; تقويم الجهاز الإداري | مجلة المجتمع

العنوان تقويم الجهاز الإداري

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1976

مشاهدات 73

نشر في العدد 303

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 08-يونيو-1976

إدارة هامة في إحدى الوزارات الحساسة فوجئت قبل أيام بتقديم خمسة من أرفع المؤهلين فيها بالشهادة والخبرة استقالاتهم للمدير! صعق المدير، وانطلق يبحث ويتحرى عن الأسباب بواسطة من يثق بهم فتبين له أن الأسباب قديمة وأنها تفاقمت بينما هو لم يعلم بها إلا الآن فهو غالبًا خارج الوزارة في مكان كذا وهيئات كذا وإذا كان في الوزارة وكلما أتيح له الاحتكاك بمرؤوسيه فإنهم يجدون عنتا شديدًا في توضيح آرائهم فقد كان سيء الاستماع يعرض عن الكلمة ويتجاهل الفكرة ويحبط الهمة لدى موظفيه. 

هذه حالة من حالات فقدان الاتصال بين الرئيس ومرؤوسيه التي تتسبب في النهاية بالاستقالة كما رأينا فيما مر، والاستقالة هي أخف أضرار هذه الحالة السلبية إذ إن لها أضرارًا كبيرة تعكسها الفقرات القادمة.

المدير، أي مدير يجب أن يفتح كل فرص الاتصال مع مرؤوسيه وأن يحسن الاستماع لهم كما يحسن إلقاء الخطب الزاجرة والمواعظ المذكرة لهم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستمع إلى حديث أحدكم وإني لسامعه قبل أن يولد فما يمنعني ذلك من الإقبال عليه» أو كما قال عليه السلام.

وقد ذكرت في حلقة سابقة مقالة نابليون التي جاء فيها قوله «أنا أستطيع أن أحكم عن بعد ولكن قطعًا لا أستطيع أن أدير إلا عن قرب». والقرب والبعد في الإدارة ليس بالضرورة أن يكون مكانيًا فقد يكون المدير في غرفة واحدة مع مرؤوسيه ولكنه بعيد عنهم نفسيًا لا يشاركهم الحديث إلا من موقع الأستاذية الكاذبة.

إن إدراك مستوى معنويات العاملين يحتاج إلى فطنة من المسؤول عن العمل كما كان حجمه، يجب أن تكون لديه حساسية الانتباه لكل مؤثر سلبي، وقد جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله سؤالًا لا يليق بمقام النبوة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقام الشاب وغادر المجلس ولم تفت هذه البادرة عن فطنة سيد الخلق وصادف أن أحضر النبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظة إناء فيه لبن فأرسل من يدعو الشاب فجاء الشاب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «اشرب» فشرب وشرب بعده النبي عليه السلام وأدار الإناء بين الحاضرين، يقول الشاب لقد انصرفت وأنا في ضيق لا يعلمه إلا الله فلما أعطاني عليه السلام الإناء شربت وذهب ما في صدري. 

كذا الفطنة والنباهة، وإلى المديرين الذين لا ينتبهون إلى حالة مرؤوسيهم ومستوى معنوياتهم نقول هذه الكلمة. إن تفاقم أي مشكلة، وعدم حلها هو أثر سلبي للإدارة التي يجب أن ترصد أي انخفاض في المعنويات، ومن المظاهر التي تبين مستوى المعنويات لدى العاملين المظاهر التالية.

أولًا: عدم الاهتمام بالعمل.

وتجده واضحًا في الساعات الأخيرة من الدوام وهذه الظاهرة لا توجد في البيئة المتجاوبة مع العمل «شكل 1».

وعلى المسؤول المبادرة في هذه الحالة إلى دراسة سبب عدم الاهتمام، هو الملل أم عدم التجاوب مع طبيعة العمل فإن كان الأول فعليه إيجاد فترات راحة للإدارة حسب برنامج العمل، وإذا كان السبب هو الثاني فالحل بتوجيه الموظف إلى الموقع الذي يناسبه أكثر من الحالي. 

ثانيًا: ارتفاع معدلات الغياب.

وكثيرًا ما يعني هذا التغيب عن نفسية عدائية للإدارة حيث يجد الموظف بالتغيب وسيلة لإظهار عدم تجاوبه مع الإدارة وهذا يتطلب دراسة السبب أهو في حقوق الموظف راتبه مثلًا أو إجازاته أم في علاقاته مع الغير في الإدارة أو السبب السالف الذكر في «أولًا» أي طبيعة العمل، المهم أن التغيب عن العمل هو مؤشر يجب أن يحرك المدير وينبهه. 

ثالثًا: عدم إطاعة تعليمات الإدارة. 

وهي مظهر من مظاهر انخفاض معنويات العاملين في الإدارة تعكس بانخفاض ثقة كبير في نفسية الموظف تجاه الشخصية القيادية في الإدارة وقدرتها الفعلية على اتخاذ القرار وهذا يستوجب دراسة سبب عدم الثقة هل هو فعلي أي أن المسؤول المباشر لهذا الموظف فعلًا غير قادر على اتخاذ القرار الأنسب أم أنه مظهر لعدم التجاوب النفسي بين هذا الرئيس المباشر ومرؤوسه! ففي الحالة الثانية ينصح المدير الرئيس المباشر الموظف بتحسين علاقته مع موظفيه كأن يصدر تعليمات في أمور يحبها موظفيه فيسبقهم إلى اقتراحها ويبدأ في قيادتهم بالتراضي حتى يكسب ثقتهم ويزاول عمله كالمعتاد. أما في الحالة الأولى حين يكون الرئيس المباشر غير قادر فعلًا على القيام بدوره القيادي فالواجب يحتم تغييره فورًا إذا وجد الأنسب منه. 

ومن نافلة القول أن نبين أن العلاقة بين المدير ومن في إدارته يجب أن تكون وثيقة وأن لا يكون المدير كصاحبنا الذي ذكرناه في بداية المقال لا يشعر بما يحدث في إدارته حتى تصدمه الاستقالات بل يجب أن يتأسى بالإدارة العمرية الذي كان يتحسس أوضاع عماله في الأمصار وهو في المدينة لا يمنعه بعدهم عن متابعتهم وكم نشرت هذه المتابعة في نفوس الناس في الأمصار من مشاعر الطمأنينة والرضى ودفعت بالقبطي أن يقطع الفيافي والصحاري إلى المدينة ليشكو لعمر عامله في مصر عمرو بن العاص لجلد ابن له وما كان القبطي ليفعل ذلك لولا ثقته في قرارات عمر الحكيمة.

نعم إن بين القيادي ومقوديه شعرة كما قال معاوية رضى الله عنه ويجب عليه أن يحافظ عليها من أن تنقطع بإهماله لمرؤوسيه وانصرافه إلى شركاته وديوانيته كما يفعل بعض مدرائنا المعظمين! فأعظمهم لا يصل إلى مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بعامل يضرب في الأرض فأخذ يده ووضعها على صدره وقال هذه يد يحبها الله ورسوله فسد بذلك الفجوة بين اسم رئيس الدولة واسم عامل في الدولة وجعل الجميع عبيدًا لله.

الرابط المختصر :