العنوان الافتتاحية- الحرب التي أعلنتها إسرائيل على العرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996
مشاهدات 83
نشر في العدد 1206
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 02-يوليو-1996
أظهرت نتائج الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر للمنطقة في الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة أصبحت تتبنى بالكامل البرنامج المتطرف للحكومة الإسرائيلية الذي يرمي في النهاية إلى الضغط على العرب وإجبارهم على مواصلة الاستسلام لإسرائيل ومطامعها في فلسطين والقدس والدول العربية المجاورة دون شروط فقد أقر كريستوفر لنتنياهو بكل ما طرحه ابتداء من أن القدس هي العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل، إلى حق اليهود في الاستيطان في أي مكان في أرض الميعاد، وأن الجولان لا تخضع لأي تفاوض مع سورية باعتبارها أصبحت جزءًا من إسرائيل بعد ما تم الإعلان عن ذلك في عام ١٩٨١م.
وبرنامج نتنياهو الذي تبنته الإدارة الأمريكية لا يعني سوى إعلان الحرب على العرب، وقد بدأت إسرائيل الخطوة الأولى في هذه الحرب حينما صرح وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي بأن سعي مصر لامتلاك صواريخ سكود يهدد أمن إسرائيل، وطالب ليفي الولايات المتحدة بأن تتحرك للضغط على مصر ومنع امتلاكها لأي سلاح يهدد أمن إسرائيل، وسرعان ما تجاوب الناطق باسم الخارجية الأمريكية مع نداء إسرائيل وأعلن أن الولايات المتحدة قلقة بشأن تسلم مصر هذه المعدات وألمح إلى إمكانية فرض عقوبات على مصر لأنها في نظر إسرائيل والولايات المتحدة قد أقدمت على جريمة تمس أمن إسرائيل لمجرد سعيها لامتلاك سلاح تقليدي، فيما تملك إسرائيل –بدعم أمريكي– أكثر من مائتي رأس نووية وترسانة هائلة من الأسلحة غير التقليدية بحجة الحفاظ على أمنها، ولعل هذا ما دفع الرئيس المصري حسنى مبارك إلى أن يكون استقباله يوم الأربعاء الماضي لوزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر في القاهرة فاترًا، وأن ينهي اللقاء بعد ساعة واحدة ويلغي المؤتمر الصحفي الذي كان مقررًا بينهما في أعقابه، وهذا يشير إلى بداية مرحلة من الخلافات بين مصر والولايات المتحدة بسبب الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل والتدخل في شئون الدول العربية وأمنها وسيادتها إلى أبعد الحدود، وهو ما يلاقي رفضًا وهيجانًا لدى الشعوب في البلاد العربية، لأن الأمر أصبح من الاستخذاء والتراجع إلى حد لا يمكن للشعوب ولا للجيوش في البلاد العربية أن تقبله مهما كانت السيطرة عليها.
ولم يقف الأمر عند حد تصعيد إسرائيل للمواجهة مع مصر بل تعداه إلى تصعيد أكبر للمواجهة مع سورية ولبنان، وذلك بعد فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها من وراء عملية عناقيد الغضب التي قامت بها في جنوب لبنان في مايو الماضي، ورغم أن إسرائيل قد قتلت خلال هذه العملية ۱٧٩ مدنيًا لبنانيًا وأحدثت دمارًا هائلًا في مدن وقرى الجنوب اللبناني، إلا أنها لم تتمكن من القضاء على المقاومة في جنوب لبنان، ولم تحقق أية أهداف استراتيجية أو حتى انتخابية لبيريز، وجاءت العملية العسكرية التي قامت بها خلية فدائية بالقرب من أريحا يوم الأربعاء الماضي ونتج عنها مقتل ثلاثة عسكريين إسرائيليين لتتيح المجال أمام نتنياهو لاتهام سورية بالإرهاب واتخاذ ذلك الأمر ذريعة ليهدد أمن سورية ولبنان، ويعد العدة لعملية عسكرية جديدة يستهدف فيها هذه المرة سورية ليجبرها على القبول بشروط الاستسلام التي يريد فرضها على الجميع، ويتوقع المراقبون أن يجد نتنياهو دعمًا أمريكيًا لهذه العملية المرتقبة، وذلك في ظل اللوم الذي وجهه الرئيس الأمريكي كلينتون إلى الرئيس الأسد في الأسبوع الماضي بسبب عدم انصياع سورية قبل ذلك لشروط بيريز مما عرض علاقات الصداقة السورية الأمريكية للخطر، وهذا ما دفع وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر إلى أن يقول في نهاية آخر زيارة له إلى سورية: «إن علاقتي مع الأسد لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه».
وقد علق الكاتب باتريك سيل المتخصص في شئون المنطقة قائلًا:
«نادرًا جدًا ما واجه وزير خارجية أمريكي في السنوات الأخيرة إذلالًا واضحًا مثلما حدث مع وارن كريستوفر خلال محاولاته دفع سورية للقبول بالشروط الإسرائيلية» وهذا الكلام لسيل يعكس الموقف الأمريكي المرتقب حال قيام إسرائيل بهجوم واسع النطاق على سورية ولبنان لإجبارهما على القبول بشروط نتنياهو الاستسلامية.
إن هذه التطورات الخطيرة في المنطقة يجب أن تدعو العرب إلى عدم الانتظار والترقب حتى تقع الكارثة كما هو الحال دائمًا، فالدعم الأمريكي الكامل للمشروع والبرنامج الصهيوني الجديد والاتفاق التركي الإسرائيلي هي بعض مراحل الاستعداد الإسرائيلي لضرب سورية ومحاصرتها، ولعل التدريبات المشتركة بين القوات الإسرائيلية والتركية التي تمت خلال الأشهر القليلة الماضية، والأسلحة المتطورة والصواريخ المضادة للصواريخ التي أرسلتها أمريكا مؤخرًا لإسرائيل تحمل شيئًا من نذر هذه الحرب التي يترقب أن يشنها نتنياهو بين لحظة وأخرى بعدما أعلن صراحة في برنامجه الذي أقره الكنيست «أن الحكومة الإسرائيلية تحفظ لنفسها الحق في تفعيل جيش الدفاع الإسرائيلي وأذرع الأمن ضد تهديدات الإرهاب حسب الحاجة وفي أي مكان بهدف ضمان سلامة سكان الدولة وأبناء الشعب اليهودي»
وهذا إعلان واضح ومفتوح للحرب في أي زمان ومكان تراه إسرائيل، ولعل مجريات الأحداث تؤكد أنه موجه ضد سورية ولبنان بوضوح في هذه المرحلة.
إن هذه المعطيات تؤكد على ضرورة تحرك العرب وتفعيل دورهم وتوحيد صفوفهم لمواجهة الحرب المفتوحة التي أعلنتها إسرائيل عليهم، وإن أول خطوة يجب أن تقوم بها الحكومات العربية بعد القمة التي عقدتها في القاهرة في الأسبوع الماضي هي المصالحة الشاملة مع شعوبها باعتبار أن الشعوب هي السند الرئيسي للحكومات، وإن أول خطوات المصالحة مع الشعوب هي الإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين تعج بهم سجون بعض الدول العربية ومنح الشعوب العربية القدر الكافي من الحرية لتكون هذه الطاقات الشعبية دعامة للحكومات في هذه المواجهة الكبيرة المرتقبة مع إسرائيل، فالمصالحة مع الشعوب هي الخطوة الأولى لتوحيد الجهود ضد العدو المشترك ويكفي أن نتذكر أن هزيمتي ١٩٥٦ و١٩٦٧م اللتين وقعتا في عهد عبد الناصر قد حدثتا بينما كانت سجونه تغص بأعداد هائلة من المعتقلين المظلومين من الإخوان المسلمين وغيرهم، كما يجب على الحكومات العربية أن تدرك حجم الطاقة البشرية والموارد الطبيعية الهائلة التي قد منَّ الله بها على هذه الأمة والتي تعتبر وحدها كفيلة بإيجاد قوة عربية تفرض رأيها على الدنيا كلها، لذا يجب توجيه هذه الطاقة والاستفادة منها إلى أبعد الحدود التي تخدم المصالح العربية.
كذلك يجب تنويع مصادر السلاح وربط أمن الدول العربية بمصالحها وأهدافها الاستراتيجية، أما أن يعتمد العرب في كل شيء –حتى في القمح الذي لا غنى لهم عنه– على الدول الغربية فهذا هو أخطر وسائل التبعية وفقدان السيادة.
لقد أثبتت مجريات الأحداث أن ما يسمى بمسيرة السلام في المنطقة ليس سوى مسيرة استسلام وأكاذيب وأوهام، وأن إسرائيل لا تكنُّ للعرب سوى الأحقاد والمطامع والكراهية، وإن طريق استعادة الحقوق هو طريق القوة والرباط والجهاد، فالجهاد في سبيل الله هو الطريق الوحيد لاستعادة مجد الأمة وعزها، والتاريخ دائمًا لا يصنعه إلا الأوفياء الأقوياء، وإننا في انتظار الخطوات الإيجابية من الحكومات العربية لمواجهة الحرب الإسرائيلية المعلنة، ويكفي الأمة ما وصلت إليه من تفكك وضعف وفرقة وهوان، فهل آن للأمة أن تستجيب لنداء ربها حتى يحقق وعده لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل