; الخليج.. ومنهج العواصم من القواصم | مجلة المجتمع

العنوان الخليج.. ومنهج العواصم من القواصم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 765

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 29-أبريل-1986

 

«العواصم من القواصم» كتاب قديم، ألفه ابن العربي -رحمه الله- لتوضيح المنهج السليم الذي ينبني عليه موقف سليم، تجاه ما وقع بعد خلافة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وتجاه كل ما وقع ويقع في التاريخ الإسلامي مما يلحق بالحدث الأول حقيقة أو حكمًا.

وكتاب «العواصم من القواصم» حري بأن يقرأه المسلمون بعامة وأهل الخليج بخاصة، لما يتضمنه من حصانات فكرية قوية تقي العقل والتفكير والوعي شرور الفتن الظاهرة والباطنة.

ولكن ليس هذا هو موضوعنا الأساسي.

إنما موضوعنا الأساسي هو: أن الخليج برمته الجغرافيا، والشعوب، والمبادئ، والمصالح، والوجود الحضاري، يتعرض لقواصم شديدة الضغط بعيدة الأثر.

وحين تنزل القواصم أو تلوح نذرها، يتعين التشبث الكامل بالعواصم والحصون.

هذا موقف يحفز إليه الدين.

ويقتضيه العقل.

وتستدعيه المصلحة.

وتتطلبه شيم المروءة، والنجدة وتحمل المسؤولية في ساعات الشدة والخطر.

ولكن.. ما هي القواصم؟ وما هي العواصم التي تعصم الخليج من فواجع تلك القواصم؟

الحق أن الموضوع من الضخامة والجدية بحيث يستحق أن يكون له فريق عمل على مستوى خليجي عال يجمع أطرافه، ويحصي مواقعه، ويوضح أبعاده، ويقدم البدائل أو خطط المواجهة المناسبة.

فلندع هذا العمل لمن يريد أن يعمل.

ولنعرض -في هذه المقالة- لبعض القواصم، ولنجعل هذا العرض مصحوبًا بالعواصم من هذه القواصم:

1- القاصمة الأولى: الفتنة الفكرية والعرقية التي تحاول قوى دولية معادية -استجاب لها أقوام بوعي أو بغير وعي- ضرب الكيان الخليجي بها ضربًا يهد قواه، ويبدد طاقته، ويصرفه عن الأولويات صرفًا متعمدًا.

والعواصم من هذه القاصمة هو: الاستمساك المتين بجذور الوحدة الفكرية لأبناء الخليج.

وجذور هذه الوحدة هي-بالتحديد والتأكيد:

أ- العقيدة.

ب- الشريعة.

جـ - الميراث الحضاري والتاريخي المشترك.

إن الاستمساك بهذه الجذور يقيم الوحدة الفكرية الخليجية على أساس صحيح، يحميها من عواصف الفتنة الفكرية مهما كانت هذه العواصف عاتية.

ومن البدهي أن المقصود من هذا الاستمساك ليس شعارًا معلقًا في الهواء، ولا أمنية مكنونة في الضمير، ولا كلمة جميلة في الفم.

کلا.. ليس هذا هو المراد من الاستمساك.

فللوحدة الفكرية المطلوبة طرقها المعروفة ووسائلها العلمية، ومن هذه الطرق والوسائل:

أ- تسخير أجهزة الإعلام ووسائله في خدمة «الوحدة الفكرية»، حيث ينبغي أن يتجه كل برنامج، وكل مسلسل، وكل حديث وجهة تعزز هذه الوحدة في نفوس الخاصة والعامة.

ب- إرساء بنية فكرية مشتركة لكافة مناهج التعليم والتربية في المدارس والمعاهد والجامعات.

جـ - توظيف الحركة الأدبية -القصة، والمسرحية، والشعر والمقالة والنقد- في تأصيل الوحدة الفكرية الخليجية.

د- استغلال الفرص الرياضية واستثمارها في ترسيخ أسس الوحدة الفكرية بين الشباب، فإن هذه الأجساد الفتية ستكون هيكلًا بلا معنى وبلا مضمون إذا خلت من الفكر الرشيد، وستكون أجسادًا متناكرة إذا كانت تحمل فكرًا متناكرًا.

إن الخليج -أو المدى الجغرافي لدول مجلس التعاون الخليجي- يمكن أن يكون إطارًا «مكانيًّا» يضم أناسًا متفرقين فكرًا.

واحتمال التفرق -على الرغم من العيش في مكان واحد- من المستطاع إلغاؤه عن طريق تعميق مفاهيم الوحدة الفكرية، وتكثير دواعيها، وعن طريق جرح كل شخص أو جهة تعمل على إضعاف هذه الوحدة. إن الخطر مدرع بالفكر.

وليس من الحكمة ولا من الواقعية أن يواجه بفراغ فكري أو بفكر ضعيف، أو بفكر مشتت.

2- القاصمة الثانية: الحرب العقيمة التي تسمى «حرب الخليج» أو «الحرب العراقية الإيرانية».

إن الخليج يواجه -بسبب هذه الحرب- هَولًا لم يواجه مثله في تاريخه الحديث.

وهو هول امتد إلى كل مجال تقريبًا: المجال النفسي، والمحيط الاجتماعي، والميدان الاقتصادي، والوضع السياسي، والحصن الأمني.

والعاصم من هذه القاصمة هو تحديث النفس بالجهاد -على مستوى الفرد ومستوى المجموع- مع ما يتبع تحديث النفس بالجهاد من استعداد نفسي ومادي، ليس للعدوان والبغي، وإنما لحماية العقيدة والنفس والوطن، والعرض والمصالح الحيوية من البغي والعدوان.

وللاستعداد للجهاد ثمار لا تحصى:

أ- فهو يحد من الالتصاق الشديد بالدنيا.

ب- وهو يعلي همة الناس، ومن علو الهمة تنبثق معاني التضحية.

جـ - وهو يعود الناس على التفكير الجاد، والسلوك المنضبط.

د- وهو يضعف عزيمة الباغين، إذ يشعرهم بأن للعدوان خسائر تفوق أرباحه، إن كان للعدوان أرباح.

إن الجهاد -في الحقيقة- حل لمشكلة معقدة تعذر حلها بطرق أخرى، وما دامت المشكلة معقدة، فليس ثمة خيار غير خيار الاستعداد للجهاد.

3- القاصمة الثالثة: الحياة الاجتماعية الغافلة عن الخطر، الغارقة في المتع والميوعة.

فمن أعجب الظواهر -في الخليج- أن الناس ما برحوا غارقين فيما هم غارقون فيه، وكأن شيئًا جديدًا لم يحدث، وكأن نُذرًا عالية الصوت لم تُسمع؟

والعاصم من هذه القاصمة هو أن الخليج يجب أن ينهي -بعزيمة وبصيرة- حالة الارتخاء والالتهاء والامتلاء، وأن يدخل في طور جديد من التماسك الإرادي والنفسي والاجتماعي، فما استطاعت أمة أن تواجه ما يحصده وجودها إلا بعد أن عزمت على الانتقال من الرخاوة إلى الصلابة، ومن العبث إلى الجد.

القاصمة الرابعة: الإعلام اللاهي اللاغي المخدر المنوم -في مجمله- الذي لا يزال ينوم الأمة، ويخدر إرادتها ويصرف وعيها إلى الهوامش والشكليات، وإلى كل ما لا يتفق مع التأهب الحقيقي لدفع الأذى ورد الكيد.

والعاصم من هذه القاصمة هو: تعديل السياسات الإعلامية وتحويرها، ثم تبديل البرامج الإعلامية وتطويرها على نحو يشحذ الانتباه، ويقوي الوعي بما ينبغي أن يكون في مثل هذه الظروف.

5- القاصمة الخامسة: الصراعات أو الخلافات الجانبية الصغيرة على المال، أو الفرص المادية، أو من أجل جهات نظر تقديرية، أو في سبيل أفكار لم تنبت في بيئة الخليج ولا تخدم مصالحه.

والعاصم من هذه القاصمة هو: إلغاء هذه الصغائر من الجدول اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي لحياة الفرد والأمة.

6- القاصمة السادسة: التواطؤ الخبيث على تعطيل حركة الإنماء والنهضة في الخليج بشتى الخطط والوسائل والأساليب.

والعاصم من هذه القاصمة هو: تخطيط تربوي واجتماعي واقتصادي وإداري جديد يتوخى رفع معدل الإنتاج، وتحسين نوعه في حدود الإمكانات الموجودة، فإن زيادة الإنتاج وترقية نوعه تعويض حقيقي عن فترة الوفرة والطفرة.

وخير الأعمال أدومها وإن قل.

والتاريخ والواقع يحدثنا عن أمم نهضت وتقدمت بإمكانات أقل من الإمكانات التي يملكها الخليج في هذه الظروف.

7- القاصمة السابعة: الحرب النفسية الرهيبة التي تستهدف التيئيس من المستقبل، وتعمل على تثبيت الاقتناع بعدم الحرص على شيء ما، ما دام أن الطوفان- بزعمهم- قادم لا محالة.

وقد يشارك في هذه الحرب -بطريقة عفوية أو غبية- وسائل إعلام، وأقلام كتاب من الخليج نفسه.

قد تشارك هذه الوسائل والأقلام في هذه الحرب حين تركز على السلبيات وحدها، أو حين تستخدم أساليب السخرية والاستهزاء، أو حين تكون متأثرة -دون أن تدري- بآثار الحرب النفسية الموجهة ضد الخليج.

والعاصم من هذه القاصمة هو: نسج دروع نفسية، وفكرية، وسياسية تحمي عقلية الخليج ونفسه، ومناطق الوعي والشعور فيه من سهام هذه الحرب.

ومن الممكن جدًّا أن تتحقق هذه الحماية من خلال: المسجد، والإذاعة، والتلفزيون والمحاضرة، والندوة، وغير ذلك من الوسائل والأساليب المتاحة المستطاعة.

الرابط المختصر :