; أمة الفتح والعلم هل تنتفض من جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان أمة الفتح والعلم هل تنتفض من جديد؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1165

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

كنت أينما تذهب تجد فتحًا وعزًا ورجولة وعزما، تجد فتية أصحاب همم، وشبابًا أهل نجدة، ورجالًا أعلام صدق ونخوة، تعيش في بيئة شامخة سامقة، أرجلها في الثرى، وهاماتها في الثريا، وتصاحب مجتمعًا شديد المراس على العدو، رحيم الفؤاد على التقي، كما وصفهم ربهم بقوله سبحانه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29). همم تعف عن الدنايا، وتصبو إلى العلا، وتتزود للمجد وتعشقه وتهيم به، كما أخبر عنهم كتاب ربهم: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾(الصف: 13). فأصلت شهواتها الجامحة الموبقة، وكبتت شياطينها العاتية الماردة، وقصدت إلى دنيا طاهرة، وحياة شريفة، وأخرى خالدة، وباقية رغيدة، لم يستعبدهم ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ﴾ (آل عمران: 14)، وقد جذبهم خير من ذلك ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ (آل عمران: 15). ولهذا فقد فتحوا الدنيا وساسوها بالعدل والرحمة، وقادوها بالحنكة والحكمة. 

وأعطوا كل ذي حق حقه، فكبت الباطل واندحر، وسادت الديار وعزت، ودخلت البلاد في دين الله أفواجا، وسبح الكل بحمد الله، وكثر خير ربنا وطاب.

ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الإيمان والرجولة والعزم، واتبعوا الشهوات، واستعبدتهم الأهواء والدنايا، فانحدروا بعد علو، وذلوا بعد عز، وتقطعوا وتفرقوا في الأمم أيدي سبا، وتداعت عليهم الشعوب كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وتحكم فيهم كل لئيم، وتسلط عليهم كل خسيس وجبار زنيم، وركبهم كل عتل وجواظ حقير، وذهب المجد وولى، وضاع الحق، وانكبت العدل، وخربت الديار، وضاعت الأوطان، واستحر القتل، وأبيدت شأفة الشرفاء الكرام، وخوت الديار، ونعاها الناعي، وصاحت في ربوعها الخفافيش، ونعق فيها البوم والغربان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إني نظرت إلى الزمان *** وأهله نظرًا كفاني

فعرفته وعرفتهم *** وعرفت عزي من هواني

وقعت بلاد المسلمين في الأسر وهي العزيزة، واستعبدت وهي الأبية الحرة، واستبيحت وهي الفاضلة الشريفة؛ فمثلا في آسيا.. احتل قياصرة الروس بلاد المسلمين في وسطها منذ حوالي ثلاثمائة عام، بعد أن أزال الروس الحكومات الإسلامية، ولقد كانت موسكو إحدى عواصم المسلمين، وكانت إبادة المسلمين بالملايين على عهد القياصرة الحاقدين المجرمين.

ثم جاء الاستعمار الشيوعي منذ حوالي السبعين عامًا، فأباد المسلمين كذلك بالملايين، واستحر القتل فيهم على عهد لينين وستالين، وأرغم المسلمون على ترك بلادهم وأوطانهم وأموالهم وأولادهم، وبذلك تشتت أمرهم، وتقطعت أوصالهم، واستتب الأمر للسفاحين الدخلاء بعد أن أبيدت خضراء المسلمين وأهلك حرثهم، وتم تهجيرهم إلى مناطق نائية، حيث يهلكون في سيبيريا وغيرها، وكان الروس يحشرون المسلمين في قطارات الحيوانات مغلقًا عليهم حتى إذا ما وصلوا إلى سيبيريا يكونون قد ماتوا جميعًا أو أغلبهم، وذلك يشبه تمامًا ما فعله الهنود مع المسلمين عندما أراد المسلمون الرحيل إلى باكستان، ومن لم يهجر من المسلمين إلى سيبيريا هجر إلى مناطق قاحلة داخل الاتحاد السوفييتي واستبدل بهم روس؛ حيث المناطق الخصبة التي تركها المسلمون ذات الإمكانات الزراعية والبترولية والمعدنية، وبذلك أصبح المسلمون أقلية فقيرة مشتتة في بلادهم، هذا وقد تم خلط الأجناس مع بعضها البعض، الأوزبكي مع القرغيزي، والتتاري مع التركماني، والطاجيكي مع القازاقي تبعًا لسياسة التفرقة بين المسلمين، وإثارة العنصريات والقبليات والنعرات، حتى لا تستقر لهم وحدة أبدًا ولو استقلوا عن روسيا، هذا رغم حرص الروس على إبقاء المسلمين في حالة تخلف وتجهيل، إذ كانوا وإلى الآن ينظرون إليهم نظرة السادة إلى العبيد، فانتشر بين المسلمين الجهل والفقر والمرض، وودوا لو تكفرون فيكونون سواء، ولكن هيهات هيهات، فقد استغل المسلمون في السُخرة والعمالات اليدوية، وجعلت بلادهم مزارع للشيوعية تسحب خيراتها للبلشفية لتمد المصانع بالمواد الأولية، وقد استنزفت الثروات المعدنية والغازات الطبيعية ونهبت مناجم الذهب والفضة والأحجار الكريمة.

وليت الأمر اقتصر على هذا المحق والهلاك، بل صاحب ذلك قتل خلقي ونفسي وثقافي، فأشاعوا بين المسلمين الزنى والفواحش وشرب الخمر والموبقات، وحببوا إليهم التشرذم والضياع حتى خربت أخلاقهم وفسدت فطرتهم وتبدلت عاداتهم، وأصبحوا مسخًا بشريًا يساقون بالسوط والعصا، كالدواب والأنعام بل هم أضل، كما كانت سياسة الشيوعية الاقتصادية هي تفتيت الطاقات، وإبقاء كل دولة من دول المسلمين في حالة عوز وفاقة إلى غيرها، بحيث لا تستطيع أية دولة أن تقوم بكفاية شعبها بحاجاته الأساسية فأصبحت طاجيكستان مزرعة للقطن فقط، وتركستان لاستخراج البترول والغاز الطبيعي فقط، وكذلك بالنسبة لباقي الدول حتى لا تستطيع أية دولة أن تستقل عن الاتحاد السوفييتي، فلله در هذه الأمة، كم تحملت وقاست و تقاسي في جميع البقاع أهوالًا كأنها الواقعة، وأحمالًا كأنها الجبال، وهذا يدل على صلابة عود، وشدة شكيمة، وستنتفض إن شاء الله هذه الأمة يومًا، وتهب في ساعة، ولكنها تحتاج إلى قيادة بعقل، ودعاة بفكر، ويقظة بحزم، وكفاح بجهد، وتحد بإبداع، فهل توجد القيادة صاحبة العقل، والدعاة أولو الفكر؟ وهل تكون اليقظة والحزم والكفاح والجهد والتحدي، حتى يظهر الإبداع وتحلق الأمة في سماء المجد والعز؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :