; حُصون الأمَّة.. ومعاول السُّلطـة | مجلة المجتمع

العنوان حُصون الأمَّة.. ومعاول السُّلطـة

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1609

نشر في الصفحة 17

الجمعة 16-يوليو-2004

منذ أنْ عَرف الاستعمار طريقه إلى بلادنا قديماً كانتْ عدَّته في الغزو والاحتواء جيشيْن. آلةٌ عسكريّة جرّارة تُزهِق الأرواح، وتُخرب العُمران، وتقبض على مقاليد السلطة والحكم،وجيشٌ خفيٌّ لكنَّه الأخطر والأشدُّ خُبثاً هو «جيش الغزو الثقافيّ»وتتركز مهمَّته في سَرقة العقيدة واستلابها بهدوءٍ، وتذويب الهُويّة، والقضاء على معالم الحضارة الإسلاميَّة في عقول وقلوب الشعوب بدايةً. عن طريق قارورة الدَّواء، أو وجبة الطَّعام، أو غيرهما من مُغريات البطون الجائعة، أو الشهوات الجامحة.

 وبينما تقوم الآلة العسكريَّة بنهب اقتصاد الأوطان ونزح ثرواتها وتقطيع أوصالها الجغرافيّة إربًا إربًا يقوم «جيش الغزو الثّقافيّ بنهب العقول وإفراغها من معتقداتها ثم ملئها بما يشاؤون من معتقداتٍ تخدم مخطَّطاتهم».

 وكان المَيدان الأوَّل لمعركة هذا الجيش ميدان التَّعليم ومؤسَّساته، فصَبَّ جُلَّ خططه وجهده نحو إزاحة المنظومة التعليميّة في بلادنا، وأحلَّ محلّها منظومةً غربيَّةً في مناهجها، ومحتواها الثّقافيّ لإعادة تشكيل العقول والقناعات وفق الهُويَّة الغربيَّة، وبما يخدم المشروع الغربيّ على حساب الهُويَّة الإسلاميَّة، والمشروع الإسلاميّ بالطّبع.

 وقد تفنَّن الاستعمار في طرح منظومته التعليميّة وتسويقها جيّداً بطرقٍ برّاقة، فجعل المدارس والجامعات التَّابعة له بطريق مباشر وغير مباشر أشبه بالقصور، وأدخل فيها أحدث الوسائل التعليميَّة والترفيهيَّة ليسهِّل على الطُّلاب ابتلاع العسل المُشبَّع بالسُّمِّ الثَّقافيّ، بينما ظلَّت مؤسَّسات التَّعليم الوطنيَّة في بلادنا في حالٍ يُرثَى لها بعد أنْ صارتْ كاليتيمة على موائد حكوماتٍ فاسدةٍ، فكسبت مؤسّسات الاستعمار الثّقافيّ الجولة بارتياحٍ.

 ولو تتبّعنا نشأة وتاريخ مؤسَّسات الغزو الثّقافيّ في بلادنا لوجدنا أنَّ جذورها مشتركةً مع جذور حملات الاستعمار العسكريّة، وأنهما وجهان لمشروع تغريبيّ استعماريّ واحدٍ.

 فمدارس الأحد الشَّهيرة والجامعة الأمريكيّة، والجامعات اللاهوتيّة، والجامعة الفرنسية كلّها صورٌ من ذلك النُّوع. ولا نستطيع أنْ نُنكرَ أنّها خرجَّتْ أجيالاً، وصنعتْ طبقةً متنفذةً في ميدان الثَّقافة والإعلام، بل والحكم في بلاد المسلمين.

 لكن الَّذي صمد في مواجهة جيش الاستعمار الثّقافيّ كان التّعليم الإسلاميّ أو التعليم الدينيّ، فقد ظلّ حِصناً منيعاً للهُويَّة، والثّقافة الإسلاميَّة من خلال تخريج أجيالٍ من حُماة العقيدة. ولذلك فقد أفرد الاستعمار القديم والحديث خططاً خاصّةً لمحو هذا التّعليم الدينيّ حتى لا يبقى له اسم ولا رسم، وشنَّ حرباً ضروساً لا هَوادة فيها ولا رحمة. إنَّها حرب اجتثاثٍ تفوق الحروب النوويّة.

 فالاستعمار الفرنسيّ في المغرب العربيّ كرَّس حربه الثقافيَّة لمحو المدارس الدينيّة، وإزالة زوايا تعليم القرآن من نجوع وقرى الجزائر، ولم يهدأْ له بالٌ حتَّى قضى تماماً في تونس على «الزَّيتونة» الجامعة والجامع، وجفّف منابع التّعليم الإسلاميّ هناك، ومازال الاستعمار الحديث يواصل ما بدأه الاستعمار القديم من الحملة على التّعليم الإسلاميّ، بل صار ينقّب بقرون استشعاره عن كلِّ رائحةٍ للإسلام في مناهج التَّعليم العام والحكوميّ، فأجرى عليها في العديد من الأقطار عمليَّات فلترةٍ متكررةٍ حتى صارتْ بلا روحٍ، ولا نفَسٍ إسلاميّ.

 أمّا مؤسَّسات التَّعليم الإسلاميّ الكُبرى من المدارس والجامعات فكان التوجُّه هو السَّير في إغلاقها والضَّغط والتَّهديد لتغييبها -منهجاً وتعليماً- من الوجود ، ولا بأس من بقائها اسماً، وهذا ما يقومون به بشأن المدارس الدينية في باكستان، وما فعلوه مع المعاهد العِلميّة والمدارس الدينيّة في اليمن، وما يحاولونه في إندونيسيا، وغيرها، وغيرها. لكن «الأزهر» -الجامعة والجامع - كان له ترتيب خاص فهو المؤسَّسة الأشهر في العالم الإسلاميَ، وله في قلوب المسلمين في شتَّى بقاع العالم منزلةً عاليةً، فما من بلد إلَّا وفيه علماءٌ كِبارٌ تخرَّجوا في الأزهر، ومن هنا كان الترتيب لتدميره على خطوات أو على جرعات غير محسوسة وإنْ استغرقتْ زمنًا، ولا ننسى أنّ «نابليون بونابرت» عندما ربط خيوله داخل الأزهر خلال حملته لقمع ثورة الشعب المصريّ ضد احتلاله لمصر، لم يسلك هذا السّلوك إلا للتَّنفيس عن حقدٍ دفينٍ مغروسٍ في جنباتِ قلبه على الإسلام، فحوّل رمز الإسلام في مصر إلى إصطبلٍ لخيوله تبُول فيه.

 لقد فوجئ نابليون بأنّ الثّورة تنطلق من الأزهر وأنّ قادتها هم الأزهريّون، وهكذا كان الحال مع الاحتلال الإنجليزيّ، فكان القرار النِّهائيّ إزالةُ ذلك الصّرح العظيمِ، لكنَّهم لمْ يتمكّنوا من تنفيذ ذلك بأيديهم ففعلوها ويفعلونها اليوم بأيدي الحكوماتِ المُتعاقبةِ، وتوالتْ الضّربات على الأزهر،و المؤسّسات التّعليميّة، والمناهج الدراسيّة منذ الإعلان عمّا يُسمَّى بتطويره في السّتّينيات من القرن الماضي حتى إعلان الحكومة المصريّة الأسبوع الماضي وَقْف تراخيص بناء المعاهد الأزهريّة الجديدة، والتّوجُّه نحو إلحاق التعليم الأزهريّ بوزارة التّربية والتّعليم، أي إلغاء التعليم الدينيّ!

 ليصبح الأزهر مبنى شاهقاً لإدارة الأزهر، ومآذن تاريخيةٍ تحكي تاريخاً تليداً، وتبكي على الهُوَّية والعقيدة المحاصرة.

 إنّ إلغاء التّعليم الدينيّ الَّذي تُشرف عليه الحكومات، وهدم الحصون العِلميّة الإسلاميّة الّتي تعمل تحت سمعِ وبصرِ تلك

الحكومات هو أخطر طريقٍ، وأخبث وسيلةٍ لتفريخ الإرهاب وصناعته لأنه يجفِّف منابع تخريج العلماء العُدول ذوي العلم الشرعيّ الصّافي الخالي من الشّوائب، والذين يعدِلون الميزان في الأُمّة.

 ولئن خلت السّاحةُ من هؤلاء فلا بُدَّ أنَّ غيرهم سيملؤها، كلٌّ على طريقته واجتهاده الشخصيّ ،عندها سيختلط الحابل بالنّابل.

الرابط المختصر :