العنوان المجتمع التربوي (1984)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012
مشاهدات 60
نشر في العدد 1984
نشر في الصفحة 54
الجمعة 13-يناير-2012
الشيخ الداعية فيصل مولوي.. نقاش أصولي في كتاب «تيسير فقه العبادات»
برلین: محمد شاويش
أيد مبدأ التقليد في الفقه وخالف بحجج قوية رأي «المدرسة السلفية» بضرورة اجتهاد كل مسلم
أكد أن الصحابة كان فيهم قلة من الفقهاء يرجعون إليهم في المسائل الشرعية ويأخذون بفتاواهم دون سؤال عن الدليل
توفي في الثامن من مايو من العام الماضي في لبنان الشيخ فيصل المولوي (١٩٤١- ۲۰۱۱م)، والفقيد كان قد شغل مناصب رسمية في القضاء، وكان لفترة من الزمن أمينًا عامًا للجماعة الإسلامية في لبنان، ويعد الفقهاء الذين شغلوا مواقع قيادية في فروع الإخوان المسلمين في العالم قلة، كان الشيخ فيصل مولوي يرحمه الله واحدًا منهم.
كتحية لروح الفقيد الكبير، اخترت أن ألخص للقارئ فصلًا واحدًا من كتاباته اللامعة -على قصرها- وسأوضح في نهاية مقالي هذا باختصار سبب اختياري لهذا الفصل.
أريد بالتحديد أن ألقي الضوء على موقفه الفقهي العام كما تجلى في مقدمته الموجزة المفيدة لكتابه «تيسير فقه العبادات» «أستند في المقال إلى طبعة «المؤسسة الإسلامية»، ط4، بیروت ۱۹۹۳م».
وبتحديد أكثر سأتناول معالجته لموقف «المدرسة السلفية» من مسألة «التقليد» ويعرفه بأنه «اتباع قول أحد العلماء دون معرفة دليله على صحة ذلك القول» (ص ١٦).
يريد الشيخ أن يأخذ موقفًا وسطًا بين أتباع مدرستين؛ «المدرسة المذهبية» التي أقفلت كما يقول باب الاجتهاد ورأت وجوب التزام كل مسلم بأحد المذاهب الأربعة، و«المدرسة السلفية» وهي «مدرسة الذين يرون الرجوع مباشرة إلى الكتاب والسنة، ويمنعون المسلم من التقليد في فروع الفقه، ويوجبون عليه الاجتهاد والبحث والأخذ مباشرة من النصوص» (ص ١٦).
تقليد الفقهاء
وما ينتج من مناقشته مناصرته لمبدأ التقليد ومخالفته بحجج قوية موجزة رأي «المدرسة السلفية» استنتاجًا من واقع الممارسة الفقهية، وليس انطلاقًا من مبادئ عائمة غائمة يقبلها ويراها جذابة ممن لا معرفة له بآليات استنتاج حكم فقهي انطلاقًا من النصوص وغيرها من الأدلة المقررة في أصول الفقه من نوع «القياس» و«المصلحة المرسلة» و«الاستصحاب» وغيرها «وأنصح من يريد الاستزادة بقراءة مبحث «الأدلة» في كتاب الشيخ عبد الوهاب خلاف «علم أصول الفقه».
ونقاش الشيخ مع المدرسة السلفية كان مؤدبًا ميالًا للوفاق واستبعاد ردود الأفعال عند الأطراف المختلفين، وهو يؤكد أنه «كان لاتساع الحوار أثر كبير في تراجع أنصار كل مدرسة عن التطرف حتى ضاقت دائرة الخلاف كثيرًا وكادت تتلاشى لولا وجود بعض المتعصبين لهذه المدرسة أو تلك» (ص ١٦).
مشروعية التقليد
يدافع الشيخ عن مشروعية التقليد انطلاقًا من الاعتبارات التالية:
1- قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)
2- قوله تعالى: ﴿ ۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)
3- واقع الصحابة الذين كان فيهم قلة من الفقهاء، وكان أكثرهم يرجعون إلى هؤلاء القلة في المسائل الشرعية ويأخذون بفتاواهم دون سؤال عن الدليل إلا في حالات نادرة.
4- منطق الواقع والمعقول؛ إذ ماذا يفعل العامي المشغول بطلب العيش أو المهندس أو الطبيب إذا عرضت له مسألة شرعية؛ هل نطلب منه أن يرجع إلى التفاسير وكتب الحديث ليبحث إن كان فيها نص أو لا؟ وإن وجد نصًا فلا بد له من الرجوع لكتب اللغة لفهمه وإن كان هناك أكثر من نص فلا بد من الترجيح؛ وهو لا يتأتى بغير دراسة واسعة أو معرفة الناسخ والمنسوخ، والمجتهد على ذلك لا بد له من ملكة الاجتهاد، ومهما تساهلنا في شروط الاجتهاد فسيبقى معظم الناس عاجزين عن حيازتها وهو الواقع الذي لا يجادل فيه إلا مكابر.
5- واقع أتباع المدرسة السلفية نفسها؛ إذ من المعروف أن علماء هذه المدرسة يختلفون في كثير من المسائل الشرعية؛ إما لاختلافهم في التفسير، أو في تصحيح الحديث، أو في استنباط الحكم، ولو قلنا: إن من اتبع رأي عالم فإنما اتبعه لاقتناعه برأيه، قلنا: فلم لم يقبل العلماء أدلة بعضهم؟ وهل إذا قبل طالب العلم برأي يعارضه رأي عالم آخر أكثر قيمة من قبوله لرأي العالم تقليدًا لكونه يعلم عدم قدرته على قبول الدليل أو رفضه؟
6- الإجماع منذ القرون الأولى ولو خالف ذلك بعض المتطرفين، وهم يقرونه بشكل آخر أيضًا.
كان هذا ملخص نقاش المولوي يرحمه الله لرأي المدرسة السلفية في مشروعية التقليد (ص ١٦ - ١٨).
مسائل تفصيلية
وهو مثال للتفكير السليم الذي سيحترمه في اعتقادي كل من كان له ولو بعض اطلاع على الطريقة التي يتوصل فيها الفقهاء للأحكام الشرعية في المسائل التفصيلية انطلاقًا من الأدلة المعروفة في أصول الفقه، ويلاحظ أن الشيخ اكتفى بذكر الاستخلاص من نصوص القرآن والسنة، وقد كان يستطيع أن يأتي بأدلة لا تقل قوة عن هذه في دعم رأيه لو ذكر الأدلة الأخرى، مثل القياس والعرف والمصلحة المرسلة التي احتمال الاختلاف فيها أكبر باختلاف شخصية الفقيه واختلاف الزمان والمكان.
يتخذ نقاش المولوي مع المدرسة السلفية أهمية كبيرة إذا تذكرنا العواقب العملية لمبدأ فتح باب الأخذ المباشر من الكتاب والسنة لاستنتاج أحكام لها أثر عملي في الواقع بدون خبرة في أصول الفقه وقواعده، وما استقرت عليه خبرة القرون في فهم النصوص وتطبيقها، وهذا النقد قلما يقوم به أحد في وقتنا هذا مع الحاجة الماسة إليه..
ترجمان القلب
عصمت عمر
من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان نعمًا نعمة النطق باللسان، وما اللسان إلا ترجمان للقلب، وقد كلفنا الله عز وجل بالحفاظ على استقامة قلوبنا، واستقامة القلب مرتبطة باستقامة اللسان، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه».
وروى الترمذي عن رسول الله ﷺ قال: «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا».
من هنا كان حريًا بكل مسلم أن يضبط لسانه ويسأل نفسه قبل أن يتحدث عن جدوى الحديث وفائدته، فإن كان خيرًا تكلم وإلا سكت، والسكوت في هذه الحالة عبادة يؤجر عليها، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» «رواه البخاري ومسلم».
فكثيرًا من الأمراض التي تصيب العلاقات الاجتماعية من غيبة ونميمة وسب وشتم وقذف وخصام، وكذب وزور وغيرها.. للسان فيها النصيب الأكبر، وإذا سمح الإنسان للسانه أن يلغو في هذه الأعراض وغيرها كان عرضة للنهاية التعيسة والإفلاس في الآخرة وشتان بين إفلاس الدنيا وإفلاس الآخرة.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
وروى الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟»: أي جزاء ما تكلموا به من الحرام.
لذلك كان خوف السلف من آفات اللسان عظيمًا، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: وما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تكلم به.
فليراقب المرء قوله وليتق الله سبحانه فيه، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71)
الرابط المختصر :