العنوان لماذا يُراد للثورة الفلسطينية أن تموت؟ وكيف يمكن لهذه الثورة أن تستمر حتى النصر؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982
مشاهدات 70
نشر في العدد 583
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 17-أغسطس-1982
الثورة الفلسطينية المحاصرة الآن في غربي بيروت والتي تواجه تآمرًا دوليًا وعربيًا للقضاء عليها- ليست هي الثورة الوحيدة التي قام بها الشعب الفلسطيني، كما أن هذه الهجمة الشرسة والمكثفة للقضاء عليها ليست هي الأولى، ولن تكون الأخيرة.
فمنذ وعد بلفور المشئوم في نوفمبر (1917) الذي تعهدت فيه بريطانيا (بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين) قام الشعب الفلسطيني بثورات متلاحقة في السنوات 1919، 1929، 1933، 1936، 1947، ولكن هذه الثورات جميعًا لم تحقق أهدافها في منع اغتصاب فلسطين رغم ما أبداه الشعب الفلسطيني من روح بطولية وقدرة على القتال -قتال الإنجليز واليهود معًا-، الأمر الذي شهد به العدو والصديق حتى هتلر استشهد ببطولة شعب فلسطين حين خاطب شعب السوديت قائلًا: «يا شعب السوديت خذوا قدوة من شعب فلسطين؛ إنه يقاتل بريطانيا العظمى التي لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، كما يقاتل الصهيونية العالمية وحده، وبإمكانياته المحدودة، أما أنتم -يقصد شعب السوديت- فإني أمدكم بكل إمكاناتي»، وهذا هو الجنرال «ويفل» قائد القوات البريطانية في فلسطين يقول: (إن هنالك خمسمائة من ثوار عرب فلسطين يعتصمون في الجبال، ويقومون بحرب العصابات، لا يمكن التغلب عليهم بأقل من فرقة بريطانية كاملة السلاح)، والفرقة عشرة آلاف جندي بالدبابات، والمدافع الجبلية، والطائرات لم تستطع أن تقضي على الثورة والثوار.
فلماذا إذن لم يستطع الفلسطينيون أن يمنعوا اليهود من احتلال فلسطين؟ أقولها -والألم يعتصر قلبي- إن الأنظمة العربية قديمها وحديثها، وخاصة المحيطة بفلسطين كانت على الدوام عونًا على هذا الشعب، وإن أظهرت أنها عون له والشواهد كثيرة منها على سبيل المثال:
1- طلب الأمير عبد الله -الملك عبد الله فيما بعد- من ثوار فلسطين أن يلقوا السلاح اعتمادًا على وعود بريطانيا.
2- أثناء احتدام معركة القسطل توجه عبد القادر الحسيني إلى دمشق للحصول على أسلحة، فرفضوا إعطاءه قطعة واحدة من السلاح، فعاد إلى فلسطين حيث وجد أن اليهود قد احتلوا القسطل، فأعاد تنظيم رجاله، وحملوا على اليهود بما يملكون من أسلحة محدودة ورديئة، فاستعاد القسطل، ولكن روحه صعدت إلى السماء تشكو ظلم ذوي القربى.
3- قام الجيش المصري عام (1948) بتجريد أبناء فلسطين من سلاحهم بالتحايل والعنف، ثم انسحب من المجدل ليسلمها لليهود بلا قتال.
وعندما بدأت نواة «فتح» في أواخر الخمسينات نشطت المخابرات المصرية والأردنية، ثم السورية في الملاحقة والاعتقال والتنكيل، وعندما لم تستطع الأنظمة العربية إيقاف (المد الثوري) للشعب الفلسطيني أنشأوا منظمة التحرير لتستوعب هذا النشاط الثوري، وبالتالي يفقد قدرته على الحركة والتأثير، وعندما بدأت لعبة (شد الحبل) تتجه لصالح الثورة الفلسطينية كان لا بد من اصطناع منظمات كثيرة تتبع لهذا النظام العربي أو ذاك، وتحمل الواجهة الفلسطينية إلا أن الثورة الفلسطينية الأصيلة ظلت هي العمود الفقري فكان لا بد من أمرين:
1- الانحراف العقائدي: حيث استطاعت هذه الأنظمة بالتعاون مع القوى الكبرى أن تجعل هذه الثورة تصل إلى الوضع الذي اضطرت فيه إلى رفع شعار العلمانية، وما تبع ذلك من ابتعاد عن الجماهير، واقتراب من الأنظمة العربية والعالمية؛ أي بدء السير في طريق الهاوية.
2- الحسم العسكري والتصفية الجسدية: وهذا ما ظهر في مذابح أيلول وتل الزعتر، وأخيرًا وليس آخرًا مجزرة بيروت، بل ولبنان كله.
لكن لماذا كل هذا التصدي لحركة الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوق وتحرير وطنه؟ لماذا كل ثورات الشعوب في الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب وجدت من يناصرها إلا ثورة الشعب الفلسطيني؟ الجواب: لأن ثورة فلسطين هي رمز التحرر العربي والبعث الإسلامي، وهو ما لا يرضى به الشرق، ولا الغرب، ولا أتباعهما في المنطقة العربية.
إذن ما العمل؟ أزمة بيروت لا بد أن تنتهي، أما الثورة الفلسطينية فلا يمكن أن تتوقف عند هذا الحد، بل لا بد أن تنطلق من جديد، مستفيدة من كل تجارب الماضي القريب والبعيد واضحة الرؤية هذه المرة، واضحة الأسلوب والهدف، واضحة العقيدة، تعرف جيدًا من هو الصديق، ومن هو العدو، وتتعامل مع كل بالأسلوب الذي يستحق، يخطئ من يتصور أن هذه الهزة العنيفة ستقضي على الثورة، بالعكس ستقويها بإذن الله وسترفدها بروافد جديدة مثلما حصل بعد كل أزمة مرت بها هذه الثورة، ولكن بالانتقاء هذه المرة، وليس جزافًا لا بد من إعادة النظر في كل شيء:
1- الأيديولوجية لا بد أن تكون أصيلة صافية، لا يخالطها شائبة من الشوائب الدخيلة.
2- الأسلوب لا بد أن يتخلى عن المظهرية والعلنية ما أمكن ذلك.
3- التحالفات لا بد أن تتغير.
4- الأهداف لأنها عظيمة فلا بد أن تكون ثابتة.
وإذا كان مناحيم بيغن يعد زوجته بالاستقالة بعد سنتين؛ فإننا نقول إن الصراع بيننا وبين اليهود لن ينتهي لصالحهم؛ لأن الله وعد المؤمنين بالنصر، ووعدهم بالعزة، وكتب على اليهود الذلة والمهانة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل