العنوان تركيا.. من أتاتورك إلى أربكان
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996
مشاهدات 90
نشر في العدد 1185
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 23-يناير-1996
«هنا وعلى هذا السرير لفظ مصطفى كمال أتاتورك أنفاسه الأخيرة صباح العاشر من نوفمبر عام 1938م»، كانت هذه العبارة التي قالتها المرشدة السياحية لي وأنا أتجول في قصر «دولمة بهجة» المطل على مضيق البوسفور في إسطنبول كفيلة بأن أتوقف للحظات حتى أنفض الكآبة التي ألمت بي منذ وطأت قدماي هذا القصر الذي كان بناؤه هو بداية نهاية دولة الخلافة العثمانية، التي كانت آخر غطاء شرعي اتحد المسلمون تحت رايته.
سألت نفسي وقتها سؤالًا ما زلت أبحث له حتى الآن عن إجابة: لماذا اختار أتاتورك الذي هدم الخلافة العثمانية الإسلامية، ودفع تركيا نحو العلمانية، أن يقضي أيامه الأخيرة في القصر الذي شهد نهاية العثمانيين؟ هذا القصر الذي ظل خلفاء بني عثمان يبنون فيه ما يزيد على عشرين عامًا، ولما كانت الأرض المخصصة له غير كافية أمروا بردم مضيق البوسفور، مما كلف خزينة دولة الخلافة ملايين الجنيهات الذهبية، وحينما أتموا بناءه صبغوا كثيرًا من جدرانه بماء الذهب وملأوه باللوحات والتحف الثمينة، والسجاد، والقناديل، والنجف، حيث يبلغ وزن النجفة الكبرى فيه أربعة أطنان.
ولما أراد السلطان عبد المجيد أن يميّز زوجته «يلدز» عن باقي نساء القصر بنى لها من أموال الدولة قصرًا مجاورًا هو قصر «يلدز»، وبالتالي بدأ استنزاف خزينة دولة الخلافة لتحقيق مطالب السلاطين الذين غفلوا عن رسالتهم، وبدأ اليهود في إقراض الدولة للهيمنة عليها وعلى مقدراتها، فأغرقوها بالفوائد الربوية، وهو نفس السيناريو الذي يدور الآن في المنطقة العربية، حيث يسبق السقوط الاقتصادي سقوط الأنظمة، لذلك حينما سقطت الخلافة الإسلامية العثمانية اقتصاديًا سقطت بعدها سياسيًا وعسكريًا، وأعلن أتاتورك سقوط دولة الخلافة رسميًا، وإعلان الجمهورية العلمانية في تركيا في مارس عام 1924م، بعدها تم تعديل الدستور ودفع البلاد إلى تغيير هويتها إلى النقيض، فبعدما كانت إسطنبول عاصمة الخلافة، وحامية حمى الإسلام، ومقر الخليفة لعدة قرون، بدأ أتاتورك يُغير هوية الدولة ودين الناس، وسن مئات القوانين خلال الفترة من مارس 1924م وحتى هلاكه في نوفمبر 1938م، وصلت إلى حد إلغاء عطلة يوم الجمعة، واعتماد السبت والأحد إجازة بديلة، وفرض على الناس اللباس الغربي، حتى الحجاب منع النساء من ارتدائه وأمرهن باستبداله بـ«الكاب الأوروبي»، وألغى الطرابيش للرجال، وفرض عليهم «البرانيط» الأوروبية، وكان المواطنون الذين يخالفون ذلك يعاقبون بأقسى العقوبات بتهمة خرق القوانين ومخالفة الدستور، ورغم الهوان الذي ذاقه الأتراك على يد أتاتورك فإن ما ذاقوه على يد خليفته عصمت إينونو كان أقسى، حيث دفع إينونو تركيا إلى العلمانية بشكل أقوى وأعلن حربه المباشرة على الدين بمنع الأذان باللغة العربية، وألغى تعليم الدين الإسلامي في المدارس، وظل يحكم تركيا بأسلوب متسلط واستبدادي، حتى انتخابات 1950م التي دعا فيها الحزب الديمقراطي برئاسة محمود جلال بايار إلى إلغاء العلمانية وإحياء النظام الإسلامي.
وكانت هذه الدعوة كفيلة بأن يعلن الشعب التركي عن رغبته في الإسلام، فحصل حزب جلال بايار على 403 مقاعد من أصل 482 مقعدًا هي كل مقاعد البرلمان في ذلك الوقت، واصبح بايار رئيسًا للجمهورية، وكلف عدنان مندريس برئاسة الوزارة، حيث بدأت تركيا تعود شيئًا فشيئًا إلى هويتها الإسلامية، وتراجعت العلمانية، واستطاعت خمس حكومات شكلها مندريس خلال الفترة من 1950 وحتى 1960م أن تعيد الوجه الإسلامي لتركيا حتى قام العسكر بانقلاب دموي في أبريل 1960م، فأعدموا عدنان مندريس وبعض وزرائه، فيما حكم على الرئيس بايار بالسجن المؤبد، ودخلت تركيا إلى دائرة العلمانية من جديد، حيث تمت إقالة المئات من أساتذة الجامعات وضباط الجيش، وموظفي الدولة الذين يُشك بوجود أي انتماءات إسلامية لهم، وسعى العسكر لإضفاء صورة من الشرعية على انقلابهم فسمحوا في عام 1961م بتشكيل الأحزاب وإجراء الانتخابات فظهر جيل جديد من الزعماء العلمانيين بعضهم ما زال موجودًا حتى الآن مثل بولنت أجاويد الذي تولى وزارة العمل عام 1962م، وسليمان دميريل الذي أصبح نائبًا لرئيس مجلس الوزراء في عام 1965م، فيما كانت تشكل كل يوم أحزاب جديدة وتنفض أحزاب أخرى بسبب ضغوط سكر وضعف البرامج السياسية لدى الأحزاب، وعدم وجود بديل يلبي طموحات الأتراك ويجذبهم إلى ما جذبهم إليه جلال بايار وعدنان مندريس عام 1950م.
وظل الأمر على ما هو عليه حتى ظهر نجم الدين أربكان حينما حقق فوزًا كاسحًا في الانتخابات البرلمانية عام 1969م، في دائرة قونية ولا يزال نائبها القوي دون منافس حتى الآن، وأسس أربكان في عام 1971م أول حزب إسلامي هو حزب النظام الوطني، إلا أن العسكر خافوا من التفاف الشعب حول أربكان والحزب الجديد، فأمروا بحل حزب النظام الوطني، فأسس أربكان حزبًا آخر هو حزب السلامة الوطني، واستطاع في انتخابات أكتوبر 1973م أن يفوز بـ 49 مقعدًا.
واتحد أربكان مع بولنت أجاويد - رئيس حزب الشعب الجمهوري - وشارك حزب السلامة في وزارة أجاويد، حيث حصل على تسع حقائب وزارية، وأصبح أربكان نائبًا لرئيس الوزراء، وبعد سقوط الحكومة شارك أربكان في حكومة دميريل في عام 1975م، وفي عام 1977م شكل دميريل حكومة أخرى كان أربكان فيها نائبًا لرئيس الوزراء، وفي سبتمبر 1980م قام الجيش بقيادة كنعان إيفرين بانقلاب، وحل الأحزاب، واعتقل عشرات الآلاف من السياسيين والمواطنين كان من بينهم نجم الدين أربكان.
ورغم الأحكام التي صدرت بحقهم فقد أفرج عنهم في عام 1983م، واضطر أربكان إلى أن يعلن تشكيل حزب جديد هو حزب الرفاه بعدما ألغى العسكر حزب السلامة، ودخل الرفاه الانتخابات البلدية والبرلمانية وظل يحقق نسبًا متفاوتة حتى كانت الانتخابات البلدية التي جرت في عام 1994م، وفاز الرفاه فيها بنتائج كاسحة، حيث حصل على ما يزيد على أربعمائة بلدية منها إسطنبول وأنقرة، وكانت هذه النتيجة مقدمة ومؤشرًا واضحًا للانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر الماضي، حيث حقق الرفاه أعلى نسبة بين الأحزاب التركية وفاز بـ 158 مقعدًا من عدد مقاعد البرلمان التركي.
ولم يكن نجاح أربكان لشخصه أو سياسته أو خبرته، وإنما للبرنامج الذي رفعه والذي يتلخص في إعادة الشعب التركي المسلم لهويته ودينه، تلك الهوية التي أراد أتاتورك وعصمت إينونو مسخها وتذويبها، لكنها ظلت كامنة داخل هذا الشعب يترقب من يسعى لإعادة هويته إليه حتى يمنحه الثقة ويدفعه إلى هذا الطريق، إنه نور هذا الدين الذي يأبى كل شعب مسلم منَّ الله به عليه أن يستبدله بأي من نور البشر.
إن العلمانية تشعر الآن أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة في تركيا، فسبعون عامًا من العلمانية لم تؤثر على الشعب التركي وتنسيه أنه شعب مسلم، ومن ثم فإن مهمة أربكان لن تكون سهلة، وإنما هي مهمة شاقة وعسيرة، ومن يدري.. فربما تكون هذه هي الخطوة الأولى في طريق عودة راية الهوية الشرعية الوحيدة التي جمعت الأمة المسلمة على مدار تاريخها، والتي أعلن أتاتورك عن سقوطها في عام 1924م، فهل يبدأ أربكان في بناء ما هدمه أتاتورك؟