; ملف العدد (2) العنصرية في الغرب قوانين براقة وواقع مرير | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد (2) العنصرية في الغرب قوانين براقة وواقع مرير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2020

مشاهدات 64

نشر في العدد 2145

نشر في الصفحة 28

الأربعاء 01-يوليو-2020

عنصرية اللون والمال بالولايات المتحدة الأمريكية.. رؤية إسلامية

ما يحدث بأمريكا يفضح عورة الذين يتغنون بالحرية ويغذون العنصرية ثم يتهمون الإسلام ليلاً ونهاراً بالإرهاب

عنصرية المال التي بدت بأزمة «فلويد» لا مكان لها في الإسلام الذي يرسخ للدرجية لا الطبقية

الإسلام شرع آلية الإرث التي تعيد توزيع الدخول والثروات المكتسبة خلال دورة الحياة على أساس درجة القرابة

النظام الرأسمالي تسبب في تأجيج نار الصراع الطبقي وإشاعة الكراهية في النفوس المعسرة والمحرومة

د. أشرف دوابه

في القرن الحادي والعشرين الذي ما زالت ترفع فيه الدول الغربية شعارات الحرية والإخاء والمساواة، يعيش العالم هذه الأيام على وقع العنصرية البغيضة التي أبرزها أمام العالم مقتل الشاب الأمريكي الأسود من أصول أفريقية «جورج فلويد» في مدينة مينيابوليس الأمريكية، بعد ضغط ضابط شرطة بركبته على رقبته، وهو يستغيث أن يتركه يتنفس، ولكنه لم يتركه إلا جثة هامدة. 

جاءت جريمة مقتل «فلويد» بعد 3 أشهر من مقتل شاب أسود آخر وهو «أحمد أربيري» في ولاية جورجيا، أثناء ممارسته رياضة الجري، على يد رجل وابنه من ذوي البشرة البيضاء، وقد دفع مقتل «جورج فلويد» إلى اندلاع احتجاجات كبيرة في أنحاء الولايات المتحدة، ترفع شعار «حياة السود مهمة»، وخرجت بعض تلك الاحتجاجات عن جانب السلم إلى العنف، وأصبحت تهدد عرش الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، حتى وظَّف الإنجيل في الوقوف ضدها، ولكن لم يزد تصرفه هذا إلا استهجاناً، كما انتشرت المظاهرات في العديد من دول العالم التي تندد بالعنصرية، ولم ينطفئ لهيب الاحتجاجات حتى اشتعلت نار التظاهرات بصورة أكبر بعد التمادي في قتل آخرين من السود.

إن هذه العنصرية البغيضة لم تكشف عن عنصرية الجنس البشري واللون فحسب، بل كشفت كذلك عن توحش النظام الرأسمالي الذي يزيد الغني غنى والفقير فقراً، ويقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة غارقة لا تجد قوت يومها، وطبقة طافية مترفة، حتى وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة نحو 12%، وارتفع معدل البطالة إلى 13.7%، في أبريل الماضي، وقد بدا واضحاً رد الفعل على الطبقية التي هي نتاج العنصرية المالية البغيضة من خلال السلب والنهب بصفة خاصة للمتاجر ذات الماركات العالمية المشهورة.

إن ما يحدث بأمريكا يكشف بوضوح عن عورة الذين يتغنون بالحرية ويغذون العنصرية، وفي مقدمتهم الرئيس الحالي «دونالد ترمب»، وفي الوقت نفسه يتهمون الإسلام ليلاً ونهاراً خفية وجهاراً بالإرهاب، هذا الدين الخالد الذي حارب العنصرية ووصفها بـ «المُنْتِنة»، وأقرَّ للبشر جميعاً التكريم والتسخير والرزق والتفضيل دون تمييز في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، وحينما أقرَّ التمييز لم يجعله على أساس الجنس أو اللون أو اللغة أو المال، ولكن بمعيار التقوى، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13). 

فالله تعالى هو من خلق الأبيض والأسود، ولا ينبغي أن يحاسَب إنسان على لونه، فهو ليس من اختياره، ومعيار التفرقة يكون بشيء مرتبط بسعي البشر وإرادتهم وهو التقوى، وفي الحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، كما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قاولت رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا ابن السوداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، طف الصاع طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل».

وعنصرية المال التي بدت نواجذها واضحة في أزمة «فلويد» بأمريكا من خلال التفاوت الطبقي الكبير، وفقدان التراحم بين أبناء المجتمع، لا مكان فيها للإسلام الذي يرسخ للدرجية لا الطبقية، وفتح مجال التراحم ومعالجة التفاوت الطبقي من خلال إعادة التوزيع.

فالله تعالى جعل الناس درجات وليس طبقات، وسخر بعضهم لبعض وفق تخصصاتهم، فكل منهم يحتاج للآخر ولا يستغني عنه، يقول تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32). 

يقول صاحب «الظلال» في هذه الآية: «ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع، وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها، تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها، ولكن السمة الباقية فيه، التي لم تتخلف أبداً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع أنه متفاوت بين الأفراد، وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم، ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً، ولم يقع يوماً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً.

والحكمة في هذا التفاوت في جميع العصور وجميع البيئات ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتماً، وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد.. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.

إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف، لمقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق، والعكس كذلك صحيح، فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك، وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء، والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل، والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل، وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء، وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق». 

العدالة في الإسلام

لقد حرص الإسلام على تحقيق العدالة والتوازن في التوزيع للدخل والثروة؛ ففتح المجال أمام الملكية الفردية من خلال توظيف ما يملكه الإنسان من مهارات، والعمل بصورة نظيفة لا غش فيها ولا احتكار ولا ربا ولا قمار ولا أكل للمال بالباطل على العموم وفتح الباب للكفايات، وتقسيم العمل بين الناس على أساس التخصص وتبادل المنافع. 

وفي الوقت نفسه؛ شرع آليات تتولى إعادة توزيع الدخل والثروة، من أبرزها آلية الإرث التي تعيد توزيع الدخول والثروات المكتسبة خلال دورة الحياة على أساس درجة القرابة، والشارع الحكيم وهو يتوخى توزيع الميراث على مستحقيه توزيعاً عادلاً -لا يشوبه حيف ولا يعتريه ظلم- أخذ في الاعتبار بمعيار الحاجة كأساس للتفاضل في التوزيع وليس عنصرية النوع، فكلما كانت الحاجة إلى المال أشد كان النصيب أكبر، ولعل هذا هو السر في كون «للذكر مثل حظ الأنثيين» في بعض حالات الميراث؛ لما يتحمله من تكاليف مالية في مقدمتها المهر والنفقة؛ فالعطاء على قدر الحاجة هو العدل، والمساواة عن تفاوت مقدار الحاجة هو الظلم.

كما شرع الإسلام الزكاة على الدخول والثروات بشرائطها، وهو ما يحقق إعادة تلقائية في توزيع الدخول في المجتمع، وفي الظروف الاستثنائية يتدخل الشرع لحماية الفقراء من الحاجة وحماية الأغنياء من الطغيان، قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7)، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إعادة توزيع الدخول بالمال الذي أفاء الله به عليه حينما ظهر على بني النضير، حيث قسمه بين المهاجرين، ولم يعطِ أحداً من الأنصار منه شيئاً إلا رجلين كانا فقيرين.

كما فطن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى العدالة الحالية والمستقبلية في التوزيع فيما يتعلق بأرض السواد في العراق وغيرها، حيث نظر فوجد أن الأراضي المفتوحة تبلغ ملايين الأفدنة، فإذا قام بتقسيمها بين الفاتحين فقط وهم ألوف معدودة تضخمت الملكية في أيدي أفراد قلائل، ولم يجد من بعدهم شيئاً، فأبقى الأرض في يد أهلها وأخذ منهم خراجاً للمسلمين كافة وأجيالهم القادمة، وبذلك رسخ لمفهوم «التنمية المستدامة» قبل أن تعرفها الأمم المتحدة بمئات السنين.

إن إعادة توزيع الدخل والثروة في الإسلام يتجاوز النظام الرأسمالي وعنصريته المالية الذي لا يسمح باستحقاق الثروة أو الدخل المتولد في الاقتصاد إلا لعناصر الإنتاج التي شاركت فيه؛ لأنه يؤمن بأن قوى السوق هي المعيار الوحيد للتوزيع بين الفئات المختلفة، حتى أصبحت الثمرة المرة والنكدة التي أفرزها هذا النظام هي تأجيج نار الصراع الطبقي وإشاعة الكراهية والبغضاء في النفوس المعسرة أو المحرومة من الإنفاق أو من سعة في المال التي أقعدتها ظروف البطالة أو الفقر عن المشاركة في النشاط الاقتصادي، ومن ثم لم تستطع إشباع حاجاتها الضرورية أو أن تنال شيئاً مما يوزع من خلال آلية السوق، التي لا تلبي إلا الطلب المدعوم بالقوة الشرائية الذي يفتقد في حقيقته للمنافسة الشريفة ويتحكم فيه الرأسماليون الكبار.

العنصرية.. قراءة نقدية في الأصول الفكرية

الاختلافات الوراثية لا ينتج عنها تمايزات تشير إلى الرقي أو الانحطاط وإنما تنتج تمايزاً في الثقافات

بعض النظريات الغربية ترى أن الإنسان لا يستطيع خدمة المبادئ ما دامت الحاجات الطبيعية يصاحبها خلل الإشباع

«هيجل»: السمة البارزة للحياة الزنجية أن الوعي لم يبلغ بعد مرحلة التحقيق الفعلي لأي وجود موضوعي

«هيجل» يصنف الرجل الأفريقي على أنه خارج الإنسانية ولا يستحق الوصف بها ويراه كائناً ذا مخاطر على الحضارة!

د. حسان عبدالله حسان

أستاذ أصول التربية– جامعة دمياط

رغم أن الصياغة الفكرية والفنية لمفهوم «العنصرية» تبدو حديثة؛ حيث ظهر الاهتمام بهذا المفهوم منذ صياغة مبادئ حقوق الإنسان في صيغتها المعاصرة، فإن واقع «العنصرية» ومبناها يبدوان قديمين قدم الإنسان على الأرض وحرفه عن منهج الله تعالى، أو منهج «النفس الواحدة».

لقد أعاد مقتل «جورج فلويد» الأمريكي من أصول أفريقية كوامن هذا المفهوم في النفس الغربية المعاصرة، والرغبة الجامحة في مواجهته من قبل جماعات وقطاعات عانت من أحد وجوهه أو من وجوهه كلها.

ونتناول في هذه المقالة المباني الفكرية التي قام عليها هذا المفهوم ومكنوناته في النفس الغربية.

يستند مفهوم «العنصرية» إلى مجموعة من المبادئ الفكرية التي قام عليها، من أهمها:

1- الشعور بالتفوق (الجنسي، العرقي، الطبيعي..) لدى مجموعة من الناس (فئة، جماعة، مجتمع، شعب، أمة)، نحو جنس آخر أو فئة أو جماعة أو مجتمع.

2- الاستناد إلى معتقدات خاطئة تم صياغتها في صورة علمية، مثل أن اختلاف الجوانب التشريحية والوراثية لبعض الفئات يجعل لها تميزاً، عند قطاع أو فئة من البشر، أو انحطاطاً وتخلفاً عند فئة أخرى.

3- النظر المتدني لقطاعات من البشر لأسباب بيئية (لون البشرة)، أو أسباب اقتصادية (الفقر)، أو أسباب حضارية (التخلف الحضاري)، أو أسباب دينية (المخالفة الاعتقادية).

العنصرية في القاموس الغربي:

يعود مفهوم «العنصرية» في جذوره إلى كلمة «عرق، جنس»، وظهرت هذه الكلمة في اللغات الأوروبية في القرن السادس عشر للميلاد، للإشارة إلى وجود مجموعة من البشر يمكن إرجاع خصائصهم المتشابهة إلى أصل سلالي مشترك، وظهرت في الكتابات الأوروبية إشارات متعددة إلى الفروق بين العرق الأوروبي، وكل من الأعراق والأجناس الأفريقية أو الآسيوية وغيرهما(1). 

 من ناحية أخرى، استخدمت كلمة «العنصرية» في الكتابات السياسية الأوروبية ذات الاتجاه العنصري، لتأكيد وجود أنواع من البشر تتفاوت من حيث ارتقاء خصائصها العقلية والسلوكية بسبب خصائص تشريحية متمايزة، وذلك رغم تكذيب تطورات علم الوراثة والتشريح لهذا المعتقد الخاطئ؛ فالاختلافات التشريحية والوراثية لا ينتج عنها تمايزات تشير إلى الرقي أو الانحطاط، وإنما تنتج تمايزاً في الثقافات(2).

«هيجل».. والتأسيس الفلسفي للعنصرية:

من أبرز الفلاسفة الذين قاموا بالتنظير لمفهوم «العنصرية» في الغرب، واتخذ مواقف عنصرية مبكرة نحو الآخر، ما قدمه الفيلسوف الألماني «هيجل» (1770 – 1831م)؛ حيث كتب تحت عنوان «الأساس الجغرافي لتاريخ العالم» مستبعداً قطاعاً كبيراً من البشر رآه، حسب تصنيفه، أنه لا يمتلك مؤهلات «الإنسانية» التي تجعله مؤهلاً بالتبعية لصنع تاريخ العالم، والإسهام في حركته! ورد التاريخ وحركته وحضارته إلى أوروبا التي تمتلك من الناحية الجغرافية، بحسب وجهة نظره، كل عناصر الجغرافيا الحضارية والتاريخية.

استند «هيجل» في هذه الرؤية العنصرية إلى ما أسماه بالروح الطبيعية؛ أي العلاقة مع الطبيعة، فالعلاقة مع الطبيعة تساعد على إنتاج روح شعب ما، والمبدأ الخاص الذي يجسده كل شعب من شعوب التاريخ يكون بمثابة خاصية طبيعية له(3).

في ضوء هذا المبدأ، فإنه بحسب التصنيف الجغرافي للعالم، يمكن تحديد خارطة للإنسان صانع التاريخ، والإنسان الذي لا تمنحه الطبيعة تلك القدرة، فيتخلف عن المشاركة، ومن ثم لا ينضم إلى الإنسانية الفاعلة في حركة التاريخ، ففي المنطقة المتجمدة والمنطقة الحارة لا يوجد الموقع المحلي المناسب لظهور شعوب التاريخ العالمي؛ وذلك لأن الوعي المستيقظ يظهر محفوفاً بالمؤثرات الطبيعية، وكل تقدم له انعكاس الروح على نفسها في مقابل الطبيعة مباشرة، فالمناطق المتطرفة (التجمد، والحرارة الشديدة) لا يستطيع الإنسان أن يكون حراً في حركته، فالبرد والحر في تلك المناطق من القوة بحيث لا يسمحان للروح أن تقيم عالماً لذاتها(4).

يعتمد «هيجل» في طرحه لهذه المبدئية على مقولة «أرسطو»: «حينما تشبع الحاجات الملحة، ينتقل الإنسان إلى طلب الأمور الرفيعة ذات الطابع العام»، والحقيقة رغم جدارة هذه المقولة وضرورتها الإنسانية، فإنها ترافق بين الإنسان وجانب من الحيوانية، حيث تشير إلى أن الإنسان لا يستطيع خدمة المبادئ ما دامت الحاجات الطبيعية يصاحبها خلل الإشباع، ولا شك أن مبادئ التضحية بالنفس، على سبيل المثال، التي شهدها التاريخ الإنساني، وما زال، من أجل المعتقد أو الوطن أو غير ذلك من المبادئ الرفيعة لدى شعوب الأرض المستعمرة، تدحض هذا المبدأ وتؤكد تهافته.

يصر «هيجل» متغافلاً عن حقيقة أن القيم الإنسانية تعلو لدى الإنسان عن الحاجات الطبيعية –وهو ما أثبته التاريخ في كثير من التجارب والشواهد- ويذكر بأن «الإلحاح والضغط الشديدين في المناطق المتطرفة لا تخف وطأته ولا يمكن تجنبه، ويضطر الإنسان أن يوجه اهتماماً مباشراً إلى الطبيعة، إلى أشعة الشمس المتقدة، أو إلى الجليد المتجمد، وعلى ذلك؛ فإن مسرح التاريخ الحقيقي هو المنطقة المعتدلة أو بالأحرى النصف الشمالي منها»(5). 

«هيجل».. والرجل الأفريقي:

ينحو «هيجل» في نظرته «العنصرية»، وتأسيسه لهذا المفهوم منحى الرجل الأفريقي الذي يراه –طبقاً لتصوراته المتهافتة عن الأساس التاريخي للعالم- بأنه لا يستطيع في ذاته الإسهام في حركة التاريخ، بل هو ممن يستهلك الحضارة، بل ويدمرها.

يقول «هيجل» عن الرجل الأفريقي: «إن السمة البارزة للحياة الزنجية هي أن الوعي لم يبلغ بعد مرحلة التحقيق الفعلي لأي وجود موضوعي جوهري مثل الله، أو القانون، اللذين يرتبط بهما مصحة الإنسان، وفيهما يحقق وجوده العيني الموحد، الذي يتسم بالبساطة والتخلف، لم يبلغ الزنجي بعد تلك المرحلة التي يميز فيها بين ذاته بوصفه فرداً، وكلية وجوده الجوهري؛ بحيث إنه يفتقر تماماً إلى معرفة أن هناك وجوداً مطلقاً أعلى من وجوده الفردي، فالرجل الزنجي يمثل الإنسان الطبيعي في حالته الهمجية غير المروضة تماماً، وإذا أردنا أن نضع جانباً كل فكرة عن التبجيل والأخلاق وكل ما نسميه شعوراً أو وجداناً؛ فلا شيء مما يتفق مع الإنسانية يمكن أن نجده في هذا النمط من الشخصية»(6).

هكذا يصنف «هيجل» الرجل الأفريقي على أنه خارج الإنسانية، ولا يستحق الوصف بها، بل هو كائن ذو مخاطر على الحضارة، إما أن يتم ترويضه، أو سيلحق الضرر بالإنسانية، ومن هنا فتح «هيجل» الطريق أمام حركة الاستعمار لترويض هذا الأفريقي واستغلاله باستعباده للإنسانية البيضاء (أوروبا)، على حد وصفه وقناعته الذاتية المنحازة والمتهافتة. 

إن الأحكام التي بنى عليها «هيجل» رؤيته العنصرية لم تكن نتيجة لشواهد أو تجارب مع الرجل الأفريقي، وإنما كما يذكر أنه اعتمد في ذلك على روايات المبشرين في أفريقيا، رغم ما هو معروف من عداء بين حركة المبشرين والثقافة الأفريقية التي جعلت مهمتهم صعبة وفي حالة عدائية مع الشعوب الأفريقية، إلا أنها سكنت العقل الأوروبي وانتقلت معه إلى أمريكا الجديدة.

تهافت «هيجل» ذاتياً:

يستمر «هيجل» في تهافته، في عنصريته نحو الرجل الأفريقي، فيصفه بأنه يحتقر الحياة ولا يأبه بها؛ لذلك فهو يقاوم المستعمر بحياته التي يفقد معناها! ويذكر في ذلك قوله: «إن السمة التي يتميز بها الزنجي في احتقار الإنسانية ليست هي ازدراء الموت، بقدر ما هي الافتقار إلى احترام الحياة، وينبغي أن نعزو الشجاعة العظيمة التي نجدها عندهم إلى سمة افتقارهم لاحترام هذه الحياة، وهذه الشجاعة تظهر عند أولئك الزنوج الذين كان الآلاف منهم يتعرضون للموت برصاص الأوروبيين وهم يقاتلونهم»!

إن قول «هيجل» هذا يدحض نفسه، ففي حين يرى أن القيم العليا لا توجد عن الزنوج، فإنه يتجاهل قيمة التضحية بالنفس ضد المستعمِر، وقيمة الوطن التي تساوي الحياة أو أكثر، وقيمة الحرية التي هي أكثر رفعة من حياة العبودية، وهذه كلها تمثلت في مقاومة الأفريقي للمستعمر، بيد أن «هيجل» كان عليه أن يرى أن الأوروبيين (المستعمرين) هم الذين يحتقرون حياة الإنسان، ولا يأبهون بحريتهم، ولا بقيمة الوطن والشرف، وراحوا يقتلون الإنسان المستعمَر بكل وحشية وبلا ذنب، فمن الذي توارت عنده القيم العليا؛ القاتل أم المقتول؟! المستعمِر أم المستعمَر الذي اتخذ من قيمة المقاومة والحرية أملاً في استقلال وطنه؟

الهوامش

(1) سامي خشبة: مصطلحات فكرية، ص 384.

(2) المرجع نفسه، ص 385.

(3) هيجل: العقل في التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق: إمام عبدالفتاح إمام، ص 157.

(4) المرجع نفسه، ص 158.

(5) المرجع نفسه، ص 158.

(6) المرجع نفسه، ص 179.

كيف عامل المسلمون العبيد؟ 

شذرات من مؤلفات الرحالة الغربيين

الأوروبيون ظلوا حتى وقت قريب ينظرون للأعراق الأخرى نظرة دونية ويتجادلون إن كان بعض الناس بشراً أم لا!

في عصر الاحتلال الأوروبي للعالم قدم علماؤه خدماتهم للساسة في شرعنة احتلال الشعوب

بيجوفتش: السمو الإنساني لم يكن من المستطاع اكتشافه بواسطة علم الأحياء أو علم النفس أو بأي علم آخر

داوتي: العبيد بالجزيرة العربية ينشؤون باعتبارهم إخواناً فقراء لأبناء الأسرة وهو نوعٌ من مكافأة الرب لعائل الأسرة المسلم

المتأمل بأحوال العبيد في تاريخنا الإسلامي سيجد أنها كانت أفضل من حال السجين بالسجون المعاصرة!

محمد إلهامي 

باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية

إذا كنتَ تائهاً في بعض الأدغال أو الصحاري فليس من نعمة أغلى عندك وأثمن من أن تجد لافتة بائسة تدلك على الاتجاه! هذه اللافتة وحدها هي الهداية والإنقاذ من التيه والنجدة من الضلال، فإذا وجدتَ مع ذلك متطوعاً كبير الوقت يعرض عليك المساعدة فأنت الآن في ذروة النعيم، ولعلك تريد أن تبذل له بعض عمرك وأيامك نظير هذا الإنقاذ من الحيرة والضلال!

لا بد أنك مررت بمثل هذا الموقف أو بشيء شبيه منه، يمكنك أن تستعيد هذه المشاعر، فإنما هذا مَثَل الكتاب ومَثَل الرسول! إن الآية الواحدة تعصمك من التيه عقوداً وقروناً حين تكشف لك الحق، ولولاها لهلكت الأعمار والعقول والأجيال قبل أن تصل إلى الحق وربما لا تصل! وإن الرسول الذي شرح الآية وبذل حياته في محاولة الهداية وتقديم القدوة والأسوة يوفر عليك مثل هذا في الوصول للفهم الصحيح للآية وتطبيقها.

لقد ظلت أوروبا حتى وقت قريب تنظر للأعراق الأخرى نظرة دونية، ويتجادل علماؤها وفلاسفتها فيما إن كان بعض الناس بشراً أم أنهم ليسوا كذلك، وإذا وقع الاتفاق على أنهم بشر فهل هم في نفس المرتبة مع الأوروبيين، أم أنهم في مرتبة أدنى ويحتاجون بالضرورة إلى الأوروبي ليقوم بمهمة تحضيرهم واستعمالهم! وهذا نقاش قديم اشترك فيه طابور طويل من الفلاسفة والقساوسة والمنظرين والسياسيين منذ أفلاطون، وأرسطو، مروراً بجون لوك، وجوبينو، ولا يزال يتجدد في أيامنا هذه مع صعود اليمين ونظريات العرق الأبيض.

وفي عصر الاحتلال الأوروبي للعالم، الذي هو عصر النزعة العلمية (العلموية)، قدمت هذه العلوم خدماتها للساسة في تبرير وشرعنة احتلال الشعوب، بإنتاجها نظريات التفوق الطبيعي للأوروبي الأبيض ونظريات التدني والانحطاط الأصيل لبقية الشعوب، وهذا مجال واسع اشترك فيه طابور طويل من علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والمستشرقين، مثل صمويل مورتون، وكارل فون ليناس.

ولا يمكن الحديث هنا عن نظريات علمية مجردة، أو آراء موضوعية ناتجة عن مجرد التأمل والتفكير والبحث، بل إن الغرائز والشهوات والأطماع والمصالح السياسية والاقتصادية تضغط على الإنسان وتشكل أفكاره وتؤثر في نظرياته، إن الأمر يؤول في النهاية إلى «اتباع الهوى» وأخلاق الشح والأثرة والظلم والاستبداد، ولكن هذه الدوافع تتزين بالنظريات العلمية والآراء الفلسفية.

هنا تبدو القيمة العليا والنعمة العظمى بوجود نص إلهي مقدس يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، وبوجود رسول يقول: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح»، ثم إن هذا الرسول قضى حياته لترسيخ هذه المعاني حتى صار القرشي عمر بن الخطاب يقول عن الأسود الحبشي بلال: «سيدنا»! 

ولهذا فلم تتطور نظريات وبحوث المسلمين –من مؤرخين وأدباء ورحالة- نحو العنصرية التي تحطّ من إنسانية الأقوام الآخرين، غاية ما هنالك أن يوجد من حاول تفسير بعض الظواهر الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية من خلال اللون والبيئة والمناخ والحجم، بينما لم يكن ثمة من نزع عنهم الإنسانية أو رآهم في مرتبة أقل من البشر أو في مرحلة مما قبل التاريخ، بل شهد التاريخ الإسلامي صعوداً قوياً لطبقات العبيد الذين أُسِروا إلى مراتب السياسة والجيش، منذ العصر الثاني للدولة العباسية مروراً بالمماليك والانكشارية، فضلاً عن صعودهم بما حققوه في العلم والعبادة، حتى انتشر ذكرهم حتى في كتب الزهد والرقائق.

لولا وجود هداية النص وهداية القدوة لما وصلنا إلى ترسخ معنى المساواة بين الناس، إذ مهما اجتهد بعض الفلاسفة والمنظرين والمفكرين في إثبات أن البشر جميعاً متساوون في الإنسانية، فإن هذا لن يعدو أن يكون قولاً ضمن أقوال، ورأياً ضمن آراء، حتى لو سُجِّل في حقبة ما ضمن وثائق عالمية لا تساوي –عملياً- ثمن الحبر الذي كتبت به! بغير وجود النص المقدس والعقيدة الدينية التي تأمر بالمساواة وتحرص عليها لن يكون ثمة عاصم من انزلاق الفكر إلى الآراء والنظريات البغيضة التي تجيز استعباد الإنسان والحط منه!

وفي هذا المعنى يقول الرئيس المجاهد علي عزت بيجوفيتش، رحمه الله: «إن المساواة والإخاء بين الناس ممكن فقط إذا كان الإنسان مخلوقاً لله، فالمساواة الإنسانية خصوصية أخلاقية وليست حقيقة (مادية)، إن وجودها قائم باعتبارها صفة أخلاقية للإنسان، كسمو إنساني أو كقيمة مساوية للشخصية الإنسانية، وفي مقابل ذلك إذا نظرنا إلى الناس من الناحية المادية فالناس غير متساوين.. فطالما حذفنا المدخل الديني من حسابنا سرعان ما يمتلئ المكان بأشكال من اللامساواة؛ عرقياً وقومياً واجتماعياً وسياسياً، إن السمو الإنساني لم يكن من المستطاع اكتشافه بواسطة علم الأحياء أو علم النفس أو بأي علم آخر»(1)؛ ولهذا فقد لاحظ المستشرق الفرنسي الشهير جوستاف لوبون «أن العرب يتصفون بروح المساواة المطلقة وفقاً لنظمهم السياسية، وأن مبدأ المساواة الذي أعلن في أوروبا قولاً لا فعلاً راسخ في طبائع الشرع (الإسلامي) رسوخاً تاماً، وأنه لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدى وجودها إلى أعنف الثورات في الغرب ولا يزال يؤدي»(2).

يفتح موضوع العنصرية نقاشات طويلة، فللكاتب أن يفرد حديثه عن عظمة الإسلام في التعامل مع الأقوام المفتوحة، أو عن عظمة الفقه الإسلامي في التعامل مع حقوق العبيد والأرقاء، أو عن تاريخ العبودية وجرائم الاحتلال الغربي في أفريقيا لأربعة قرون على الأقل، أو حتى عن أوضاع السود والملونين في أمريكا حتى الآن، إلا أن ثمة باباً في هذا الموضوع لا يزال لم يُفتح بعد، وذلك هو ما تواتر وتكاثر في روايات غير المسلمين –من المستشرقين والمؤرخين والرحالة الأجانب- عن تعامل المسلمين مع عبيدهم وأرقائهم، فقد أنتج هؤلاء في القرون الثلاثة الماضية كثيراً من المؤلفات والتقارير التي مهدت لمرحلة الاحتلال ورافقتها ولا تزال مستمرة حتى الآن، وقد سجَّل كثيرٌ من هذه المؤلفات أحوال البلاد العربية والإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمنها ما كان تشويهياً، ومنها ما كان منصفاً، ومنها ما كان واقعياً، ومنها ما زادت فيه جرعة الخيال، إلا أنها في كل الأحوال مصادر تاريخية لا غنى عنها، ثم إنها تتميز في موضوعنا هذا بكونها شهادة «شاهد من أهلها»، فهي بيان وحجة على لسان أعدائنا لتاريخنا العظيم الذي هو شعبة من تفسير قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، وقول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110).

سنحاول في هذه السطور القادمة التقاط شذرات بسيطة من مناطق متفرقة، على سبيل فتح الباب أو حتى فتح الشهية، لعل باحثاً يتفرغ له فيخرج منه بسفر عظيم.

تركيا:

أفرد المستشرق البريطاني الشهير توماس أرنولد فصلاً عن تحول العبيد المسيحيين إلى الإسلام في العهد العثماني، وذلك في دراسته الشهيرة الضافية «الدعوة إلى الإسلام»، وكانت مادة هذا الفصل خليطاً من الأقوال والتحليلات التي تحاول تفسير لماذا اندفع العبيد النصارى إلى اعتناق الإسلام، فالأمر المؤكد أن الذين اعتنقوا الإسلام حتى وهم في العبودية كانوا أكثر بكثير جداً ممن بقوا على المسيحية. 

وقد ذهب المؤرخون النصارى مذاهب كثيرة في تفسير هذا التحول، وفي التحسر عليه كذلك، والتقط بعضهم أن السر في ذلك هو ما للعبيد من حقوق مرعية، يقول: «كان للرقيق كما كان لسائر المواطنين حقوقهم، بل قيل: إنه كان للعبد أن يقاضي سيده إذا أساء معاملته، وأنه إذا تحقق القاضي من اختلاف طباعهما اختلافاً بيّناً إلى حد تعذر الاتفاق بينهما فله أن يرغم السيد على بيعه»، وقد نقل أرنولد بعض أقوال الغربيين المتحسرين على إسلام العبيد النصارى لما يرونه من حسن معاملة المسلمين، فمن ذلك: «في الوقت الذي لم يقض على أجسامهم بما أظهره لهم من رعاية وتقوى، صمم بدهائه الشيطاني على أن يقتل أرواحهم بتجريدهم من إيمانهم، ويمكن أن يشهد على هذه الحقيقة تلك الجموع من المؤمنين الذين لا يدخلون تحت حصر؛ ذلك أنه على الرغم من أن كثيرين منهم كانوا على غاية الاستعداد بأن يموتوا في سبيل العقيدة المسيحية.. قد نفث فيهم، بإنقاذهم من الموت الجسدي، وحملهم إلى الأسر، فأفسدهم بمرور الزمن، ودفعهم بخسة إلى أن يُنكروا إيمانهم بالمسيح»، وسجل رحالة إنجليزي في القرن السابع عشر أنه «كان قليل منهم يعود إلى وطنه؛ وأقل منهم من كان له من الشجاعة والثبات ما يمكنه من الاحتفاظ بدينه المسيحي»(3).

الكويت:

أقام ضابط الأمن السياسي البريطاني ه.ر.ب. ديكسون حوالي ربع قرن في منطقة شمال الجزيرة العربية وشرقها، وكان له دور سياسي مهم في خضم النفوذ البريطاني المهيمن على المنطقة، وجاء كتابه «عرب الصحراء» بمثابة تقرير شامل عن حياة سكان هذه الأنحاء، ويقع هذا الكتاب –كما يرى كثيرون- ضمن الكتب التشويهية في كثير من الأمور؛ مما اضطر دار النشر إلى حذف بعض الفصول والفقرات التي اشتدت فيها جنايته على الشخصيات والموضوعات، ومع ذلك، فنراه يقول في شأن تعامل العرب مع عبيدهم: «الغالبية من الناس يعاملون عبيدهم من العاملين في خدمتهم بالأعمال المنزلية معاملة حسنة، ولا أبالغ إذا قلت: إن بعضهم يعاملهم كأطفالهم تماماً، فلهم حرية التزاوج بالطريقة المناسبة وبمساعدة أسيادهم، ولهم الحق بالتناسل بمقدار ما يشاؤون، ويعامل أطفالهم كما يعامل أطفال أسيادهم، يلعبون معاً ويعيشون معاً، ولا أبالغ إذا قلتُ: إن سيدات البيت يعاملن هؤلاء معاملة أفضل، وحتى في بعض الأحيان لا تختلف عن معاملة أخت لأختها»(4).

الحجاز:

من أشهر الرحلات الاستشراقية وأشملها رحلة تشارلز داوتي إلى الجزيرة العربية، فإنها حافلة بالتفاصيل، وقد ترجمت في أربعة مجلدات إلى اللغة العربية، قضى فيها صاحبها عامين في أنحاء الجزيرة العربية (1876 – 1878م)، ومن أعجب ما ورد فيها مما يخص حديثنا هنا أن داوتي رأى عبيداً أفارقة في الجزيرة يحمدون الله على فضله أنهم صاروا عبيداً، وذلك أن هذه العبودية كانت طريقهم لاعتناق الإسلام وسكنى أرض الحرمين. 

يقول داوتي: «ظروف العبيد هي دوماً أمور مقبولة في الجزيرة العربية، وغالباً ما تكون ظروفاً سعيدة؛ والعبيد هنا ينشؤون باعتبارهم إخواناً مساكين وفقراء لأبناء الأسرة، وهو نوعٌ من مكافأة الرب لرب الأسرة المسلم المتدين، وهو العم لهؤلاء العبيد أثناء عبوديتهم، وهو أيضاً الأب بالنسبة لهم.. ورب البيت هنا إذا كان من النوع الذي يخشى الله ويخافه يعتق عبيده خلال بضع سنوات قلائل؛ وهو لا يعتقهم ويرسلهم لحال سبيلهم خاويّ الوفاض؛ ولكن في الجزء المرتفع من الجزيرة العربية (حيث لا يمتلك العبيد فيه سوى الأغنياء)، يقوم ذلك الرجل الطيب بتزويج العبد المعتوق سواء أكان ذكراً أم أنثى ويعطيه شيئاً من ثروته ومقتنياته.

هؤلاء الأفارقة لا يحسون بأي قلق أو ضيق لأنهم كانوا عبيداً في يوم من الأيام -إنهم في أغلب الأحيان يكونون أسرى من الحروب- بالرغم من أن تجار العبيد كانوا يختطفونهم من والديهم، كان الرعاة الذين يتبنون أولئك العبيد ويشترونهم يضمونهم إلى عائلاتهم، ويقومون بتختين الذكور منهم –وكان ذلك يُقَوِّي من روح هؤلاء العبيد المعنوية، حتى فيما يتعلق بعاطفة الحنين إلى الوطن القوية- لقد نظر الله إليهم في محنتهم، وبوسعهم أن يقولوا: هذا فضل الله، لأنهم استطاعوا عن طريق ذلك الذي حدث لهم أن يدخلوا في الدين المنقذ، ومن هنا فهم يعتقدون أن هذا البلد، الجزيرة العربية، هو الأفضل حيث أعتقوا فيه، وأن الحياة المدنية في هذا البلد أفضل من بلدهم، وأن هذه هي بلاد الحرمين الشريفين، أرض محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك شكر هؤلاء العبيد الله على بيع أجسادهم في أسواق العبودية»(5).

ليبيا:

توقف المؤرخ الإيطالي إتّوري روسّي متعجباً، وهو يرصد وضع تجارة الرقيق في طرابلس الغرب (ليبيا) في منتصف القرن التاسع عشر، ومجهود أوروبا وبالذات الإنجليز في محاربة هذه التجارة و»إنقاذ» العبيد، وخلص بعد الاستعراض إلى القول: «الغريب أن عملية الإنقاذ هذه قد تعرضت لصعوبات جمة، من قبل هؤلاء العبيد أنفسهم، الذين عاد عدد كبير منهم إلى أسياده، بعد تحريرهم وإعتاقهم، كما تعود البهائم المعتادة على النير وحمل الأثقال، عاجزين عن أن يشقوا لأنفسهم طريقاً خاصاً مستقلاً، وقد تخلوا في غير أسف عن تلك الحرية التي لم يرغبوا فيها، رغم ما كان يُوَفَّر لهم من حماية ومساعدة. 

ومن الحق أن يقال: إن وضع هؤلاء العبيد، لم يكن سيئاً قاسياً، وأن أصحابهم كانوا يعاملونهم معاملة إنسانية في العادة، كما أن أوضاع العبيد في البيئة الإسلامية لم تكن مهينة، كما يمكن أن تبدو على ضوء الأفكار الحديثة، في المساواة بين البشر»(6). 

مصر:

كان جوزيف بتس بحاراً إنجليزياً لكنه وقع في أسر الجزائريين عند السواحل الإسبانية في حروب القرن السابع عشر، فبقي أسيراً وزار مع سيده مكة، وكتب رحلته إلى الحج، وفي أثنائها مر بمصر، فوصف فيها حال العبيد والجواري على هذا النحو: «في الجزائر أعترف أن إجبار الرقيق على التحول للإسلام ليس أمراً شائعاً، رغم أنني –علم الله- قد عانيت بما فيه الكفاية منهم، لكن في مصر وتركيا –دعني أؤكد- أن الأمر يختلف؛ فالجواري والعبيد الذين هم في مرحلة الشباب يلحقون مباشرة بالمدارس لتعلم القراءة والكتابة، فهم مخلوقات جاهلة بائسة، وحقيقة فإنهم بعد تحولهم للإسلام تسير أمورهم في هذه الأنحاء على نحو أفضل، وقد يتفوقون كأبناء سادتهم إن كانوا أذكياء، ويقال: إن هؤلاء المتحولين للإسلام يلقون حظوة أكثر من الأتراك الأصلاء.. ويفخر العبيد والجواري الذين بيعوا هنا أن يوسف عليه السلام قد تم بيعه في مصر»(7).

وبعد قرنين من رحلة بتس؛ أي في منتصف القرن التاسع عشر، وصل إلى القاهرة أشهر رحالة إنجليزي في عصره وهو ريتشارد بيرتون الذي ملأت رحلاته ثلاثة وأربعين مجلداً، وكان يجيد خمساً وعشرين لغة، وكانت رحلته للحج في ثلاثة مجلدات، الأول منها هو ما كان في وصف الأحوال في مصر، وجاء فيه: «لقد عرف الإنجليز لتوِّهم أن العبيد ليسوا بالضرورة أكثر الناس بؤساً وأحطهم مرتبة، فهناك من لديه الشجاعة الكافية ليخبر الشعب الإنجليزي أن الرقيق في بلاد الشرق عامة يأكل أفضل بكثير من الخدم أو حتى أفراد الطبقات الدنيا ممن ليسوا عبيداً، وهذا أمر حقيقي. 

فالشريعة الإسلامية تلزم المسلمين بمعاملة رقيقهم برقة بالغة، والمسلمون –بشكل عام- حريصون على الأخذ بتعاليم نبيهم، فالرقيق يعد فرداً من أفراد الأسرة.. وعندما لا يكون العبد راضياً بمعيشته ففي وسعه أن يجبر سيده على بيعه بالطرق المشروعة، والعبد في بلاد الشرق لا ينعى همَّ الطعام أو السكن أو اللباس أو الاستحمام، كما أنه مُعفى من دفع الضرائب، ومُعفى من الخدمة العسكرية ومن دفع أي مبالغ لسيده»(8).

إن المتأمل في الأحوال العامة للعبيد في عموم تاريخنا الإسلامي سيجد أنهم كانوا في حال أفضل من حال السجين في السجون المعاصرة، بما في ذلك السجون الغربية، وكلما أطلنا التفتيش في تاريخنا وتراثنا –بشرط أن نتخلص من ضغط الثقافة الغالبة- ازدننا إيماناً أن نبينا إنما هو «رحمة للعالمين»، وأن البشرية تنتظر صحوة هذه الأمة لتزيل ما رسخ في أقطار هذه الأرض من الجرائم والمظالم.

الهوامش

(1) علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: د. محمد يوسف عدس، ط1 (القاهرة: دار الجامعات، 1997م)، ص100.

(2) جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2000 م)، ص391.

(3) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، ترجمة: د. حسن إبراهيم حسن وآخران، (القاهرة: مكتبة النهضة العربية، 1971م)، ص200 وما بعدها.

(4) ديكسون، عرب الصحراء، ط2 (دمشق – بيروت: دار الفكر – دار الفكر المعاصر، 1998م)، ص456، 457.

(5) تشارلز داوتي، ترحال في صحراء الجزيرة العربية، ترجمة: صبري محمد حسن، ط2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، الجزء الأول، المجلد الثاني، ص384، 385.

(6) إتوري روسي، ليبيا منذ الفتح العربي حتى 1911، ترجمة: خليفة التليسي، ط2 (طرابلس: الدار العربية للكتاب، ص1991م)، ص452.

(7) جوزيف بتس (الحاج يوسف)، رحلة جوزيف بتس إلى مصر ومكة والمدينة المنورة، ترجمة ودراسة: د. عبدالرحمن عبدالله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1995 م)، ص37، 38.

(8) ريتشارد ف. بيرتون، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ترجمة وتعليق: د. عبدالرحمن عبدالله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1994 م)، ص63.

الرابط المختصر :