العنوان حكم رمضانية
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 2015
نشر في الصفحة 38
السبت 11-أغسطس-2012
حكمة (1)
مر الحسن البصري - رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون، وخاب فيه الباطلون.
الصوم جنة أقوام من النار
والصوم حصن لمن يخشى من النار
والصوم ستر لأهل الخير كلهم
الخائفين من الأوزار والعار
فصام فيه رجال يربحون به
ثوابهم من عظيم الشأن غفار
فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا
من بين خور وأشجار وانهار
حكمة (٢)
الحكمة في فرض شهر رمضان، أن الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء.. فما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال قال يحيى بن معاذ - رحمه الله - مرة لأصحابه: من شبع من الطعام عجز عن القيام، ومن عجز عن القيام افتضح بين الخدام، وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات، وقعدت الجوارح عن العبادات.
حكمة (٣)
قيل مثل شهر رمضان كمثل رسول أرسله سلطان إلى قوم، فإن أكرموا شأنه وعظموا مكانه وشرفوا منزلته، وعرفوا فضيلته رجع الرسول إلى السلطان شاكراً لأفعالهم، مادحاً لأحوالهم، راضياً لأعمالهم، فيحبهم السلطان على ذلك، فيحسن إليهم كل الإحسان، وإن استخفوا برعايته وهونوا لعنايته، ولم ينزلوه منزلته من الإكرام، وفعلوا به فعل اللئام، فيرجع الرسول إلى السلطان وقد غضب عليهم من قبيح أفعالهم وسيئ أعمالهم، فيغضب السلطان لغضبه. كذلك يغضب الله سبحانه وتعالى - ولله المثل الأعلى - على من استخف بحرمة شهر رمضان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 183]
حكمة (٤)
إن أعظم هدية حملها إلينا رمضان، بل حملها إلى البشرية جمعاء هي القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى في هذا الشهر المبارك على محمد ، فقال عز وجل: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ (البقرة: ١٨٥).
كما أن هدية رمضان الثانية هي ليلة القدر وهي ليلة نزول القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم قال جل شأنه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَة الْقَدْر ﴾ (القدر).
كيف لا تكون هدية عظيمة، وفيها انطلقت أنوار العلم والمعرفة، ماحية ظلمات الجهل والجاهلية؟!
حكمة (٥)
من المستحب الدعاء عند رؤية هلال رمضان، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى هلال رمضان، قال: « اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله».
وابتلت ومن المستحب أن يدعو الصائم عند الإفطار فيقول: ذهب الظمأ العروق وثبت الأجر إن شاء الله...
ويستحب للصائم أن يتوجه إلى الله بالدعاء في ليالي رمضان، حيث تفتح أبواب السماء، ويستجيب الله عز وجل الدعاء.
حكمة (٦)
عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يُعْطَهُنَّ نبي قبلي:
أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة في شهر رمضان ينظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا.
وأما الثانية، فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك.
وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة.
وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي.
وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا.
فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدرة فقال: لا، ألم تر أن العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم.
حكمة (٧)
قال ابن الجوزي يرحمه الله: شهر رمضان شهر فيه تزهر القناديل، وينزل فيه بالرحمة جبريل، ويُبتلى فيه التنزيل، ويسمح فيه للمسافر والعليل.
وورد عن ذي النون المصري - رحمه الله - قوله: تجوع بالنهار وقم بالأسحار، تر عجباً من الملك الجبار.
قيل للأحنف بن قيس - يرحمه الله: إنك شيخ كبير، وإن الصوم يضعفك، فقال: إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه.
سئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع، فلا ينسى الجائع. قال أبو الفرج ابن الجوزي - يرحمه الله: رمضان شهر جعله الله تعالى مصباح العام، وواسطة النظام وأشرف قواعد الإسلام المشرف بنور الصلاة والصيام والقيام.
حكمة (۸)
لقد حفل شهر رمضان بأحداث مهمة في التاريخ، كلها تدل على أن رمضان كان على مدى التاريخ شهر عمل وانتصارات وبركات في رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى.
في رمضان من السنة الثامنة للهجرة كان الفتح الكبير فتح مكة.
في رمضان عام ١٥ للهجرة، كانت موقعة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص .
في رمضان عام ٩٢ للهجرة، فتح المسلمون الأندلس بقيادة طارق بن زياد - يرحمه الله.
في العاشر من رمضان عام ١٣٩٣للهجرة، انتصر العرب والمسلمون على الصهاينة في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م.
ويبقى أهم الأحداث الرمضانية قاطبة نزول القرآن الكريم فيه.
حكمة (٩)
دخل رجل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم عيد فوجده يتناول خبزا خشناً.
فقال: يا أمير المؤمنين يوم عيد وخبز خشن فقال علي: اليوم عيد من قبل بالأمس صيامه وقيامه، عيد مَنْ غفر ذنبه وشكر سعيه وقبل عمله اليوم لنا وغدا لنا عيد وكل لا يوم نعصي عيد الله فيه فهو لنا
تبلج بالبشرى ولاحت مواكبه
ورفت بأنفاس النسيم سبائبه
أطل صباح العيد جذلان ضاحكاً
يمازح وسنان الرحى ويلاعبه
وكيف ينام الليل في صحوة المنى
وقد سهرت شوقاً إليها كواكبه
حكمة (١٠)
إخواني ليس العيد لمن أكل ما لذ وطاب، ولبس فاخر الثياب، وعن جاره المحتاج تعامى وعن الواجبات غاب.
ليس العيد لمن عن والديه فحرم الرضا، ونال الغضب، ووقع في العقوق.
ليس العيد لمن يحسد الناس على ما آتاهم الله عز وجل من فضله.
كيف يسعد بالعيد من تجمل بالثوب الجديد الأبيض، وقلبه على أخيه المسلم قائم أسود؟
كيف يهنا بالعيد من استقام في رمضان وصلى وصام، وذكر الله تعالى، وبعد رمضان عدل عن الطريق الأقوم؟
كيف يفرح بالعيد من أضاع أمواله مسرفا مبذرا مانعا حق الفقير والمسكين؟
لمن العيد ؟!! إن العيد لمن خاف يوم الوعيد إنما العيد لمن فاز بالقبول وحسن الختام.