العنوان أفلاذ الأكباد وثمرات الأفئدة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007
مشاهدات 71
نشر في العدد 1745
نشر في الصفحة 58
السبت 31-مارس-2007
غرس الله تعالى الرحمة في قلوب الآباء نحو الأولاد، ففطر قلب الأبوين على محبة الأولاد، ووضع في قلوب الآباء حب الرحمة والشفقة والمشاعر النفسية والعواطف الأبوية، هذا هو الأصل؛ فمن شذ عن ذلك فقد خرج عن الفطرة التي فطره الله عليها: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
تلك نعمة أنعمها الله على عباده، ولولا ذلك لما صبر الآباء على تربية أولادهم ورعايتهم، والسهر على أمرهم، وتحمل المشاق من أجلهم.
ولقد صور القرآن الكريم هذه المشاعر الأبوية تصويرًا جميلا ودقيقًا، ووضح دوافعها في نفوس الآباء، فبيّن أن أولاد عباد الرحمن هم قرة أعين لآبائهم، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)، وفي موضع آخر صوّر الأولاد بأنهم زينة، قال تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا﴾ (الكهف: 46)، ومرة ثالثة يذكر الله تعالى الأولاد في سياق الامتنان على عباده بالنعمة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (الإسراء: 6).
ولقد صور الشعراء ذلك الشعور الذي يفيض رأفة وشفقة من الآباء تجاه الأولاد ومن ذلك قول أحدهم مصورًا إشفاقه على بناته بعد رحيله:
لقد زاد الحياة إليّ حبًّا
بناتي إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي
وأن يشربن رنقا بعد صاف (1)
وأن يعرين إن كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
وفي العكوف على رعاية الصغار والزهد في الاهتمامات والواجبات الأخرى يقول شاعر آخر:
ولولا بنيات كزغب القطا
حططن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع
في الأرض ذات الطول والعرض
وانما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم
لامتنعت عيني من الغمض
قد يضيق الآباء بالأبناء فيعاملونهم بغلظة وقسوة، وينسون أنهم نعمة، كم يتمناها من حرم منها، فهناك من الأزواج من يتمنون أن يؤخذ منهم كل ما أوتوه من متاع الدنيا مقابل أن يرزق نعمة الولد.
لقد وردت إليّ على بريدي الإلكتروني رسائل كثيرة من قراء مجلة المجتمع وغيرهم، يشكون فيها من قسوة الأبوين معا على الأولاد تارة، ومن قسوة الأب وحده عليهم تارة أخرى ومن قسوة الأم أحياناً، ومن هنا رأيت أن أخص أولادنا فلذات أكبادنا وثمرات أفئدتنا باهتمام من خلال هذه النافذة في مجلة المجتمع الغراء.
إن الرحمة بالأولاد منحة من الله للعباد والقلب الذي يتجرد من خلق الرحمة إنما يدل على أن صاحبه فظ قاس، ولقد اندهشت وتألمت عندما جاءني أب يحكى لي بنفسه أنه ذهب إلى أحد المستشارين ليساعده على حل مشكلة ابنه، كان الابن في الصف الثالث الثانوي، وهو أكبر إخوته وكانت لديه قدرات واستعدادات قيادية، يستخدمها أحيانا بشيء من المبالغة مع إخوته في غياب الأب، فأشار عليه المستشار التربوي بضرورة كسر شوكة هذا الابن السلطوي، حسب وصفه وإلا طغى سلطانه على الأسرة كلها حتى على الأب، فسأله الأب وكيف أكسر شوكته؟ فقال المستشار لا بد من ضربه ضربًا شديدًا حتى يستقيم فما كان من الأب إلا أن نفذ الوصفة الحمقاء، التي أشار بها من جعل من نفسه مستشارًا تربويًّا وهو غير متخصص وما أكثرهم.
وفي بلادنا أمور عجيبة، لا يسمح لغير الطبيب البيطري أن يعالج حمارا، في حين يسمح لهؤلاء أن يعالجوا أولادنا ويقوموا بالتربية، ونحن أمة أمرت بإتقان العمل وسؤال أهل الذكر!! ما عليك إلا أن تفتح الفضائيات وتتجول فيها لتجد كل من هب ودب، يتحدث كمتخصص في التربية ويستشيره الناس!! لقد ضرب الأب المسكين ابنه الضحية، فأحدث به جروحا بالغة نقل على إثرها إلى المستشفى، وعولجت بعد وقت طويل وصبر مرير، ولكن بقيت جروح نفسية لا يعلم أبعادها وعواقبها إلا الله، لقد أخبرني الأب أن ابنه قاطعه تمامًا، بل قاطع أمه وإخوته، فلما قالوا له: لماذا تقاطعنا ولا ذنب لنا؟ فأجابهم لأنكم سلبيون ولم تدافعوا عني ولعلاج تلك الجروح النفسية قضيت شهورًا مع هذا الشاب أحاول تدفئة العلاقة بينه وبين أبيه وأسرته، بعد أن أفاق الأب وتعاون معي تعاوناً جميلاً، ومع ذلك لا أحسب أننا أعدنا هذا الشاب إلى طبيعته، فالعاطفة السليمة الطبيعية ليست كعاطفة جرحت وعولجت والعضو السليم بطبيعته ليس كالعضو الذي أجريت له جراحة لعلاجه.. لا يستويان.
صحيح أن كثيرا من الأولاد مزعجون كثير ضجيجهم، وشغبهم - وخاصة إن كانوا صغارا، لهم مشكلاتهم ومشاكساتهم، لكنهم بلا شك نعمة ورأس مال نتاجر فيه مع الله تعالى، فنحسن تربيتهم لننال خيرهم في الدنيا، والمثوبة عنهم والأجر العظيم في الآخرة، ونقدمهم للوطن والأمة رجالا يحملون الراية من بعدنا، والفطن منا من يدرك ذلك، ويحسن التكيف مع شغبهم وشجارهم. ومن هؤلاء الذين صدقوا في حنانهم وعواطفهم الشاعر الكبير عمر بهاء الأميري رحمه الله - الذي كان سفيرا لسورية في أحد الأقطار العربية فلما سافر أولاده إلى حلب، وتركوه فترة مؤقتة لأداء مهمته، ثم ودعهم في المطار وعاد إلى مسكنه فوجد البيت خاليًا من ضجيجهم وشغبهم.. اهتز قلبه، وفاضت عيناه، وعبر عن تلك العواطف الرقيقة في أبيات من الشعر مؤثرة غاية التأثير قكانت هذه القصيدة:
أب
أين الضجيج العَذب والشعب أين التدارس شابه اللعب
أين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتب
أين التشاكس دونما غرض أين التشاكي ما له سبب
أين التباكي والتضاحك في وقت معًا، والحزن والطرب
أين التسابق في مجاورتي شغفًا إذا أكلوا وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسوق فطرتهم نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم: «بابا» إذا فرحوا ووعيدهم: «بابا» إذا غضبوا
وهتافهم: «بابا» إذا ابتعدوا ونجيهم «بابا» إذا اقتربوا
بالأمس كانوا ملء منزلنا واليوم ويح اليوم قد ذهبوا
وكأنما الصمت الذي هبطت أثقاله في الدار إذ غربوا
إغفاءة المحموم هدأتها فيها يشيع الهم والتعب
ذهبوا، أجل ذهبوا ، ومسكنهم في القلب ما شطوا وما قربوا
إني أراهم أينما التفتت نفسي وقد سكنوا، وقد وثبوا
وأحس في خلدي تلاعبهم في الدار ليس ينالهم نصب
وبريق أعينهم، إذا ظفروا ودموع حرقتهم إذا غلبوا
في كل ركن منهم أثر وبكل زاوية لهم صخب
في النافذات زجاجها حطموا في الحائط المدهون قد ثقبوا
في الباب قد كسروا مزالجه وعليه قد رسموا وقد كتبوا
في الصحن فيه بعض ما أكلوا في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطر من تفاحة قضموا في فضلة الماء التي سكبوا
إني أراهم حيثما اتجهت عيني كأسراب القطا سربوا
بالأمس في قرنايل نزلوا واليوم قد ضمتهم «حلب»
دمعي الذي كتمته جلدا لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا من أضلعي قلبًا بهم يجب
ألفيتني كالطفل عاطفة فإذا به الغيث ينسكب
قد يعجب العذال من رجل يبكي، ولو لم أبك فالعجب
هيهات ما كل البكا خور إني - وبي عزم الرجال – أب
الهوامش:
(1) الرنق بفتح النون هو الماء الفكر.
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل