; العلاقات الأمريكية السورية بين الإيجابية والسلبية | مجلة المجتمع

العنوان العلاقات الأمريكية السورية بين الإيجابية والسلبية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1983

مشاهدات 40

نشر في العدد 644

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 08-نوفمبر-1983

كارتر: ضوء أخضر للوحدات السورية.

  • ماكفرلين: من دمشق إلى قمة الأمن القومي.
  • الشهابي: زيارات خاصة لأمريكا.

     في كل يوم تكتب صحفنا المحلية وصحف الخليج والعالم المقالات المختلفة عن العلاقة بين الولايات المتحدة والقطر السوري، بعض تلك المقالات تحلل جوانب الخلاف من وجهات النظر بين الطرفين، وبعضها الآخر يبرز الجوانب الإيجابية في العلاقة، لكن كل الاتجاهات الصحفية تؤكد أن هنالك علاقة ما ذات حجم كبير بين الطرفين، ترى هل يمكننا هنا أن نضع الخطوط العريضة لخلفية هذه العلاقة وجذورها؟ 

     فعلى الرغم من أن تصريحات يومية يطلقها الوزير السوري للخارجية تحمل معاني العداء للسياسة الأمريكية في المنطقة، فإن كثيرًا من المراقبين يشكون في مصداقية وجود العداء، وإزاء شك بعض المراقبين بسلبية العلاقة بين الطرفين، ترى هل هناك حقائق تشير إلى غير هذا؟

  • التحول الإيجابي:

     مرت العلاقات السورية الأمريكية خلال الفترة الواقعة ما بين عام ١٩٦٣ - ١٩٧٠ بمرحلة يمكن تشبيهها بالمد والجزر، وكانت المرحلة التي تولى فيها الحكم الثلاثي (زعين - ماخوس – الأتاسي) هي المرحلة الأشد اضطرابًا في العلاقات الأمريكية السورية، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى مرحلة العداء، وكانت الخلفية الأيديولوجية للثلاثي الحاكم هي التي تتحكم بنوعية هذه العلاقات، وفي ظل هذا الحكم اتخذت عدة قوانين اقتصادية لترسيخ الاتجاه الاشتراكي مما أدى إلى زيادة الأعباء والضغوط المعيشية على كاهل الشعب السوري، وأصبح في وضع اقتصادي لا يحسد عليه، ثم كانت حرب الأيام الستة وما خلفته من تمزقات وضغوط نفسية شديدة الوطء، سواء بين الأوساط الشعبية أو الأوساط العسكرية.

     من خلال هذه الظروف القاسية تمكن حافظ الأسد من الاستيلاء على الحكم بانقلاب أبيض عام ١٩٧٠م.

     ومع بداية السبعينات أخذت العلاقات الأمريكية السورية تتجه نحو الانسجام والتفاهم، وكانت الخطوة الأولى التي اتخذها النظام السوري للدلالة على المنحى الجديد لعلاقاته مع أمريكا هي سياسة الانفتاح الاقتصادي، التي انتهجها النظام فور تسلمه مقاليد الحكم، وكانت هذه السياسة متشابهة إلى حد بعيد مع سياسة السادات الاقتصادية، باعتبار أن هذه السياسة كانت تتماشى مع المفاهيم الأمريكية إلى حد بعيد.

     وكانت الإجراءات التي تتخذ على الساحة المصرية في ذلك الوقت قريبة بشكل ظاهر للإجراءات التي تتم على الساحة السورية من حيث الانفتاح الاقتصادي، وتخفيف بعض الضغوط السلطوية في البداية فقط، مع انكماش العلاقات مع روسيا... إلخ، ولم يكن هذا التماثل في إجراءات السوريين والسادات ليتم بعيدًا عن المؤشرات الإيجابية للعلاقات مع الولايات المتحدة.

     ثم كانت ما يسمى بحرب أكتوبر (۱۹۷۳م) إحدى نقاط التفاهم في مخطط العلاقات مع أمريكا، وقد وصل هذا التفاهم ذروته إثر حرب (۷۳) بفض الاشتباك، وفصل القوات الذي تم ترتيبه بإشراف عراب السياسة الأمريكية هنرى كيسنجر، والزيارة الشهيرة التي قام بها رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت ريتشارد نيكسون إلى سوريا والاستقبال الحافل الذي جرى له، والذي وصل إلى حد عبوره شوارع دمشق في سيارة مكشوفة، وإلى جانبه مضيفه، هذه الزيارة التي قام بها لأول مرة رئيس أمريكي إلى سوريا أعطت أن الاتجاهات الإيجابية للعلاقات الأمريكية السورية وصلت إلى ذروتها، إضافة إلى أن هذه الزيارة كانت تحمل في طياتها إيحاء للآخرين بمدى الثقة المتبادلة بين الطرفين، والموافقة الأمريكية على الذي سيلعب الدور الجديد في المنطقة.

الآثار النازلة بالقضية الفلسطينية:

     وتنفيذًا للدور الجديد في المنطقة فقد قامت الولايات المتحدة بإعطاء النور الأخضر للقوات السورية لتتحرك باتجاه لبنان بدعوى إيقاف الحرب الأهلية التي بدأت عام (٧٥)، ومعلوم أن حقيقة التدخل لم تكن لإيقاف الحرب الأهلية، بل كان ذلك متزامنًا مع بداية انحسار الوجود العسكري للقوات المسيحية، واستيلاء المقاومة الفلسطينية والقوى اللبنانية المتحالفة معها على بعض المراكز الإستراتيجية للقوات المسيحية؛ مما أكد قرب هزيمة هذه القوات، وكان تدخل الوحدات السورية بمثابة إنقاذ لهذه القوات من المستنقع الذي وقعت فيه، ولم تكتف تلك الوحدات آنذاك بإنقاذ القوات المسيحية، بل لجأت إلى القتال المباشر ضد القوات الفلسطينية والإسلامية المتحالفة معها، وكانت مجزرة تل الزعتر الضربة القاصمة للقوات الفلسطينية، وبذلك استطاعتالقوات الكتائبية أن تحقق في مثل هذا الظرف أكبر انتصار لها في الحرب الأهلية.

     هذا التدخل وما تم خلاله هل يمكن أن يكون بعيدًا عن إستراتيجية السياسة الأمريكية في هذه المنطقة؟

     وهل يمكن أن تقف إسرائيل موقف المتفرج تجاه دخول قوات خارجية ضخمة إلى لبنان مع انتشارها في معظم الأراضي اللبنانية دون أن تكون على علم بأن هذا الدخول جاء نتيجة للعلاقات الإيجابية بين الطرفين؟

     ومن هنا فإن المراقبين السياسيين كانوا قد أكدوا على أن صفقة ما قد تم عقدها عام ١٩٧٦ أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، التي دخل بموجبها ما يسمى بجيش الردع إلى لبنان لإنقاذ القوات الكتائبية المؤيدة لإسرائيل وللغرب، وأنه تم بموجبهذه الصفقة رسم خط أحمر لجنوب لبنان، تقف قوات المهمة الجديدة عنده ولا تتجاوزه، وبالفعل فإن تلك القوات لم تجاوز هذا الخط الذي رسم لها في الجنوب اللبناني طيلة سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، ثم كان الاجتياح الإسرائيلي في العام الماضي للجنوب اللبناني، ومن ثم الانطلاق نحو مراكز المقاومة في بيروت- خير دليل على صحة الاتفاق الذي أشار إليه المراقبون السياسيون. 

     وقد ذهب قادة الوحدات السورية في لبنان إلى أبعد من حد الوقوف عند الخط الأحمر، فقد لجئوا إلى الانسحاب أمام تقدم القوات الإسرائيلية، وتركوا قوات المقاومة الفلسطينية تتعرض للحصار الإسرائيلي، في حين أخذت قواتهم تتجمع في المناطق الشرقية والشمالية من لبنان، وبذلك تمكن الغزاة الإسرائيليون من تحقيق أهدافهم بإخراج المقاومة الفلسطينية من الجنوب اللبناني وبيروت، ودفعها نحو المناطق الشرقية والشمالية من لبنان لتجد نفسها محاصرة من قبل الوحدات السورية. 

      هذا الدور الذي تم بدءًا من عام (١٩٧٦م) بضرب المقاومة الفلسطينية بصورة مباشرة، وتوجيه ضربة قاصمة لأكبر تجمع لها في تل الزعتر، وإنقاذ القوات الكتائبية الموالية لإسرائيل وللغرب، وضرب القوى الإسلامية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية، والتوقف عند الخط الأحمر في جنوب لبنان، والانسحاب أمام قوات الغزو الإسرائيلي، وترك المقاومة الفلسطينية واللبنانية تتعرض لأكبر حصار من نوعه، ثم ضرب الحصار حول القوات الفلسطينية المنسحبة من بيروت إلى آخر ما هنالك من وقائع وأحداث يعطي أدلة واضحة ودامغة على أن هذا الدور كان تنفيذًا للاتفاقات التي تم إبرامها مع الولايات المتحدة، وهي صدى للتحول الإيجابي الكبير في مسار العلاقات مع أمريكا.

     ولا يمكننا أن نغفل هنا عن الإشارة إلى الدور الذي مورس في تحجيم دور المقاومة الفلسطينية، واحتواء منظمة التحرير من حيث إن هذا الدور كان تنفيذًا لأحد أهم المطالب الأمريكية، وما يجري الآن على الساحة الفلسطينية، وخاصة على ساحة فتح- يؤكد بشكل قاطع ما ذكرناه حول تصفية القضية الفلسطينية.

ضرب التيار الإسلامي مطلب أمريكي:

     لقد أصبح معلومًا لدى جميع المهتمين بالقضايا الإسلامية أن ضرب التيار الإسلامي كان وما زال مدرجًا على سلم الأولويات لدى مخططي السياسة الأمريكية، ولا نريد هنا أن نعيد ما ذكرته الكثير من صحف العالم، ولا سيما الصحف ذات الاتجاه الإسلامي، والتي أفردت الصفحات تلو الصفحات، وعلى مدار شهور عديدة للتحدث عن هذا الموضوع، وربطه بالشواهد والوقائع والأدلة الحية. 

     والذي يهمنا هنا الإشارة إلى ما فعلته أجهزة الأمن السورية في تنفيذ تلك المخططات، وهي تؤكد الإستراتيجية المطلوبة منها. 

      فكما كان ضرب الحركة الإسلامية في مصر هو بطاقة الولاء التي قدمها السادات لواشنطن، كذلك كان ضرب الحركة الإسلامية في أي مكان كان بطاقة الولاء التي تقدمها سلطة ما للمستعمر. 

     وجدير بالذكر أن أول إعلان يخرج إلى العالم عن المجازر البشرية التي جرت في مدينة حماة السورية عام (۱۹۸۲م) صدر عن البيت الأبيض الأمريكي، مما يعني أن أمريكا كانت على علم تام بالترتيبات التي اتخذت لضرب الحركة الإسلامية، والمواعيد الخاصة بتنفيذ هذه الإجراءات، والملاحظ أن تلك المجزرة التي لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلًا لم تحظ من الحكومة الأمريكية باستنكار أو استهجان أو...، بينما المتحدث الأمريكي بلسان البيت الأبيض كان يتنطع يوميًا لإلقاء بيانات الاستنكار حول أي حدث يقع في مشارق الأرض أو مغاربها يمس حقوق وحرية الإنسان، أما مجزرة حماة التي ذهب ضحيتها أكثر من (٢٥) ألف إنسان، إضافة إلى تدمير أكثر من نصف المدينة فإنها لم تحرك عواطف المتحدث الأمريكي، لماذا يا ترى؟

  • الزيارات المتبادلة:

     وأخيرًا فإن مسلسل الزيارات المتبادلة بين المبعوثين الأمريكيين ومبعوثيالأجهزة في سورية، وبصورة شبه مستمرة- أعطت العلاقات الأمريكية السورية طابعًا خاصًا، فزيارات شولتز، وحبيب، وماكفرلين إلى دمشق كانت تنتهي دائمًا بابتسامات عريضة، يزرعها الأمريكيون على وجوههم القبيحة، ومسلسل الزيارات التي قام بهابعض المسؤولين السوريين، مثل: عبد الحليم خدام، والشهابي، وغيرهما إلى الولايات المتحدة أكدت أيضًا على الطابع الخاص لهذه العلاقات.

    إن زيارات ماكفرلين إلى دمشق والثقة التي اكتسبها في دمشق كانت من الأسباب التي جعلته يقفز من مجرد مبعوث خاص للرئيس إلى مركز المسؤول الأول عن الأمن القومي للولايات المتحدة.

     ترى هل يستطيع مراقب ما أن يدعي بعد هذا أن العلاقات بين الطرفين ليست علاقات ذاتطبيعة إيجابية؟

الرابط المختصر :