; قضية للنقاش: شورى أم استشارة؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضية للنقاش: شورى أم استشارة؟

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989

مشاهدات 140

نشر في العدد 899

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-يناير-1989

·       الاستشارة واجب ديني أخلاقي لا يقل أهمية في المجتمع عن واجب الشورى التي تقيد سلطة الحكام.

·       الشورى بالمعنى الضيق هي الوسيلة الشرعية التي تصدر بها الجماعة أو الأمة قرارًا جماعيًا في شأن من شؤونها العامة.

·       لأهل الشورى الحق في أن يشترطوا لأنفسهم حق الإشراف على أعمال ولي الأمر ومحاسبته عليها.

لقد تتبعت باهتمام الحوار الذي شارك فيه عدد كبير من إخواننا على صفحات المجتمع وغيرها من السجلات الإسلامية بين فريقين أحدهما يدافع عن «مبدأ وجوب الشورى والالتزام بها» أما الفريق الآخر فيقولون بإن «الشورى ليست ملزمة لولي الأمر».

وأعتقد أن هذا الحوار كان في غير محله وأن المناقشات كانت عقيمة ولا مبرر لها وقد ترتب عليها إضعاف جاذبية مبدأ الشورى وغموض أحكامه وتشويه صورته لدى مفكرينا وجماهيرنا لأن الداعين لها ضيعوا جهودهم في مناقشات وخلافات بينهم بدل أن يوجهوها لإبراز أهمية الشورى وميزاتها التي تجعلها مطلبًا ملحًا لمجتمعاتنا في العصر الحاضر وخصوصًا بعد أن فقدوا ثقتهم في شعارات الديمقراطية» بسبب ما لجأت إليه كثير من النظم التي تزيفها وتحولها إلى دكتاتورية حقيقية تقضي على حريات الأفراد وتنتهك حقوق الإنسان.

إنني أدعو إخواننا الذين شاركوا في هذا الحوار ألا يخلطوا بين «الشورى» و«المشورة أو المشاورة الاختيارية» وأن يراجعوا مواقفهم في هذا الموضوع إذا اقتنعوا بأن مبدأ المشورة أو المشاورة في الإسلام واسع النطاق وأنه يشمل حالات تكون فيها «الشورى» واجبة وملزمة حتمًا كما يشمل حالات أخرى تكون فيها المشورة غير واجبة وغير ملزمة ولكنها مشروعة ومطلوبة ديانة على سبيل الندب. وسوف أحاول أن أقدم لهم الأدلة على ذلك.

ولزيادة الإيضاح سوف أقصر استعمال كلمة «الشورى» على الحالات التي تكون فيها الشورى واجبة وملزمة.

أما الحالات التي تكون فيها المشورة اختيارية فأنها مجرد «استشارة» ويجب أن نستعمل لها هذا الاصطلاح حتى لا تختلط بالشورى الواجبة الملزمة. أن هذه الملاحظة ضرورية لأنه يظهر أن كلمة الشورى تستعمل في كتب السيرة والتفسير والفقه بالمعنى الواسع الذي يجعلها مرادفة للمشاورة بجميع أنواعها مما أدى إلى الخلط بينها وبين «الاستشارة» «لأن الاستشارة في هذه الحالة تكون نوعًا من «الشورى» بمعناها الواسع المرادفة للمشاورة».

أننا نفضل استعمال كلمة الشورى في معنى ضيق محدود يقتصر على الحالات التي تكون فيها الشورى واجبة وملزمة ونحن نقترح على إخواننا الذين يبحثون في موضوعات الشورى أن يوافقونا على ذلك لتسهيل هذه الدراسة.

فالشورى بالمعنى الضيق يمكن تعريفها بأنها الوسيلة الشرعية التي تصدر بها الجماعة أو الأمة قرارًا جماعيًا في شأن من شؤونها العامة بحرية كاملة سواء فعلت ذلك بنفسها وهذه هي الشورى المباشرة أو بواسطة من ينوبون عنها «شورى غير مباشرة».

أن كل قرار ينسب للجماعة لا يمكن أن يصدر إلا بأحد طريقين:

أ - الطريق الشرعي الوحيد: هو أن تصدره الجماعة بنفسها «أو بواسطة ممثليها» بالشورى الحرة «الديمقراطية» ومعناها إجراء الحوار بين أعضاء الجماعة «أو ممثليها» والنقاش بينهم حول موضوع حتى يصلوا إلى قرار متفق عليه «بالإجماع» أو عند عدم الاتفاق أي الأغلبية «أو الجمهور» وهنا يكون القرار قد من الجماعة شرعًا استعمالًا لحقها في التصرف في شؤونها واتخاذ قراراتها بنفسها بطريق الشورى الحرة الشرعية الواجبة والملزمة - لا يمكن أن تكون غير ذلك.

ب - طريق الإكراه أو التزييف غير الشرعي وغير الديمقراطي بأن تتصدى جهة ما «أجنبية عن الجماعة أو مكونة من أحد أفرادها أو مجموعة منها» الإصدار القرار وفرضه على الجماعة وهذا هو الطريق الاستبدادي الذي يجمع الباحثون على إنكاره واستنكاره لأنه اعتداء على حق الجماعة واغتصاب لسلطتها في التصرف في شؤونها...

والأمم في عصرنا الحاضر تحتار عادة من ينوبون عنها في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونها وهم «أهل الشورى» في الفقه الإسلامي «أو «المجلس النيابي» في لغة الدساتير الحديثة» وأول عمل لأهل الشورى هو اختيار حكومة أو رئيس للحكومة أو حاكم أو ولي للأمر ليقوم بمهمة تنفيذ قراراتها وغير ذلك مما يدخل في نطاق السلطة التنفيذية.

والحكومة «التي تمارس الاختصاصات التنفيذية» يجب عليها تنفيذ القرارات التي تصدرها الأمة في شؤونها العامة بواسطة أهل الشورى «أو المجلس النيابي» أي بطريق الشورى، كما أنها لا تستطيع أن تتخذ قرارًا في الموضوعات الأساسية في شؤون الأمة إلا بقرارات تصدر من الأمة بنفسها أو بواسطة نوابها «المجلس النيابي أو أهل الشورى».. القول بأن الشورى واجبة معناه أنه يتحتم الالتجاء إلى الجماعة نفسها أو نوابها «أهل الشورى» لاتخاذ القرارات العامة المتعلقة بشؤون الجماعة الهامة.

ويترتب على وجوب الشورى أن تكون القرارات الناتجة عنها ملزمة - ومعنى ذلك أنه يجب على الجميع حكامًا ومحكومين أن يلتزموا بتنفيذها كل في حدود اختصاصه فوجوب الشورى معناه أن الشورى واجبة ابتداء وقراراتها ملزمة انتهاء..

هذه هي الشورى بالمعنى الضيق - الذي يقصد به إصدار قرار جماعي تختص الجماعة «أو من ينوبون عنها» وحدها بإصداره..

لكن لا شك أن هناك إلى جانب تشاور الجماعة في شؤونها إجراء آخر مختلف هو الاستشارة -وهو أن يطلب من شخص «أو جهة ما» له خبرة أو اختصاص معين أن يقدم رأيًا لطالب الاستشارة- الذي يتقدم إليه طائعًا مختارًا -لأن الاستشارة إجراء اختياري غير واجب عليه- بل إنه عندما يقدم له المستشار «رأيه» لا يلتزم به - فهي غير ملزمة كما أنها غير واجبة.

فهناك إذًا فرق كبير بين هذه «الاستشارة» الاختيارية وبين الشورى التي لا يطلب منها رأي بل يطلب من الجماعة قرار جماعي -ولذلك فالشورى تصدر قرارًا ملزمًا- أما الاستشارة فتقدم رأيًا..

أن الشورى لا تصدر إلا من جماعة -أما الاستشارة فالأصل أنها تطلب من فرد معين- ولكن يمكن في بعض الأحيان أن تطلب من جهة أو هيئة ما - ولكن صدور الاستشارة من جماعة لا يعني أنها أصبحت شورى.

وإذا استعرضنا الآراء المتناقضة بشأن وجوب «الشورى» والالتزام بها نجد أنه يمكن إنهاء هذا الخلاف الذي ينشأ بسبب تجاهل الطرفين لهذه التفرقة بين الشورى والاستشارة..

أن الذين يصرون على مبدأ وجوب الشورى والتزام الحكام بها يقصدون الشورى في شؤون الجماعة، لكنهم ينسون أن شريعتنا تعني كذلك بالاستشارة وتندب لها وتعتبرها واجبًا دينيًا أخلاقيًا، وأن هذا الواجب الأخلاقي لا يقل أهمية في المجتمع عن واجب الشورى التي تقيد سلطة الحكام لأنه الأكثر شيوعًا في العمل وكتابنا المحدثون من هذا الفريق يبدون حماسًا كبيرًا لتأكيد مبدأ وجوب الشورى لضرورته للحد من استبداد الحكام وغلوهم وهي في نظرهم قاعدة دستورية تنظم علاقة الشعوب بحكامها، وطبيعي أن يدافعوا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف في شؤونها العامة ولا يكون ذلك إلا بوجوب عرض أمور الجماعة المشتركة على الشورى ووجوب الالتزام بالقرار الذي يصدر بالشورى.

أن القانونيين منهم يقيسون الشورى على «الديمقراطية» ويرون أنها لا تقل عنها في تقديس حقوق الشعوب وحماية حرياتها ولكنهم في غمرة حماسهم للدفاع عن مبدأ وجوب «شورى القرار» يهملون ميزة كبرى من مزايا شريعتنا وهي أنها تنبع من عقيدة دينية تفرض الاستشارة ديانة وخلقًا ليتربى الأفراد على تبادل المشورة وطلب النصيحة والاستماع الآراء الخبراء والمجربين والموثوق بهم من أهل الرأي - فلا يذكرون حكم الاستشارة أو «شورى الرأي» من حيث إنها قاعدة أخلاقية وأن كانت غير ملزمة من الناحية القانونية أو الدستورية «وبذلك يفتحون الباب للخلط بين الأمرين»..

أما الذين يعارضون مبدأ وجوب الشورى والالتزام بقراراتها فأنهم يتأثرون بعبارات المفسرين والمؤرخين وكتاب السيرة الذين لا يعنون بالتفرقة بين الشورى «التي يقعد بها الرسول على قرار من الجماعة» والاستشارة «التي يطلبها الأفراد في شؤونهم الخاصة، كما يطلبها الحكام في نطاق اختصاصاتهم بمقتضى ولايتهم للحكم وإذا قيل إنها واجبة فإن وجوبها أدبي وأخلاقي» في حين أن أغلب السوابق التي يذكرونها ويستشهدون بها تدخل ضمن نطاق الاستشارة - ويتجاهلون «الشورى الجماعية» الواجبة ابتداء والملزمة انتهاء وبذلك يخلطون فعلًا بين الأمرين ويسوون بين الشورى والاستشارة في عدم الوجوب.

والمعاصرون الذين يتبنون هذا الاتجاه يستشهدون بحالات الاستشارة المنسوبة للرسول ويتحصنون وراء عبارات المفسرين والمؤرخين الذين أشرنا إليهم وكلهم لا يعنى بفحص الحادثة التي يستشهدون بها ولا يلاحظون أنها في الحقيقة لم تكن سوى استشارة من الرسول أو الخليفة في أمر يدخل في اختصاص سلطته كنبي مرسل أوحى إليه، أو رئيس دولة أو قائد جيش.

أنني أعتقد بأن الوقت قد حان لوضع حد لهذا الجدل وهذا الغموض الذي يشوه صورة الشورى التي يتمسك بها من يدعون لتطبيق الشريعة الإسلامية -وقد دفعني لذلك ما قرأته للأستاذ الشيخ محمد الغزالي من هجوم عنيف في كتاباته المتعددة على القول بإن الشورى غير واجبة ولا ملزمة- وهو معذور في ذلك لأن هذا القول على إطلاقه يفهم منه أن الشريعة لا تعترف للأمة بحقها في اتخاذ القرارات المصيرية بالشورى - وتتركها فريسة للمستبدين الذين يفرضون آراءهم عليها..

وإذا كان أصحاب هذا الرأي يستندون إلى بعض السوابق التي تذكرها كتب السيرة أو التاريخ أو كتب التفسير والفقه - فأولى بهم أن يراجعوا هذه السوابق ليجدوا أنها حالات استشارة وليست من حالات الشورى، وأن هناك سوابق مؤكدة تؤيد وجوب الشورى وإلزامها في بعض الموضوعات..

لقد استشهد المعارضون في وجوب الشورى بحوادث يدعون أن الخلفاء الراشدين لم يلتزموا فيها بالشورى وكان أولى بهم أن يقولوا إن هذه كانت حالات استشارة فقط لأن الموضوع التي قدمت لهم فيه المشورة كان من اختصاص ولي الأمر ولم يكن من اختصاص الجماعة ولكن كان عليهم أيضًا أن يؤكدوا أن هناك موضوعات محددة لا يختص أحد بإصدار القرار فيها سوى الجماعة ولا يمكن أن تتخذ فيها الجماعة قرارًا إلا بالشورى «التي تؤدي إلى قرار إجماعي أو بأغلبية» ولا يمكن صدور قرار شرعي بدون هذه الشورى ومعنى ذلك أن الشورى واجبة وأن القرار الناتج عنها ملزم دائمًا للجميع «سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية».

ويكفي أن تذكر من هذه الحالات ما يأتي:

1 - اختيار الخليفة أو ولي الأمر: فاختيار أبي بكر مثلًا إنما تم بالشورى ولم يكن يمكن أن يصبح أبو بكر خليفة شرعيًا إلا بموافقة الجماعة وصدور قرار منها مبايعته «بالإجماع أو بالأغلبية» وبدون هذه الشورى الواجبة والملزمة لا يكون قرار تعيين أبي بكر شرعيًا.

ونريد أن نسمع ممن يدعون بعدم الالتزام بالشورى ردهم على ذلك.

2 - حق أهل الحل والعقد عند تولية الخليفة أو الإمام أو ولي الأمر في تقييد سلطته بقيود المصلحة الجماعة.

القاعدة في الفقه والقانون أن من يملك الكل يملك الجزء فإذا كانت الجماعة «أو أهل الشورى الذين يمثلونها أو ينوبون عنها» هم الذين يمنحون الولاية للخليفة أو ولي الأمر بقرارهم الملزم لهم وله فإن لهم من باب أولى أن يشترطوا عليه شروطًا معينة يلتزم بها في ممارسة ولايته.

والدليل على ذلك هو ما حدث في تولية الخليفة الأول أبو بكر الصديق فقد أشار في خطبته التي قبل بها البيعة إلى التزامه بالكتاب والسنة حيث قال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ويفهم من هذا أنه كان مفهومًا أن أهل الشورى بايعوه على هذا الشرط وأنه إذا خالفه يكون قد خرج عن حدود البيعة التي أعطوها له ولذلك فأنه قد أضاف قوله «فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».

3 - أن لأهل الشورى الحق في أن يشترطوا لأنفسهم حق الإشراف على أعمال ولي الأمر ومحاسبته عليها ويؤيدوه فيما كان صوابًا ويؤاخذونه فيما يرونه خطأ وهذا ما صرح بقبوله الخليفة أبو بكر «أني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أصبت فأعينوني وأن أخطأت فقوموني ولا يكون التقويم إلا بعد ثبوت الخطأ نتيجة محاسبة ومراجعة فهو قد قبل منهم ما اشترطوه من أن يحاسبوه على أخطائه ويؤاخذوه إذا ثبت لهم الخطأ «ولو كان هذا الاشتراط ضمنيًا» وقد تأكد هذا عندما رد أحد المسلمين على الخليفة عمر بن الخطاب بقوله «والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا» يتضح من ذلك أن حق أهل الشورى في مراقبة أعمال الخليفة ومحاسبته عليها ومؤاخذته على خطأه وتقويم انحرافه واعوجاجه كان مفهومًا ومتفقًا عليه بين أهل الشورى وبين من اختاروه خليفة عند مبايعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

4 - أن مبدأ حق أهل الشورى في إضافة أي شرط يرونه لازم المصلحة الأمة عند اختيارهم الخليفة «وحق المرشح للخلافة في قبول هذا الشرط أو رفضه» وحقهم في حجب ترشيحه أو مبايعته إذا رفض شروطهم ثابت من سابقة تاريخية معروفة إذا روى أن عبد الرحمن بن عوف «الذي كان ينوب عن أهل الشورى في اختيار المرشح للخلافة من بين الستة الذين زكاهم الخليفة عمر بن الخطاب قبل استشهاده» عرض على سيدنا على بن ابي طالب أن يقبل الخلافة بشرط أن يلتزم بما قرره الشيخان «أبو بكر وعمر» قبله من اجتهادات ولكنه رفض هذا الشرط وبالتالي، فقد عدلوا عن ترشيحه واختاروا عثمان ابن عفان لأنه تعهد بقبول هذا الشرط..

هناك إذًا حقيقة مؤكدة، وهي أن الشورى في هذه الحالات واجبة وملزمة ولا مناص منها لاختيار أمام المسلمين وولي أمرهم بقرار يصدر عن الجماعة نفسها أو أهل الشورى الذين يمثلونها، ولتحديد الشروط التي تعرض على المرشح لكي يلتزم بها المرشح قبل مبايعته -وهذه الشروط تختلف بحسب ظروف تحددها الجماعة أو من ينوبون عنها وهم أهل الشورى» بقرارات ملزمة لهم ولمن بايعهم- ومجموعة هذه الشروط تكون ما يسمى الآن بالدستور الذي يقسم من يتولى الحكم على الالتزام به والمحافظة على ما فيه من مبادئ..

الخلاصة أن وجود حالات للاستشارة غير الملزمة وغير الواجبة ليس معناه أنه لا توجد حالات تكون فيها الشورى واجبة وملزمة -كما أن نطاق هذه الحالات التي يلتزم فيها ولي الأمر بالرجوع إلى أهل الشورى والالتزام بقرارهم يتسع أو يضيق حسبما يراه أهل الشورى أنفسهم ويقبله من بايعوه- ولا شك أنه إذا كان من اختاروه في مستوى أبي بكر وعمر والخلفاء الراشدين من حيث التقوى والنزاهة والصفات الكريمة فإن أهل الشورى يكتفون بقيود محددة على سلطته أما إذا كان من أهل زماننا فإن من حقهم أن يزيدوا في هذه القيود حتى تصل إلى المئات كما تشهد بذلك الدساتير «الحديثة»..

أن الجهد الذي بذله كل من كتب دفاعًا عن مبدأ مطلق بعدم وجوب الشورى -أو مبدأ مطلق بوجوب الشورى- هو في نظري جهد ضائع، ولم يكن له فائدة، والأولى في نظري أن يتفق الجميع على أن هناك شورى ملزمة وواجبة في حالات معينة - وهناك استشارة غير واجبة ولا ملزمة في حالات أخرى.

بعد ذلك نرجو أن يتجه الجميع للحوار حول موضوعين: الأول: ما هي الحالات التي تكون فيها الشورى بالمعنى الضيق واجبة ملزمة -والحالات المتروكة للاستشارة الاختيارية- وهي أكثر بلا شك.

الثاني: هو ما إذا كان الحد الفاصل بين هذين النوعين ثابتًا بالكتاب والسنة -أم أنه متروك لإرادة الأمة وهي التي ترسمه بميثاق يصدر بالشورى «وهو ما يسمى في العصر الحاضر بالدستور وبذلك تراعى فيه اختلافات ظروف الزمان والمكان- وتتضح ملامح النظام الدستوري في الإسلام الذي يضمن حرية الأمة وحقوقها الثابتة في ممارسة الشورى الواجبة الملزمة الجميع أفرادها بمن فيهم من يتولون مسؤولية التنفيذ والحكم - مع التوسع في ممارسة الاستشارة الاختيارية التي تندب لها الشريعة وتجعلها من أسس التضامن والتعاون في المجتمع.

وهناك موضوع ثالث أرجو أن يكون محل بحث آخر إن شاء الله.

الرابط المختصر :