العنوان الظلم والدمار
الكاتب عبداللطيف عبدالله الوابل
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 47
السبت 22-ديسمبر-2001
عاقبة الظلم عار ودمار مهما طال الوقت وتمادى الظلم. ونحن المسلمين أولى الأمم ببيان هذه الحقيقة لأننا نملك المنهج القويم، والقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، إن من سنن الله الكونية والشرعية التي قررها الإسلام ووضحها القرآن والتي تدل دلالة واضحة على عدل الله سبحانه في خلقه أنه سبحانه ينتقم من الظالم ولو بعد حين، لقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين الخلق، والله لا يحب الظالمين.
وقد قص الله علينا كيف كانت عاقبة الظالمين وبين سبحانه أخذه الشديد لمن ظلم وتكبر وتجبر ولولا حلم الله سبحانه وحكمته التي أقتضت التنوع أخذ الظالمين فمنهم من تعجل له العقوبة الدنيوية ومنهم مَن تأخر ليوم تشخص فيه الأبصار ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ﴾ (النحل: ٦) ويقول أيضًا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42) بل لقد بلغ من عدل الله سبحانه ما أخبر به ﷺ بقوله: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».
والظلم أنواع، ولكل نوع عفويته، ومن أعظم الظلم الكفر بالله سبحانه، ومحادثه ومحادة رسوله وأوليائه المتقين، ثم يتدرج بعد ذلك إلى أنواع مختلفة، فأكل أموال الناس بالباطل ظلم، وسرقة أموال الشعوب وإهدارها ظلم وأكل مال اليتيم ظلم والإعتداء على حقوق الآخرين وتضييعها ظلم والبطش والفساد في الأرض ظلم وهكذا.. والظلم قد يقع من فرد على فرد، أو من شعب على آخر أو من دولة على أخرى أو من دولة على شعبها وكما أنه يكون بالفعل فإنه يكون بالقول، فالغيبة والنميمة ظلم، وقول الباطل ظلم والظلم يتسبب في رد فعل لا حدود له من قهر وقتل حسي ومعنوي للمظلوم، لذلك وعد ربنا بالإنتصار للمظلوم، وفتح أبواب السماء لدعوته، فليس بينها وبين الله حجاب، بل أقسم الله بعزته لينصرن المظلوم ولو بعد حين ﴿وعزَّتي و جلالي لأنصرنَّكِ ولو بعدَ حِينٍ﴾ (آل عمران: 60)
إن أي قوة مهما تحكمت في ثروات الأمم والشعوب وسيطرت على المنظمات الدولية السياسية منها والإقتصادية والإجتماعية والفكرية وغيرها وتحكمت في إقتصادات الأمم لن تخرج عن سنن الله الكونية والشرعية، يقول ﷺ: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ ﷺ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)، وقد بين سبحانه أن هناك خطوطًا حمرًا إذا تجاوزتها أمة من الأمم حل بها العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: 55)، وقال: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 13- 14) ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (النمل: 51- 52).
إن منطق العقل يقول لأولئك القوم: هلا تأملتم حالكم وراقبتكم أنفسكم وسياساتكم وظلمكم لشعوب الأرض، وتذكرتم الأيتام والأرامل والجياع المحصورين في بقاع الأرض؟! أوليست ألسنتهم تدعو ليل نهار ودموعهم تجري حسرات يدعون الله على من ظلمهم أو أعان على ظلمهم؟! ألا يعلم أولئك أن قوة الله قاهرة، وأنها لا تغلب ولا يقف لها شيء؟! فالله سبحانه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ومهما تحصن الظالم وظن أنه قد أفلت من يد الله وقدرته فليعلم أن الله غالب على أمره، فمن تكبر وتجبر قصمه الله، فالكبرياء والعظمة لله وحده، فمن نازعه أحدهما أخذه وقهره وأذله وقذف في قلبه الرعب مهما كانت قوته وجبروته، فلله جنود السموات والأرض وهذه سنن الله في الأمم الظالمة ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40).
وقد تقع بعض الحوادث مما يمكن اعتباره رسالة لكل ظالم، ولكل شاك في قدرة الله وعظمته، ولكل ذليل خائف من البشر تقول له: أنتبه فالله على كل شيء قدير، ولكل ظالم بالمرصاد، فهناك القوة المطلقة التي لا يعجزها شيء في السموات ولا في الأرض ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، فحذار من الظلم وكبت وقهر المستضعفين وما تلك الأحداث إلا أسباب للإنتقام الرباني، إن لم يعتبر القوم ويراجعوا أنفسهم ويكفوا أيديهم وبطونهم عن ظلم الناس وأكل أموالهم ويتركوا أمم الأرض تستثمر خيرات أرضهم ويكفوا أيديهم وألسنتهم وأقلامهم وصواريخهم عن الصد عن سبيل الله، وإلا فقل لي بربك أيها القارئ الكريم أوليس الله بقادر على أن يحدث مثلًا، بركانًا يفجر ما لدى الظالمين من عتاد؟!
وختامًا، فإن فيما يجري درسًا لنا نحن المسلمين لأخذ العبرة، فنحاسب أنفسنا ونبتعد عن ظلم بعضنا بعضًا ونعود إلى ربنا ونتخلص من كل ما يغضب ربنا سبحانه، فإنه إذا غضب لعن ولعنته تبلغ السابع من الولد. إن في ذلك لدرسًا لنا نحن المسلمين للتمسك بالحق والهدى ونقيم شرع ربنا، ونوحد صفوفنا على الحق فيوالي بعضنا بعضًا ويناصر بعضنا بعضًا على الحق ولا نتولى المشركين أو نظاهرهم على المسلمين ولنعلم يقينًا أن الأمر كله لله وأن النصر بيده سبحانه، فلا نخاف إلا الله ولا نرجو سواه ولا تخيفنا قوى البغي مهما تألبت وزمجرت ومهما كان لديها من قوة وعتاد، فالله وحده هو القوي وهو الملجأ والنصير لكل مظلوم، وقد وعد بنصر عباده المؤمنين، ووعده حق لا مرية فيه، فما على المسلمين إلا أن يصبروا ويثقوا بالله وحده، ويتوكلوا عليه، مقتدين بنبيهم ﷺ وصحابته الكرام، كما أخبر عنهم ربهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 174- 173).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل