية تنافسية
برعاية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، وحضور وزير الإعلام الشيخ سعود ناصر الصباح أقيم حفل افتتاح معرض الكويت الحادي والعشرين للكتاب العربي بأرض المعارض بمنطقة مشرف يوم الأربعاء 20/11/ ١٩٩٦م، وقد استمرت فعاليات المعرض حتى يوم الثلاثاء 3/12/1996م.
ومن الجدير بالاهتمام أن الاحتفالات السنوية المتكررة تتحول بمرور السنين إلى مناسبات موسمية تفقد الكثير من بريقها وزخمها، إن لم تستطع أن تؤمن لروادها في كل عام جديدًا من حيث الشكل أو المضمون، لذلك فهم يستقبلونها بفتور لافت للنظر؛ لأنها لم تحدث في حياتهم من الأثر ما يجعلها جديرة باهتمامهم ومتابعتهم.
تتجلى هذه الحقيقة بجلاء عندما يكون الحديث عن معرض الكتاب العربي الذي يوصف عادة بأنه تظاهرة ثقافية أو عرس ثقافي له بهرجة العرس ومظاهره الاحتفالية من غير أن يهتم غالبية الحضور بمدى سعادة العروسين وتفاهمهما وانسجامهما، والعروسان هنا هما: القارئ والكتاب.
الكتاب ومعركة التحدي
القارئ من حيث الإقبال والبحث والتحري، والكتاب من حيث تأمينه للزاد الكافي الذي يحتاجه القارئ في المعركة الحضارية التي يريد أن يثبت فيها ذاته كمقدمة لتحقيق التفوق المنشود في مواجهة التحدي الكبير، فنحن أمة تعيش أوضاعًا مزريةً في مختلف جوانبها وأنحائها، والمطلوب من الثقافة التي تتضمنها الكتب المرصوصة على أرفف المعرض السنوي أن لا يكون إبداعها في العنوان الجديد، في الوقت الذي نريد منها أن تكون الصاعق الذي يكون الصدمة الحضارية التي تهز مكونات الأمة، وتبعث فيها حياة جديدة تتعدى الاستيقاظ من النوم الذي طال أمده إلى تيار لا يفتر عن الحركة والسعي للانتقال بمجتمعاتنا خطوات إلى الأمام في الطريق الذي يجمع الطاقات، ويوظف الإمكانيات، ويحقق في كل سنة على الأقل بعض الأحلام والأمنيات.
أما هذا الكم الهائل من الكتب التي تسهم في تمييع المفاهيم وتزييف الحقائق وإمتاع القارئ بما لا يجدي ولا يفيد ولا يضيف لثقافته المهزوزة أصلًا إلا تفاهة جديدة، وتخلفًا في ثوب جميل، وضياعًا يضاعف نسبة السكارى والغافلين الذين يصل الوعي عندهم إلى أدنى درجاته مما يجعلهم لقمة سائغة للحملات الثقافية التي تريد أن نظل على ما نحن عليه من الجهل والغيبوبة؛ لتمكن مسيريها وموجهيها من الهيمنة على حياتنا وعلى مقدراتنا عن طريق الضحايا الذين يعملون بغير أجر لترسيخ أقدام أعدائهم على رؤوس أهلهم وتثبيت أخلاقياتهم في سلوك أبناء أمتهم، واختزال الثقافة في شعارات وكلمات يرددها المبهورون مع جوقة التهريج التي ترافق عادة القافلة التي تتحدانا في عقر دارنا.
التاجر والمستهلك في معرض الكتاب
عندما يتغلب منطق السوق، وتفقد الثقافة خصائصها الباعثة على التقدم والرفعة المبتغاة، يتحول معرض الكتاب إلى سوق تنافسية بين تجار الكتب لإغواء أكبر عدد ممكن من القراء المستهلكين، بعبارة ثانية عندما تنحصر اهتمامات الناشرين في تحقيق أعلى نسبة من الربح، ويفتقد القارئ الحس الثقافي الذي يميز الغث من السمين، يصبح السوق الثقافي كسوق الخردوات فيه الأصلي وفيه التقليدي؛ لأن التاجر لا يفكر إلا بالعائد المادي، والمستهلك يريد حاجته بصرف النظر عن نوعيتها وصلاحيتها، ذلك يستغل غفلته ويحاول إغراءه عن طريق تغيير المسميات أو تعديل الماركات الرخيصة وتصويرها بواسطة الدعاية والإعلان على أنها غاية المنى التي ينتظرها المستهلك المسكين منذ سنين عديدة.
والمستهلك المغفل يحسبها فرصة العمر عندما يرى بعض الأصناف الرديئة التي ألبستها وسائل الخداع ملابس مغرية، فيقول في نفسه (عصفورين في حجر واحد) حاجتي المطلوبة وبسعر زهيد.
ولو أن معرض الكتاب كان كسوق عكاظ أيام الجاهلية الأولى لعرض كل كاتب أو شاعر أو أديب أفضل ما عنده وأروع ما جاد به عقله؛ لأن في سوق عكاظ محكمة لتقويم الصحيح من العليل، وتعليق فائق الجودة في أقدس الأماكن؛ لتكون نماذج للاهتداء والاقتداء ومعرفة أهل الفضل بآثارهم المميزة وإنجازاتهم الكبيرة.
القراءة علامة الصحة
على الرغم من كل ما سبق ذكره تبقي القراءة مؤشرًا على إمكانية التطور وعلامة صحة في حياة الأفراد، ودليل عافية للأمة التي تتزايد باستمرار نسبة المقبلين على القراءة من أبنائها.
المراقب الذي يلاحظ توافد الجمهور بأعداد كبيرة إلى معرض الكتاب يحس بشيء من النشوة؛ لأن الثقافة لا تزال بخير ما دامت لا تزال في ذاكرة الناس، ومهما كانت النسبة التي تقرأ فإنها لبنات تضاف إلى الصرح الثقافي الذي لا يزال يحتفظ بقدر من الاهتمام في عقول ووجدان كثير من أفراد هذه الأمة.
أحببت أن أتأكد من هذا الاهتمام فسألت إحدى الزائرات لمعرض الكتاب عن نوعية الكتب والكمية التي ستشحنها منها إلى المنزل، وفيما إذا كانت ستقرأ كل هذه المشتريات، أجابت السيدة الفاضلة بأن الكتب في البيت زاد لا يقل أهمية عن حاجيات المنزل الأخرى، وأن الكتاب الذي لا تمكنني ثقافتي من استيعابه، ولا مشاغلي من مطالعته، يبقى ذخرًا للجيل الذي نعده لبناء المستقبل، بعد أن تُؤذن شمسنا بالغروب.
ملاحظات لا بد منها
عند زيارتنا لإحدى المكتبات أظهر صاحب المكتبة امتعاضه من الأسعار المرتفعة التي تفرضها الجهات المشرفة على تنظيم المعرض على الأماكن المخصصة لكل مكتبة أو دار نشر؛ مما يضطره لعدم التهاون في أسعاره؛ ليحقق الربحية التي يرجوها كل عارض أو صاحب بضاعة، وكأن الهيئة المنظمة التي دخلت في سباق تنافسي مع تجار الكتاب؛ لتنال حظًا وافرًا مما تبذله جيوب المستهلكين، وتدفعه أيديهم، ولعلها للسبب ذاته لم تقم كعادتها بتعليق اللوحات والملصقات الإعلانية عن المعرض في الشوارع والميادين ومداخل الأماكن المزدحمة ترشيدًا للإنفاق، وتحقيقًا لأكبر نسبة من العائدات في مقابل المصروفات.
ولا أدري إن كان غياب الأمسيات والندوات التي كانت تقام في السابق على هامش المعرض، وكذلك إلغاء المسابقات والهدايا التشجيعية، يتم تجييرها لصالح ترشيد الإنفاق؟ أم أن الساحة خلت من المبدعين في الشعر والأدب وفي الثقافة والفكر؟!
ويبقى التحدي قائمًا
عند استعراض الإيجابيات والسلبيات فإن سؤالًا كبيرًا يطرح نفسه بقوة، هل تؤدي هذه المعارض الدور المطلوب منها؟ فتبعث في الأمة روحًا من اليقظة الدائبة، تسهم في بث الوعي وانتشال الأجيال من وهدة الضياع، ومستنقع اللامبالاة التي يعيشها كثير من أبنائنا، وتعمل على تسجيل رقم جديد في متوالية المراحل التي تشكل في النهاية النهضة المأمولة، والنقلة المميزة، والقفزة المتزنة التي تبني المستقبل الواعد على أنقاض الواقع الذميم؟ والإجابة بالرغم من حراجتها، إلا أنه يتحتم عليها أن تكون صريحةً ناصحةً، لا أن تكون غامضةً مجاملةً.
إن نهضة الأمة هي مسؤولية قياداتها الكبيرة، وفي المقدمة القيادات الفكرية والثقافية، وإذا كان الفضل في قيام الثورة الفرنسية يعزى إلى ما كتبه العلماء، وما دبجته أقلام الأدباء، وما صاغته أحاسيس الشعراء في تلك البلاد التي كانت غارقةً في الظلام فإن القيادات الفكرية والثقافية في أمتنا بما فيهم منظمو المهرجانات الثقافية ومعارض الكتاب بمقدورهم أن يعدوا ويستعدوا لإقامة هذه النهضة الشاملة بشرط واحد؛ هو أن يمتلكوا مقومات هذه المهمة الصعبة، وأن يكون لديهم الحس الحضاري الذي يجعلهم يرتفعون بمستوى أدائهم ونوعية إنجازاتهم، بحيث يصبح بالإمكان قبول التحدي وخوض معركة البقاء، في وقت تتكالب فيه الأمم كلها لاغتيال شخصيتنا ومحو حضارتنا من الوجود إن أمكنهم ذلك.