; المجتمع التربوي.. عدد 1431 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1431

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

 خشية الله في حياة المسلم 

الشعور الدائم بوجود الله يولد في النفس المراقبة الكاملة واليقظة المستمرة

عمر الرماش:

تنبع أهمية مراقبة الله سبحانه وتعالى وخشيته في حياة الإنسان المسلم – في الأمور الدينية والدنيوية، في السر والعلن، في كل حركة وسكنة، في كل لحظة وحين، في كل صغيرة وكبيرة -من الإيمان بالله تعالي واليوم الآخر، والحساب والجزاء، والعقاب مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء:٤٩).

والأمر هكذا فعلى المسلم أن يبذل كل ما في استطاعته من أجل تحقيق العبودية لله عن طريق اتباع طرق وقائية، لعل من أهمها ما يلي:

  1. الإحساس الدائم بمراقبة الله:

أهم وسيلة من وسائل خشية الله وتقواه تتمثل في الشعور بوجود الله، ومراقبته لنا وبأنه مطلع علينا، وأن ملائكته يسجلون ويحصون أقوالنا وأفعالنا وأعمالنا الظاهرة والباطنة، ويتجلى ذلك في قوله تعالي: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَامًا كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (الانفطار:١٠-١٢).

والقرآن الكريم حافل بالآيات التي توضح بجلاء مراقبة الله الدائمة لنا، يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ (الحديد:٤)، وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سبا:٣)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق:١٦).

  1. محاسبة النفس على الأعمال

المسلم لا يستطيع أن يخشى الله ويتقيه إلا عن طريق محاسبة نفسه الأمارة بالسوء، سواء على المعاصي التي تقترفها أو الطاعات التي تقوم بها.

ووجوب محاسبة النفس ينطلق من مبدأ الإيمان بالله واليوم الآخر، والحساب والجزاء والعقاب، ولهذا فمن حاسب نفسه ووجدها تعمل الطاعات والخيرات فليحمد الله ويشكره ويثني عليه، ويزيد في عمله الصالح وطاعته وتقواه، ولا يتوقف أو يقنع، ومن حاسب نفسه فوجدها غارقة في الذنوب والمعاصي، وأعمال السوء والشر، فيستوجب ذلك منه توبيخها، والندم والحسرة والإقلاع والتوبة، وعدم العودة إلى اقتراف الخطايا والسيئات.

يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (الحشر:١٨).

ذكر الله تعالى كلمة «غد» في الآية الكريمة والمقصود بها يوم القيامة، والمعنى لدنوه وقربه أو لأن الدنيا كيومه، والآخرة كغده، وفي هذا إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال.

روى البيهقي في الزهد من حديث أنس -رضي الله عنه- ولفظ الحديث: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقًا»، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك هم الأكياس».

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا» (رواه أبو نعيم في الحلية). 

وقال الحسن البصري -يرحمه الله-: «المؤمن قوام على نفسه يحاسبها الله، وإنما خفف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة».

وقال ابن قيم الجوزية -يرحمه الله-: «ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة، إذ التحقيق أن التوبة بين محاسبتين: محاسبة قبلها تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها فهي محفوظة بين محاسبتين».

ويقول الشاعر:

والنفس من خيرها في خير عافية *** والنفس من شرها في مرتع وخم

  1. التقوى والعبادة:

مراقبة الله وخشيته تستوجب التقوى، والطاعة، والعبادة، والاستقامة.

والتقوى بالمفهوم القرآني لها تعريفات عدة من الآيات القرآنية جاء بعضها في سورتي البقرة وآل عمران، إذ يقول تعالى: ﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة:١-٣). 

وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: ١٣٣-١٣٥)

انطلاقًا من الآيات الكريمة السابقة يتبين لنا أن حقيقة التقوى تتجلى في الإيمان بالله وبالغيب عمومًا، والتوحيد الخالص، واليقين الصادق، وهذه هي العقيدة الصحيحة، ثم استيفاء حق الديانة والمواظبة في العبادة كالصلاة والزكاة والخشية والدعاء والإنفاق والورع والجد في التقرب إلى الله بالقول والعمل، وبالظاهر والباطن بالإضافة إلى أن التقوى يراد من وجهها السلوكي والاجتماعي إقامة العدل واستعمار الأرض بالخير والجهاد والحق والسعي في إصلاح البلاد والعباد، والتزام الاستقامة في الوظائف، ونشدان النفع والبر.

العبادة محبة وخضوع وإخلاص

عبادة الله تستوجب الحب والخضوع، وحب الله لا يصدق إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه، مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران:٣١)

ويقول الرسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى...» (رواه البخاري ومسلم).

والإخلاص في العبادة هو جعلها الله وحده، وترك الرياء فيها، والإخلاص في العمل هو أداؤه بأمانة، وصدق المراقبة. 

قال الإمام الجنيد: «الإخلاص تصفية العمل من الكادورات».

ومن هنا عرف العلماء الإخلاص بأنه: «اتفاق العبادة والعمل، وإحسانهما كان العابد أو العامل يرى ربه وهو يعبده، فإن لم يكن العبد يرى ربه فإن ربه يراه».

  1. صحبة الجماعة المؤمنة:

لا تخفى على أحد أهمية صحبة الجماعة المؤمنة والتزامها وعدم الافتراق عنها لأنها تعمل على توطيد أواصر المحبة في الله والتعاون والتكافل لما فيه خير الإسلام والمسلمين، كما أنها تعين على الوحدة ضد الأعداء، والخصوم والتآلف والاعتصام بحبل الله المتين.

يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران:١٠٣).

ويقول الرسول ﷺ مبينًا أهمية الجماعة المؤمنة، ووجوب صحبتها الاستمساك بها: «عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، ويقول: «والمؤمن ضعيف بنفسه، قوي بأخيه» ويقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

5-طلب العلم والتفقه في الدين:

يدعو الإسلام الحنيف إلى التعلم، وطلب العلم والمعرفة، والتفقه في الدين انطلاقًا من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

والعلوم الشرعية واجبة على طالب العلم وخصوصًا علوم القرآن والحديث، كالعقيدة والتوحيد والفقه والفتوى والسنة والسيرة وغيرها، كما يدعو الإسلام إلى النهل من جميع العلوم الكونية اللغوية والتاريخية والثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلم ركائز أساسية لا يقوم إلا بها، ومن أهمها ما يلي:

هدف تعلم العلم في نظر الشرع الحنيف معرفة الله والإيمان به، وتوحيده وطاعته، وعبادته وخشيته لإعلاء كلمة الله واستعمار الأرض بالخير والبر والتقوى والصلاح والعدالة الاجتماعية، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ (فاطر: ۲۸)، وورد في الحديث قول الرسول ﷺ: «تعلموا العلم، فإن تعلمه الله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة».

- العلم في الإسلام يجمع بين الروح والمادة لأنه لا يوجد صراع بين الدين والعلم، وإنما هناك تكامل وانسجام، فالعلم يخدم عقيدة التوحيد والإيمان، ويوصل إلى الهداية واليقين ويدعو إلى العلم الصالح، وحسن الاستخلاف في الأرض.

- العلم يؤدي إلى اكتشاف قوانين الله في الكون، وتسخيرها لمصلحة الإنسان والقرآن الكريم حافل بآيات العلم التي تدل على وجود الله، ووحدانيته، وكذلك آيات الكون والخلق وهو ما يصطلح عليه بقضية الإعجاز العلمي مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ (فصلت:٥٣).

- الدين يدعو إلى الاستمرار والمداومة على طلب العلم من المهد إلى اللحد، وهذا الأمر لا يتحقق إلا بشروط كما يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-:

أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان

ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان.

 

كيف نتحرر من «الراحة»؟

أخي العزيز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ترى هل أبث بين هذه السطور زنابق الحنين لأكون معك؟! وأي قرنفلة    -أخي ستضيئ وجدانك الدعوي- التصافح خيوط السحر خيطًا خيطًا؟ 

ما أروع أن أحاورك، وأنا أفتح نافذتي على نهر دافق بالأسئلة التي تشدني إلى رحاب رؤاك؟ ألسنا نستقبل العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك، حيث السكينة تتنزل، والرحمة الربانية تفيض عن خطايانا؟ فأي زاد روحي هيأنا لرحيل القافلة؟! وأي غرس غرسنا كي تشدو طيور التقى الصباح لنا دافئ معشب؟ وأي رقي خلقي يشع في النفوس، ويسمو بالذات لتكون أمة وحدنا -يا أخي الحبيب؟ وأين ملامح الإدراك –لدينا– في أسرار أن نرى النبي ﷺ في هذه الأيام أجود بالخير من الريح المرسلة؟ ثم ألا نأسى لهذا الوطن الإسلامي الكبير الجريح المعزق، والممتد حتى آخر قطرة من دمنا؟

أما زلنا نعيش منعزلين في حدود مطالبنا الضيقة الخاصة؟ وإلا فما الذي قدمناه لقوافل المشردين والثكالي في الشيشان مثلًا؟ وكيف تتحرر من الركون إلى الراحة، والدعة، وطغيان الذات، ثم ترانا نرتل في محاريبنا: 

﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(السجدة:١٦-١٧).   

 محمد شلال الحناحنة

 

رمضان في خمس عشرة جملة

عبد القادر أحمد عبد القادر

  • الأجواء الرمضانية تهيئ النفوس للطاعة والمطلوب خطة محكمة لحسن استثمارها

الجملة الأولى: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك». (۱)

لمجيء ذوي الأفضال في النفوس بهجة وفرحة، بما يفيضونه علينا من الخيرات والعطاء المادي والمعنوي، ألا نفرح بمجيء رمضان؟ «يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا ينظر إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته». (۲)

الجملة الثانية: «أتاك رمضان سيد الشهور، فمرحبًا به وأهلًا» (۲)

إن المؤمن التقي يفرح بقدوم رمضان، فيرحب به ضيفًا حبيبًا، أما المنافقون فقد أخبر عنهم النبي ﷺ: «لا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه» (۳).

وإن مظاهر كراهية المنافقين لشهر رمضان أكثر من أيام الشهر، بل تفوق صفات المنافقين في القرآن والسنة، بل هي بعدد ما نراه ونسمعه ونقرؤه في وسائل الإعلام من مفسدات الصوم من الفوازير والألغاز والتمثيليات واللهو الذي يتكلف الملايين من أموال المسلمين يحصل عليها هؤلاء المنافقون من أجل إفساد الشهر وإغواء الصائمين.

الجملة الثالثة: «لله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». (٤)

أين تسهر هذا المساء؟

أين تقضي هذه الليلة؟

عناوين إعلامية، تزين الطريق إلى غير الجنة، ولكن النبي ﷺ يغلق أمامك الطرق المؤدية إلى الشقاء بركعات التراويح وتلاوة القرآن.

فما رأيك في سهرات رمضان؟ ولياليه البيضاء؟

الجملة الرابعة: «صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله» 

هاتان المرأتان خلت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس هل هي حالة مزمنة؟

وهل اتصل الحاضر بالماضي؟ إنها حالة شاذة عن القاعدة العامة في المجتمع المسلم. 

إن المرأتين صامتا، وكادتا تموتان من العطش، فذكر ذلك للنبي فأعرض عنهما، ثم ذكرتا عنده، فأمرهما أن تتقينا، فقاعًا ملء قدح قيحًا ودمًا وصديدًا فقال النبي ﷺ ذلك الحديث: «إن هاتين صامتًا...». (٥)

الجملة الخامسة: وشهر المواساة (٦)، يجب على المسلم أن يدعم أخاه بما يراه مناسبًا لتقوية عزيمته، وينصحه بما يفيده، ويؤازره بالكلمة، والوقفة المناسبة.

فهل نستعيد من شهر رمضان خلق المواساة؟ وهل نرمي عنا البدائل المدمرة؟

الجملة السادسة: لكل عبد صائم دعوة مستجابة عند إفطاره. (۷)

إن الله يستجيب الدعاء في غير رمضان فإذا جاء الشهر وصام المسلم إيمانًا واحتسابًا زادت موجبات الإجابة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة:١٨٦)، نزلت هذه الآية في أحضان آيات الصوم إشارة إلى ما يضيفه الصوم من قوة دفع للدعاء إلى أفاق الإجابة.

الجملة السابعة: «يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر». (۸)

نداء ينطلق إلى صنفي الناس: الطائعين والعصاة فهلا استلهمنا من النداء الثاني خطة دعوية للتأثير في العصاة؟

إن الأجواء الرمضانية تهيئ النفوس المعاندة والمتمردة لشيء من الاستجابة بفعل تقييد الشياطين وحبسها، ومادام لله عتقاء من النار فلنسارع إلى أشقيائنا بخطة دعوية رحيمة رشيدة، وسيكونون أطوع لنا في رمضان عن غيره إن شاء الله.

الجملة الثامنة: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (۹).

نتصور أن نصف مليار أو ثلاثة أرباعه صائمون فماذا يفعل الخلوف بالهواء الجوي؟ 

ربما جاءت الإجابة من أنصار حماية البيئة في الغرب سيفعل الخلوف تلويثًا بيئيًا، ولكن الخبر النبوي يقول: إن هذا الخلوف لا يلوث الهواء، ولكنه صنعة ربانية خارجة عن علوم البشر يصل إلى الله أطيب من رائحة المسك. 

إن تفاعلات الطاعات مطهرات ولو كان مظهرها منفرًا عندنا، وإن تفاعلات المعاصي والمنكرات نجاسة ورجس، ولو كان مظهرها الأناقة، وروائحها من أرقى العطور.

الجملة التاسعة: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه» (۱۰) «ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» (۱۱).

مادام الشهر مباركًا، فإن فضل الله فيه يناسب بركته فالعمرة يزداد ثوابها في رمضان فيكون كثواب الحج «عمرة في رمضان تعدل حجة» (۱۲)، والفريضة في رمضان ثوابها بسبعين فريضة، يعني زكاتك إذا أخرجتها في رمضان حصلت على ثواب سبعين زكاة، وكذلك الصلاة، وكذلك الجهاد، ولقد فهم أوائلنا هذا المعنى فجعلوا أكثر جهادهم في رمضان.

الجملة العاشرة: «إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (۱۳).

في حياة الناس أيام يتعارفون عليها لإنجاز مصالحهم فيها أكثر من غيرها، ففي حياة المزارعين أيام مخصوصة لأنواع الزراعات والمواسم الجني والحصاد، وفي حياة المستهلكين أيام يحصلون فيها على المواد التموينية بأسعار مخفضة، فيكنزون منها الكثير، وفي حياة التجار أيام يجمعون فيها سلعهم لبقية الأيام –ولله المثل الأعلى– فالعشر الأواخر من رمضان كالعشر الأوائل من المحرم، كلاهما موسم خير للمسلم.

عن عائشة –رضي الله عنها– قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره» (١٤).

وعن علي –رضي الله عنه– أنه ﷺ: «كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة». (١٥)

وعمر –رضي الله عنه– كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا نصف الليل أيقظ أهله للصلاة. (١٦)

وهذا المعسكر الليلي في العشر الأواخر ينضم إليه الاعتكاف الجزئي أو التام في المسجد يرجى منه شيئان:

الأول: التماس ليلة القدر، فقد روى أبو ذر -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين ودعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة. 

الثاني: الفوز بالعتق من النار لحديث: «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».

الآن ظهر لنا لماذا كان حرصه ﷺ شديدًا على اغتنام العشر الأواخر، وكذلك كان حرص الكبار على تدريب الصغار فيها على الصيام والقيام وقراءة القرآن.

الجملة الحادية عشرة: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم» (۱۷).

الري مطلوب بإلحاح حين الظمأ، وري الجنة لا يعادله ري، فجاءت تسمية باب الصائمين الريان مناسبة لحالهم حين صاموا في أصياف الدنيا، ومناسبة لحالهم والناس ظمأى في الحشر المضني، والشمس تلهب أهل الموقف.

الجملة الثانية عشرة: إن الحور تنادي في شهر رمضان هل من خاطب إلى الله فيزوجه. (۱۸)

هذا العطاء مناسب للصائم الذي ترك شهوته، قال ابن رجب -رحمه الله-: «قدم رضا مولاه على هواه، فصارت لذته في ترك شهواته لله».

تقول الحوراء لولي الله، وهو متكئ معها على نهر العسل، تعاطيه الكأس: «إن الله نظر إليك في يوم صائف وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي، أشهدكم أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ، وزوجنيك» (۱۹) أما الصائمات فيتزوجن أزواجهن في الجنة، أو زوجهن أو يزوجهن الله ممن يرغبن... والله أعلم.

الحملة الثالثة عشرة: قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر:٢-٣).

بالحساب ظهر أن الألف شهر تشكل ۸۳٫۳ سنة، فلو أدركت ليلة القدر مرة واحدة لزاد عمرك الصالح ألف شهر، أو ٨٣,٣ سنة، فكم يكون عمرك الصالح لو أدركتها أكثر من مرة، بل مرات عدة. 

روي عن مجاهد أن النبي ﷺ «ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر، فتعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله هذه السورة سورة القدر».

الجملة الرابعة عشرة: «الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام رب منعته الطعام والشراب والشهوات المحرمات بالنهار. ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان». (۲۰)

الجملة الخامسة عشرة: «خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

 فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، (حسب روايات عدة للبخاري ومسلم وأحمد.)

إنك تولد يوم العيد ميلادًا جديدًا، بلا ذنوب حتى وإن كانت ذنوبك السابقة كزيد البحر، بل إنك تولد في هذا الشهر ميلادًا جديدًا مرات عدة: مرة بسبب الصيام ومرة بسبب القيام ومرة بسبب ليلة القدر ومرة في صبيحة يوم العيد ومرة بعد صيام ستة من شوال.

فما رأيك في هذا النوع من الميلاد؟

وفي الختام هذه مناجاة لابن رجب -رحمه الله-: «شهر رمضان ترفق دموع المحبين تدفق. قلوبهم من ألم الفراق تشقق عسى وقفه للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كل ما تحرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق عسى من استوجب النار يعتق».

الهوامش

(١) رواه أحمد والنسائي.

(۲) قل أهلًا ولا تقل هلا، فهذه تقال لفحل الإبل حتى يطأ أنثاه.

(٣) رواه ابن خزيمة.        (٤) رواه الترمذي. 

(5) رواه أحمد.               (٦) رواه ابن خزيمة والبيهقي.

(۷) رواه أحمد والترمذي.

(۸) رواه الترمذي والنسائي والحاكم.

(۹) رواه أحمد.

(۱۰) رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما.

(۱۱) رواه البخاري ومسلم.

(۱۲) رواه البخاري ومسلم.

(۱۳) رواه الحاكم وابن عساكر.

(١٤) رواه مسلم.           (۱٥) رواه مالك في الموطأ.

(١٦) رواه الطبراني.       (۱۷) رواه الشيخان.

(۱۸) رواه البيهقي وغيره.

(۱۹) أوردها ابن رجب في «وظائف رمضان» عن الحسن البصري      -رحمه الله.

(۲۰) رواه أحمد.

 

 أصحاب الضمائر

الإنسان مهما كانت قوته البدنية، أو بلغ علمه الدنيوي، أو كان غناه ومركزه الوظيفي لا يسمو إلى سماء المحبة الخالصة، ولا يعتلي عروش القلوب إلا بالضمير الحي اليقظ الذي يأخذ به إلى علا الأمجاد والذكر الحسن.

فما الضمير إذن؟ وما وظيفته؟ 

«الضمير: حس خفي في نفس صاحبه، ووظيفته: تحريض صاحبه على فعل الخير مع الله ثم مع الناس، والحيوان والطير والشجر في حدود ما يرضي الله وتأنيبه عندما يحدث خللًا تقصيريًا في ذلك».

فأرباب الضمائر الحية لا يهدأ لهم بال إن لم يعملوا ما يرضي ضمائرهم من خير وإحسان، فمثلًا المحافظ على الصلاة في أوقاتها تبعًا لما يمليه عليه ضميره المستقيم المتعلق بإيمان عميق بالله وثوابه وعقابه فإذا لم يصل «الصبح» مثلًا في جماعة أنبه ضميره، ويمر عليه يومه كاملًا غير راض عن نفسه.

وإذا أخذ رجل حق أخيه بغير حق. وكان ذا ضمير فإنه لا يطمئن نفسًا، ولا يرتاح حسًا، حتى يصحح فعله السيئ وإذا ضرب حيواناً أكل من زرعه أو بالإحسان، والامتثال والندم.

خالف طبعه، وكان ذلك الضرب على وجه يتنافى مع مبدأ الرحمة بالحيوان، فإن النتيجة الحتمية لذلك غصة في القلب يولدها الضمير المكنون، ومن ثم يلجأ إلى دواء الاستغفار وربما الإحسان إلى ذلك الحيوان.

وكذلك الشجرة، سواء كانت من ذوات الثمر أو من غيرها مما لا ينتفع بثمره فاقتلاعها بغير سبب أو أذى أو مضرة يعتبر جرمًا تهتز له الضمائر الحية.

قال ﷺ: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع الا يقوم حتى يغرسها فليغرسها».

فصاحب الضمير –إذن– يرتاح إن كان عمله إحسانًا وخيرًا، ويتألم إن كان عمله إساءة وشرًا، ولهذا فهو ينال المكان العلي عند الله والناس ويطمئن له الحيوان والطير والشجر.

وهكذا، فإن من يتحلى بيقظة الضمير يكون مصلحًا أمنًا محبوبًا، ومن يحرم منه -بسبب قبح خلقه أو جهله- يكون مفسدًا في الأرض قلقًا خائفًا مبغوضًا.

د. نبيل عبده حسان

الرابط المختصر :